وزير الخارجية التونسي السابق : التوازنات السياسية الجديدة لا تسمح بالاستبداد - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

مقابلات

وزير الخارجية التونسي السابق : التوازنات السياسية الجديدة لا تسمح بالاستبداد

رفيق عبد السلام وزير الخارجية التونسي السابق
رفيق عبد السلام وزير الخارجية التونسي السابق
رفيق عبد السلام وزير الخارجية التونسي السابق

أكد رفيق عبد السلام صهر رئيس حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي وعضو مجلس الشورى في الحركة، إن تهمة إساءة التصرف في أموال وزارة الخارجية التي كان يرأسها تهمة كيدية، مدفوعة بدوافع سياسية تحركها بعض الجهات. وفي ما يلي نص الحوار:

• ارتباطا بالحوار الوطني، كيف توصلت «النهضة» إلى توافقات مع الخصوم وتهدئة الأنصار والحلفاء في الوقت نفسه؟

– هي معادلة صعبة كانت تقتضيها المرحلة ومصلحة البلد لأننا على اقتناع بأن المرحلة الانتقالية حساسة وتحتاج إلى معادلات معقدة، وخيارنا في النهاية تغليب المصلحة الوطنية على مصلحة الحزب وإنجاح التجربة الديمقراطية الوليدة على أي اعتبارات أخرى لأن هذه المرحلة لا تكفي فيها شرعية صندوق الانتخابات بل تحتاج إلى روح توافقية ومساحة شاسعة من التوافقات بين مختلف القوى الفاعلة.

كان من الممكن أن تتشبث حركة النهضة بالشرعية الانتخابية وسنكون وقتها إزاء خيار مكلف للبلاد و«النهضة» نفسها، أي الحكم بالقمع أو أن تغلب «النهضة» المصلحة الوطنية وتبحث عن التوافقات المطلوبة مقابل تسليم الحكم إلى حكومة كفاءات وطنية مستقلة تأخذ نفس المسافة من الترويكا و«النهضة» والمعارضة.

• استقالة حكومة علي العريض اختلفت حولها التقييمات، البعض رأى فيها علامة فشل والبعض الآخر قيمها إيجابيا وعد أن الترويكا والبلاد استفادت منها، ما تعليقك؟

– في عالم السياسة الرموز والمعاني لا تقل أهمية عن الجوانب المادية، وحكومة علي العريض وحركة النهضة غادرت الحكم بعد أن أهدت التونسيين دستورا توافقيا وكان بمثابة المرآة العاكسة لمختلف مكونات المجتمع والساحة التونسية. حركة النهضة أيضا ورغم الصعوبات التي واجهتها حافظت على مكسب الحرية بعد الثورة ولم تتورط في أي شبهة «استبداد أو قمع»، وذلك خلافا لتجارب أخرى رأيناها في المنطقة، فـ«النهضة» خرجت بشرعية أخلاقية والناس مدركون لهذه الحقيقة.

• البعض قال إنه انقلاب ناعم وإن خروج «النهضة» من السلطة لم يكن طوعا بل كان نتيجة ضغوط قوية من الداخل والخارج، ما مدى صحة هذا القول؟

– ليس الأمر بهذه البساطة، «النهضة» كانت في الحكم وهي الآن موجودة في الساحة فاعلة ونشيطة والحكم ليس هدفا استراتيجيا بالنسبة إليها بل الهدف هو خدمة مشروعها السياسي المدني، ونجاح «النهضة» من عدمه يقيم من خلال التجربة الديمقراطية ورسوخ تقاليد الحرية في تونس. أنا أؤكد أنه لم تكن هناك ضغوط، فالمعطيات تغيرت و«النهضة» تقدمت للحكم في موجة صعود وتحولات سياسية شهدتها المنطقة بعد الربيع العربي وبالتأكيد الوضع الإقليمي أثر على الخيارات السياسية للحركة لأنها حزب سياسي عقلاني يقدر مآلات الأمور جيدا ويحسب مقادير الربح والخسارة في أي من الخيارات السياسية التي ينتهجها، لكن في تقديري الشخصي أن المنطقة فعلا تعيش مخاضا كبيرا سيأخذ سنوات طويلة من المد والجزر إلى أن تستقر المنطقة على هيئة معلومة، فهي بصدد التغير والتحول مهما كانت إرادة الكبح والارتداد.

