• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari
كتب, مراجعات

مجتمعات المتشردين وأحياء الصفيح .. هل نتحول إلى “كوكب العشوائيات”؟!

طفل في مجمع سكن عشوائي نيروبي نيجيريا
طفل في مجمع سكن عشوائي نيروبي نيجيريا

يقدِّر باحثو الأمم المتحدة ساكني العشوائيات بألف مليون نسمة، وتتصدر إثيوبيا دول العالم من حيث نسبة العشوائيات إلى المدن، وتعد بومباي في الهند عاصمة العشوائيات في العالم؛ بما تحتويه من مساكن جماعية متلاصقة في أحياء قذرة، تليها لاجوس، القاهرة، كراتشي، دلهي،… وتنامت العشوائيات بسرعة منذ أواخر الثمانينات في دول الاتحاد السوفيتي السابق، وتقدر الأحياء العشوائية في العالم بحوالي مائتي ألف حي.

وتصنَّف العشوائيات إلى شقين: رسمية، تتكون من مساكن منخفضة التكلفة، ومساكن عمومية، وفنادق رخيصة، أو غير رسمية تتشكَّل في الأرصفة والحدائق العامة، والمساكن غير المرخصة، .. وهناك أيضًا معسكرات اللاجئين.

وتمثل الأحياء السكنية في المقابر في القاهرة حالة خاصة استثنائية ملفتة، وتحتاج إلى دراسة خاصة، فهذه المقابر الأميرية والملكية في العصور الوسطى، وأحيانًا تعود إلى الفراعنة، بدأت تتحول منذ القرن الثامن عشر إلى مساكن لحراس مقابر الأسر الغنية وعائلاتهم، وبدأ ينضم إليهم عمال المحاجر والأقارب، ثم تدفق إليها عدد كبير من لاجئي الحروب والمهاجرين، وقام السكان بتكييف المقابر وشواهدها بطرق إبداعية؛ لتحويلها إلى مناضد وأرفف وخزائن.

كوكب العشوائيات

– كوكب العشوائيات، تأليف: مايك ديفيز، ترجمة ربيع وهبة.
– المركز القومي للترجمة، القاهرة، 378 صفحة، ط1 ، 2013.
– Planet of Slums. By: Mike Davis

ويصف الصحفي “ماكس رودنبك” زيارة له في ثمانينات القرن العشرين إلى أسرة تقيم في أروع العقود القبابية الفرعونية، وقد فكَّ ساكنو المقبرة مكان الرفات من الداخل، وحولوه إلى أرفف داخلية للملابس وأوعية الطهي، وأيضًا لتلفزيون ملون..

وهناك العشوائيات العائمة في جنوب شرق آسيا، وهي أحياء وتجمعات سكانية في القوارب، ويعيش في لوس أنجلوس حوالي مائة ألف متشرد في الحدائق العامة والشوارع، ويعيش أكثر من مليون شخص في بومباي على الأرصفة وجوانب الطرق.

تتشكل العشوائيات اجتماعيًّا من مجموعات من العمال غير المنتظمين في عمل ما (عمالة سائبة)، والكثير منهم طردوا من أعمالهم، والمهجرين قسرًا، والريفيين القادمين بحثًا عن فرص أفضل، واللاجئين وضحايا الحروب والكوارث، والخارجين على القانون والمهربين.

الدولة الخائنة والمساعدات الوهمية

يرد المؤلف تشكل العشوائيات إلى سياسات حكومية وإدارية استعمارية، ثم تابعتها الحكومات المتشكلة بعد الاستقلال، وفي محاولات ومشروعات معالجة الظاهرة التي أدارتها الحكومات بالتعاون مع البنك الدولي والمنظمات الدولية فإن الحالة قد ازدادت سوءًا.

كانت الإدارة الاستعمارية في آسيا وأفريقيا تمنع الريفيين من الهجرة إلى المدن للحفاظ على طابع المدينة؛ ولأجل الإبقاء على الطابع القبلي الريفي للسكان؛ لأنه كان واضحًا أن تحول السكان إلى مدنيين يعيد تشكيلهم في تجمعات جديدة غير قبلية، تنزع إلى مناهضة الاستعمار، وصعدت سياسة الفصل العنصري/ الابارتيد بهذا النظام إلى حدوده القصوى في جنوب أفريقيا، وكانت الإمبراطوريات وكثير من الدول تسعى في حصر وتقييد الهجرة الريفية، ولكن ذلك لم يمنع تدفق الملايين للإقامة في أحزمة وأحياء بائسة في المدن وحولها، وأدت عودة الصين إلى الرأسمالية في ثمانينات القرن العشرين إلى تراجع السياسات الحازمة التي كانت متبعة من قبل، ليتدفق الملايين إلى المدن، وينشئوا عشوائيات حضرية قذرة، وبعد انهيار نظام الابارتيد في جنوب أفريقيا في أواخر الثمانينات حدثت أكبر انتفاضة عشوائيات في تاريخ العالم، حيث تضاعف عدد السكان السود في المدن في فترة زمنية قصيرة.

