مائة عام من ذاكرة السعوديين.. أساطيرهم وأمثالهم وحكاياتهم - المجلة
  • worldcuplogo2
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

بروفايل

مائة عام من ذاكرة السعوديين.. أساطيرهم وأمثالهم وحكاياتهم

المؤرخ السعودي عبدالكريم الجهيمان
المؤرخ السعودي عبدالكريم الجهيمان

عبد الكريم الجهيمان أديبٌ وصحافي وكاتب سعودي حينما تقرأ له لا تملك إلا أن تحبّه. إنه لا يتعالى على مجتمعه على الرغم من علوّه معرفيا على كثير منهم، ولا يقلل من شأنهم مع رفضه لبعض عاداتهم وأفكارهم. يكتبُ منطلقا من الواقع الذي يحيط به ويراه. وهو يؤكد دائما أن الأفكار المبثوثة في مقالاته لا تمثل أفكار كاتبها فحسب؛ بل تمثل أفكار الوسط الذي كان يعيش فيه. إن أردت أن تقرأ ثقافة المجتمع السعودي بين عامي 1912 – 2011 فعليك بقراءة عبد الكريم الجهيمان فإنه يكتب من وحي ذلك المجتمع وله، وينقل عنهم ليسرد للتاريخ أجزاء من روايتهم. من هنا تأتي أهمية الجهيمان الثقافية والأدبية واللغوية؛ حيث يمثّل منتجه الصحافي والأدبي قصة تطور الثقافة في المملكة العربية السعودية، من شقيها: «الشفاهي» في تدوينه للأساطير والأمثال الشعبية التي كانت تدور على ألسنة الناس في تلك الفترة، و«الكتابي»: في المقالات الصحافية التي جمعها في عدد من كتبه، وعلّق عليها في مذكراته بعد أن تجاوزها الزمن وتقدّم به العمر.

الكتابة على الرمل!

بلا مدارس ولا كتبٍ ولا أقلامٍ تعلّم الطفل عبد الكريم الجهيمان الكتابة الأولى على يد إمام المسجد في الكتاتيب في قرية «غسلة»، وأحيانا كانوا يصنعون ألواحا عريضة تنوب عن الأوراق مطلية بمادة جيرية يكتبون عليها، فإذا حفظوا ما كتب عليها، محوه وعادوا يطلونه بتلك المادة الجيرية من جديد.
وعندما بلغ عبد الكريم الجهيمان الثالثة عشر من العمر ذهب إلى الرياض، والتحق بطلاب العلم هناك؛ حيث كان التعليم في حلقات تقام في المساجد؛ فتعلّم النحو والفرائض والفقه. وكان التعليم آنذاك يعتمد على حفظ المتون؛ ومن أراد إتقان فنون أي علم في ذلك الحين عليه بحفظ المتون.

ثم درس بعد ذلك في المعهد العلمي السعودي الذي كان يعد أول مدرسة حكومية نظامية أنشأها الملك عبد العزيز آل سعود في مكة المكرمة عام 1345هـ. ودرس فيها لمدة ثلاث سنوات. وبعد ثلاث سنوات تخرج من المعهد، وانتدب لإنشاء المدرسة النموذجية الأولى في مدينة السيح بمنطقة الخرج وذلك عام 1348هـ.. ثم انتقل بعدها إلى الظهران حيث تولّى رئاسة تحرير جريدة «أخبار الظهران» والتي تعد أول صحيفة تصدر من المنطقة الشرقية، صدر بعض أعدادها من بيروت لأن شركة الطبع لم يكن لديها الاستعداد آنذاك لإصدارها. فكانت ترسل المواد كاملة إلى بيروت وتطبع هناك. ثم بعد ذلك صارت تصدر من الدمام كل نصف شهر وكانت في بدايتها ضعيفة هزيلة؛ ولكن النشأة العلمية التي نشأ عليها الجهيمان أكسبته ثقة بالنفس، وإقرارا بالقدرة على العمل والتقدم والنجاح؛ على الرغم من شحّ الموارد الثقافية وأمية المجتمع وبساطة الحياة. وصار يعنى بالموضوعات التي لها تأثير مباشر على الناس؛ فزاد اهتمام القراء بها، وبدأت تنمو وتكبر ويتسع توزيعها ويكثر قراؤها شيئا فشيئا.