• ما رأيك في مقولة إن بقاء «النهضة» خارج الحكم أفضل لتونس، وهي مقولة يتبناها البعض؟

– لا أعتقد أن الأمر بهذه البساطة، نحن مقتنعون بالخيار التشاركي، وتونس والمنطقة بحاجة إلى التوافق ولم تدرك بعد مرحلة الديمقراطية التنافسية بحيث تحكم الأغلبية وتعارض الأقلية على النحو الذي استقر في الديمقراطيات العريقة. ما زلنا نحتاج إلى عقود لتستقر هذه التجربة من خلال التوافقات السياسية للتحالفات بحيث يشعر الجميع أن لهم مصلحة في إنجاح التجربة، ولكن ما هو مؤكد أن «النهضة» ستظل معطى راسخا وثابتا في المعادلة السياسية التونسية وأستطيع القول إنها إلى جانب مكونات الساحة قد ساهمت في إنقاذ تجربة الربيع العربي التي يراد خنقها ووأدها في المهد.

• بعد المصادقة على الدستور رأينا الشيخ راشد الغنوشي يذرف الدموع، ماذا فهمت أنت من هذا الفعل؟

– هذا شعور بأهمية هذا المكسب، أن يكون هناك دستور توافقي يضع الإطار التشريعي العام للحياة السياسية الجديدة بعد ثورة ودستور يستجيب لتطلعات التونسيين في الحرية والكرامة والعدالة ويوفق بين مقتضيات الهوية ومتطلبات الحداثة، هذا حلم راود التونسيين عبر أجيال متتالية، ومثلما كان لتونس شرف صياغة أول دستور في العالم الإسلامي فإن لها اليوم شرف صياغة وثيقة متميزة في المنطقة والعالم العربي، والشيخ راشد الغنوشي تأثر وذرف الدموع لأن ذلك كان حلما يراوده وكان يتمنى الوصول إلى هذه المحطة وتأمين ما تبقى من المسار الانتقالي الذي مر باهتزازات وصعوبات كثيرة.

• كيف تقبلت الإشادة الدولية – سواء من جانب السياسيين أو وسائل الإعلام – بدستور تونس الجديد؟

– هذه رسالة مشجعة للتونسيين والتونسيات للمضي قدما في استكمال تجربتهم الديمقراطية الوليدة وإنجاح ثورتهم التي كان أحد أهم مطالبها وشعاراتها الحرية والكرامة.

• بعد ما تحقق لتونس في الفترة الأخيرة، هل تعد أنه جرى قطع الطريق نهائيا أمام إمكانية إجهاض الثورة والانقلاب عليها وربما عودة الاستبداد؟

– لا أنفي هذه الإمكانية ولكن نقصت المخاطر، على الأقل لدينا اليوم إطار يضبط قواعد اللعبة السياسية ويؤمن ما تبقى من المرحلة الانتقالية للوصول إلى انتخابات في أفضل الأوضاع والظروف الممكنة، وهذا ما يدعو إلى ضرورة دعم الروح التي تبلورت خلال الأشهر الأخيرة وهي روح التوافق الوطني للوصول بتونس إلى بر الأمان، وأنا أرى أنه من الصعب عودة الاستبداد لسبب رئيس وهو أن حاجز الخوف قد تفكك والتونسيون لديهم شعور عميق بأهمية الحرية والحفاظ على هذه القيمة السياسية فضلا عن كون التوازنات الجديدة لا تسمح بعودة الاستبداد، ومن ذلك وجود حياة سياسية ثرية ومجتمع مدني نشيط بما يجعل من الصعوبة بمكان الانفراد بالسلطة.

• ينطلق المجلس الوطني التأسيسي بعد أيام في مناقشة القانون الانتخابي الذي سيحدد كل ضوابط ومراحل العملية الانتخابية القادمة، ما مدى أهمية هذا القانون بالنسبة إلى البلاد والحياة السياسية؟

– القانون الانتخابي هو استكمال لما تبقى من آخر عناصر المرحلة الانتقالية للوصول إلى الانتخابات القادمة، اليوم لدينا دستور وهيئة مستقلة ستشرف على الانتخابات بقي التوافق على القانون الانتخابي ويبدو أنه سيكون شبيها بالقانون الذي نظم انتخابات 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2011 مع بعض التعديلات، ربما سيجري تعديل سقف الدخول إلى البرلمان بالنسبة إلى الأحزاب السياسية ولا أتصور أنه ستحصل تعديلات كبيرة ولكن هذا القانون سيحصل حوله جدل ولكن الأحزاب الكبرى لها مصلحة في تعديل القانون السابق والأحزاب الصغيرة لها أيضا مصلحة في تعديل وتطوير هذا القانون لا في إلغائه.