في محاولات لحل مشكلات العشوائيات وإسكان الفقراء لم يلاحظ المخططون للأمكنة الاستراتيجيات الفعلية لمصادر رزق فقراء الحضر، بما في ذلك استخدامهم المتكرر لمنازلهم ورش عمل، أو حاجتهم إلى السكن في موقع قريب من الأسواق المركزية أو المصانع، كما أن عدم اتساق السكن الشاهق (الأبراج السكنية التي أقيمت لإيواء الفقراء) على أطراف المدن مع البنى الاجتماعية السائدة والاقتصادات غير الرسمية، وهذا خطأ تاريخي متكرر للإصلاحيين الحضريين وقياصرة المدن في كل مكان.

 جدول يوضح أكبر تجمعات سكانية حسب البلد، اعتمد المؤلف على دراسات برنامج الأمم المتحدة للموئل البشري (UN – HABITAT)

جدول يوضح أكبر تجمعات سكانية حسب البلد، اعتمد المؤلف على دراسات برنامج الأمم المتحدة للموئل البشري (UN – HABITAT)

يذكر المؤلف تجربة مبكرة في خمسينات القرن التاسع عشر عندما أقيمت مساكن للفقراء، ولكنهم رفضوا الانتقال إليها بسبب شكلها الموحد، وتحولت إلى مساكن للمستأجرين البورجوازيين، وفي دراسة حديثة لوحظ بوضوح أن الفقراء كانوا يفضلون بحماس أحياءهم العشوائية القديمة على الأبراج الجديدة، حدث ذلك في هونغ كونغ والجزائر وتونس ودلهي وبومباي وكلكتا؛ فقد فضل الفقراء دائمًا البقاء في عشوائياتهم، وكان المستفيد من المساكن المدعومة الموظفون والطبقات الوسطى.

لقد أصبحت الدولة ما بعد الكولونيالية/ الاستعمارية خائنة لوعودها لمواطنيها في حياة أفضل، وتوفير السكن والعمل والتأمين الصحي لهم، وهناك إجماع على أن السكن العام المدعوم من الدولة في العالم الثالث قد انتفعت به بشكل رئيس الطبقات الوسطى الحضرية والنخب، هؤلاء الذين يقدمون معدلات ضرائب منخفضة، ويتلقون مستويات مرتفعة من الخدمات البلدية.

ففي الفلبين -على سبيل المثال- تحولت مشروعات إسكان الفقراء والتي شارك فيها البنك الدولي إلى مصادر للربح الفاحش للمقاولين، وللسبب نفسه كرهها الفقراء إضافة إلى بعدها عن أماكن العمل والخدمات، وفي نهاية الأمر حولت الجهود البطولية للبنك الدولي معظم العشوائيات إلى أماكن متكدسة، وانتهت الأراضي المخصصة لإسكان الفقراء إلى موظفي الدولة والطبقات الوسطى، وانضم إليهما منتفع جديد هو المنظمات غير الحكومية.

ولكن متوالية العشوائيات لم تقف عند الفقر والفجوة المتسعة بين الفقراء والأغنياء وغياب الأمان والضمان الاجتماعي والتأمين الصحي لنسبة كبيرة من الناس، ولكن هذا التهميش أنشأ متوالية أخرى من الإرهاب والتطرف وتجارة المخدرات والاتجار بالبشر، وربما يكون أسوأ من استعباد البشر والدعارة ما يجري من اتجار بالأعضاء البشرية، وهو سوق ظهر في الثمانينات، وافتتح بجراحة نقل الكلى، والأعضاء البشرية القابلة للزراعة والتبديل، وامتد من الهند إلى أجزاء واسعة في العالم!.. إنها حالة وصفها الرئيس الأسبق للكونغو/ زائير “كل شيء يمكن بيعه، كل شيء يمكن شراؤه”.

Previous ArticleNext Article
إبراهيم غرايبة
كاتب وباحث أردني

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.