الجهيمان والمجتمع.. والآخر

على الرغم من تقدميته وريادته المبكرة على من حوله، فإن الجهيمان كان حريصا أشد الحرص على قيم المجتمع؛ حتى لو كانت هذه القيم قيودا تثقل حرية الفرد. فهو يرى أن الإنسان في هذه الحياة لا بد أن يكون مقيّدا بقيود دينية وقيود اجتماعية وقيود سياسية؛ قد تفرض عليه سلوكا ربما لا يكون راضيا عنه كل الرضا وهو بين هذه القيود لا يعيش حرا طليقا. وقد كتب الجهيمان في مذكراته رفضه التام لأي فكرة مختلفة لا تتناسب مع المجتمع المحافظ الذي تسوده قيم وأخلاق توارثها الخلف عن السلف. لكنه مع ذلك يوازن بين قيم المجتمع وتقاليده وما يطرحه من مقالات ترده للصحيفة وما يكون سابقا لأوانه فيستبعده مباشرة، وأما ما كان مقبولا ويعالج بعض الشؤون التي تحقق للوطن والمواطنين نقلة في طريق الحضارة والتقدم والازدهار فإنه ينشره دون تأخر. وهو بذلك يرى أن السير المتواصل وإن كان بطيئا فإنه يصل بك إلى أهدافك؛ بينما السرعة غير المتزنة وطرح الأفكار السابقة لأوانها، أو إلقاء الكلام على عواهنه دون تهيئة المجتمع لاستقباله قد تؤدي إلى عواقب سيئة، أو مخالفة تماما للمطلوب.

الجهيمان متحدثا في أحد الندوات
الجهيمان متحدثا في أحد الندوات
كان عبد الكريم الجهيمان من أوائل الداعين إلى تعليم البنات في السعودية منتصف الخمسينات، في مقال أنكر نسبته لنفسه بعنوان «نصفنا الآخر»

يقدم الجهيمان دائما حق المجتمع على حق الفرد. ويرفض بصريح العبارة أي شعار يدعو للمساواة؛ فالأديب عبد الكريم الجهيمان مثقف عربي محافظ يعترف دائما أنه ابن بيئته التي نشأ فيها. وإن كان يرى التغيير ضرورة ملحّة ولكنها تبدأ من المجتمع لتؤثر في الأفراد، والفرد هنا إما أن ينساق مع التغيير أو أنه سيتغير مكرها لا محالة. ويؤكد الجهيمان ذلك في مقدمة كتابه «أحاديث وأحداث» أن الإنسان في تغير مستمر في جسده، وفي فكره، وتغير في جميع تطلعاته المادية والمعنوية، شاء ذلك أم أبى. وقد عبر آباؤنا وأجدادنا عن هذا المعنى بمثل شعبي عريق عميق هو قولهم «إما سنى، وإلا سنت به المحالة» أي إنه إذا لم يسر مع التيار؛ فإن التيار سيسير به على رغم أنفه.