• مسألة مراجعة التعيينات التي تطرحها المعارضة كمطلب رئيس وشرط ضروري لنجاح الانتخابات، هل ستقبل بها حركة النهضة؟

– إذا كان ذلك بطريقة شفافة فسنقبل بها، المهم أن تشمل فترة حكم الترويكا وكذلك أيضا عهد حكومتي محمد الغنوشي والباجي قائد السبسي وكل من يثبت عدم كفاءته بقطع النظر عن انتمائه السياسي يمكن أن يحل محله من هو أكثر كفاءة. نحن لسنا عدميين ولا نقول إن الدولة بدأت مع الترويكا بل الدولة قائمة على التواصل مع من سبق الترويكا ومن جاء بعدها على أن تكون هذه المراجعة من طرف هيئة مستقلة ومحايدة وتشمل من لهم علاقة بالانتخابات حتى لا تتوفر ذريعة للانحياز في هذه الانتخابات وغياب النزاهة والاستقلالية.

• المعارضة والإعلام يتحدثان عن تراجع شعبية «النهضة» بعد تجربة الحكومة، وقياداتها تتحدث عن عودة قوية بعد الانتخابات القادمة، أي الرأيين أقرب للصواب؟

– هذا الأمر لا يقلقنا ما دامت العملية الديمقراطية قائمة ونحن مقتنعون بأن صندوق الاقتراع هو الحَكَم وكل الأطراف سيقاس حجمها عبر صندوق الاقتراع ولكن من خلال المعطيات المتوفرة والمعروفة فـ«النهضة» تتمتع بشعبية مهمة وتظل الحزب الرئيس في الحياة السياسية وهذه حقيقة. أنا ليس لدي غرور ولكن لدي اطمئنان وإذا خسرت «النهضة» عبر صندوق الاقتراع فستأخذ مكانها الطبيعي في معارضة عقلانية ورشيدة وتهيئ نفسها للانتخابات الموالية وتقيم تجربتها وتتعلم من أخطائها.

• كيف تحكم على المعارضة وعلى أدائها؟ وكيف ترى دورها في المرحلة القادمة؟

– دور المعارضة لا يقل أهمية عن دور الأحزاب الحاكمة، فبقدر ما نحتاج إلى حكومة مسؤولة ورشيدة في هذه المرحلة فإننا نحتاج إلى معارضة رشيدة وعقلانية تقدر المصالح السياسية للبلاد وتتنافس على تحسين الأداء وضمان النجاعة المطلوبة في مختلف المناحي السياسية والتنموية والاجتماعية وغيرها.

• وجود «النهضة» اليوم في موقع القوي المنتصر – حسب تحليلك – يعود في نظر الكثير من المحللين إلى ضعف المعارضة وتشتتها وليس إلى قوة الحركة وقدرتها على إدارة البلاد؟

– ليس لدي شعور متضخم بأن «النهضة» طرف منتصر، وأعد أن كل التونسيين خرجوا منتصرين من هذه التجربة (حكومة ومعارضة) لأن الجميع أدرك أن مصلحة البلاد تقتضي هذا التوافق للتخفيف من الاستقطاب السياسي أكثر ما يمكن، ولكن هناك مؤاخذات على بعض أجنحة المعارضة التي تتبنى مطالب راديكالية لا تحتملها الأوضاع الراهنة للبلاد والحياة الديمقراطية لأن ميزة الديمقراطية أنها تحول ما يسمى بالعدو إلى خصم أو منافس سياسي يمكن مقارعته بالحجة والدليل، وهذا ما يفسر أن بعض المفكرين السياسيين الغربيين يعرّفون المجتمع الديمقراطي بالمجتمع التواصلي. نحن فعلا بحاجة إلى بناء الديمقراطية التواصلية التي تقوم على قوة الحجاج والاستدلال الحواري وتغليب الأجدر والأصوب بدل الاستغراق في المطالب الجذرية التي لا يتحملها وضع البلد.

• ما مدى إمكانية دخول حركة النهضة في تحالف سياسي أو انتخابي أو حكومة ائتلافية مع حركة نداء تونس بعد الانتخابات القادمة؟

– السياسة فضاء متحرك ونحن سنتحالف مع القوى التي سيفرزها صندوق الاقتراع، ولكن بغض النظر عن تحالفاتنا السياسية نحن حريصون على تأمين الاستقرار السياسي عبر ديمقراطية توافقية تشاركية، هذا الأمر سابق لأوانه وتحالفاتنا ما زالت موضوع تحر ودرس ولكن كل الخيارات تظل مفتوحة وربما تكون التحالفات بعد الانتخابات.

• حسب رأيك، هل انتهى دور الرباعي الراعي للحوار الوطني أم أن الساحة السياسية والبلاد ستبقيان بحاجة إليه؟

– الرباعي قام بدور إيجابي ومن المهم مرافقة هذه التجربة إلى منتهاها الذي هو الانتخابات القادمة، ليس مطلوبا من الرباعي التدخل ولكن المطلوب أن يساعد الحكومة مثلما هو مطلوب منا كـ«نهضة» وباقي الأطراف المشاركة في الحوار إسناد الحكومة ومساعدتها على أداء دورها وتحقيق الأهداف.

• ما هي دلالات قيام المهدي جمعة بأول زيارة له خارج البلاد إلى الجزائر؟

– اختيار الجزائر لتكون أول محطة هو دليل على العلاقات الاستراتيجية والحيوية التي تربط تونس بالشقيقة الأكبر الجزائر، ودليل من الجهة الأخرى على الأهمية التي توليها الجزائر للجارة تونس، ولنا مصلحة مشتركة في تطوير هذه العلاقة والارتقاء بها إلى أعلى المستويات الممكنة بما يلبي طموحات شعوبنا في فضاء مغاربي مفتوح ومتكامل ربما تمثل تونس والجزائر نواته الأساسية والصلبة.

• حالة التوتر التي تعيشها ليبيا الآن وحالة الانقسام وخطر الحرب الأهلية، ألا ترى فيها تهديدا لاستقرار تونس واقتصادها؟

– قطعا ما يجري في ليبيا أمر مقلق لأشقائنا بقدر ما يقلقنا لأن أوضاعنا الأمنية والسياسية والاقتصادية شديدة الترابط والتداخل، علما أن الشأن الليبي تحول إلى شأن تونسي خاصة أن هناك 600 ألف ليبي مستقرين في تونس وأكثر ما يقلقنا هو انتشار السلاح ووجود مجموعات عنف وإرهاب رغم كل المجهودات التي تبذلها قوات الأمن وجيشنا، والأمر مؤثر على اقتصادنا لأنه لا أمل في حركة اقتصادية وحركة تنموية من دون استقرار أمني وسياسي.

ما هو تعليقك على القضية المرفوعة ضدك في ما يعرف بقضية إساءة التصرف في المال العام عندما كنت وزيرا للخارجية؟

– هذه قضية كيدية مدفوعة بدوافع سياسية تحركها بعض الجهات التي تريد تصفية حسابها مع وزير الخارجية السابق، وكل المحامين ورجال القانون الذين درسوا الملف خلصوا إلى نتيجة واحدة وهي أنه مليء بالإخلالات الشكلية فضلا عن كونه لا يحتوي على عناصر الإدانة، أنا لا أريد أن أحل محل القضاء لأن الأمور بخواتمها، ما حصل أنني دخلت الوزارة وهناك 800 ألف دينار في الحساب التشاركي وغادرتها وبه 2200 ألف دينار، بمعنى أن الهبة الصينية التي أثير حولها الجدل وقيل إنني تصرفت فيها لفائدتي الشخصية ما زالت إلى اليوم على ذمة الدولة ولم يمس منها مليم واحد.

• البعض يرى أن إحالتك إلى القضاء مقدمة لمحاسبة وزراء حركة النهضة ومحاكمتهم بتهم وقضايا مختلفة لإيداعهم في السجن وإقصائهم من الحياة السياسية، ما رأيك؟

– لا أحد يستطيع إقصاء «النهضة» من الحياة السياسية لأنها معطى واقعي وموضوعي راسخ في الحياة السياسية ولم يعد من الممكن فرض معطيات سياسية بقوة القمع واستخدام الأجهزة الأمنية مثلما كان يحدث سابقا لأن الثورة حررت التونسيين من هذه المكبلات مثلما حررتهم من هاجس الخوف.

• ما هي أهم تحديات المرحلة القادمة بالنسبة إلى تونس؟

– التحديات الأساسية اقتصادية وأمنية بالدرجة الأولى، نحن سجلنا تقدما كبيرا على الصعيد السياسي حيث ترسخت قيم الحرية والديمقراطية ولكن تبقى هذه الحرية معرضة للانتكاس بسبب التحديات الاقتصادية والتنموية وبسبب المخاطر الأمنية، ولذلك لا بد من العمل على أن تتحرك القاطرة في هذه الاتجاهات الثلاثة (السياسي، والاقتصادي، والأمني).

Previous ArticleNext Article
اعلامي تونس ورئيس البرامج الحوارية في التلفزيون التونسي "الوطنية الأولى"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.