أمّا حينما يواجه الجهيمان فكرة تتعارض مع أفكاره فإنه يقرأ المشهد من جهته، ثم يقرأه مرة ثانية كآخر برأي مختلف، وبمبرراتِ وجهةِ نظرٍ أخرى تختلف تماما مع وجهة نظره وقد تعارضها تماما. يذكر في كتابه «دورة مع الشمس» في مقالة عن زيارته لهوليوود؛ يقول: «إنني لا أعرف من أمور السينما والأفلام شيئا، وكثير من تلك الأفلام التي تعجب بعض الناس لا تعجبني ولا أشاهدها لا بثمن، ولا مجانا» ثم يستدرك قائلا: «إنه لو كان كل الناس مثله لكسدت بضاعة الأفلام؛ ولكن الناس مختلفين فيما يحبون ويكرهون، وأمزجتهم وأذواقهم ليست متطابقة».
وعند وصفه لسلوك الشعب الأميركي وطرائق التسلية لديه قال: «إنهم قد بلغوا حدا من البساطة، بل السذاجة، لفت نظري»؛ ثم يقرأ المشهد مرّة ثانية من وجهة نظر أخرى مختلفة، وهي وجهة نظر الشعب الأميركي نفسه. والتي يطرحها كأحد الاحتمالات لفهم الموقف فيقول: «وقد أكون بتفكيري هذا في نظرهم أنا البسيط الساذج»، ثم يطرح الأسباب التي تجعل وجهة نظره مختلفة عن وجهة نظر الآخر؛ يقول: «إن تربيتهم غير تربيتي، والمجتمعات التي عاشوا فيها غير المجتمعات التي عشت فيها. ومن هنا صار التفاوت في وجهات النظر وفي طريقة الحياة». هنا تظهر لنا الهويّة العربية عند الأستاذ الجهيمان؛ هويّة متزنة أصيلة لا ترفض الآخر ولا تنكر نفسها. لأن الهوية لا يمكن أن تُوجد إلا عبر الاختلاف؛ والجهيمان يعترف أن «الأميركان» قد بلغوا مستوى من الرقي والتقدم لم يبلغه. وأن هذا شيء لا شك فيه. وذلك لا يمنعه من إبداء رأيه في سلوكهم دون أن يصدر أيّة أحكام.

ويعترف الجهيمان في أحد لقاءاته الصحافية (مجلة «أهلا وسهلا»، 30/06/1995 العدد 1639) أنه في أوائل شبابه لم يكن بذلك الهدوء والتوازن؛ بل كان شديد الحماس لمناصرة أي فكرة يؤمن بها سواء كانت دينية أم وطنية، وكان هذا الحماس يقوده في بعض الأحيان إلى مواقف محرجة مع بعض الجهات أو الشخصيات التي يكنّ لها الكثير من الحب والتقدير. ويقول إن الذي جره إلى ذلك أنه كان يؤمن بالفكرة التي تقول: «إذا أطعمت فأشبع وإذا ضربت فأوجع» ويقول: «كما أنني أؤمن بفكرة أخرى مفادها أن على المرء إذا أراد أن يكون لكلامه تأثيرا؛ فإن عليه أن يكون قوله حارا جدا، أو باردا جدا. وليحذر أن يكون كلامه فاترا؛ فإنه إذا كان كذلك يمر على الآذان دون أن يشعر بفحواه أي إنسان».

والجهيمان يصرّح بسياسته في التعامل مع المختلف معه في الرأي في مقدمة كتابه «الأمثال الشعبية في قلب جزيرة العرب» يقول: «فأنا أحاول أن ألتقي مع من يختلف معي في منتصف الطريق؛ ليكون في ذلك إرضاء من يتفق معي بعض الشيء، وتخفيف فجوة الخلاف بيني وبين من يختلف معي».
وهو دائما يطرح فكرته في انسجام تام بين الواقع الذي يعيشه والآمال التي يتطلع إليها في مجتمعه دون تعقيد أو تعارض مع إمكانات البيئة أو المجتمع. كل فكرة يطرحها تنطلق من الواقع الذي يعيش فيه؛ ليس لديه أي أفكار مستوردة أو علوم مقترضة. يأخذ من العربية أصالة وتراثا ويرتد إليها. تناولَ اللغة العربية من أفواه الناس في شبه الجزيرة العربية وسطّرها في الحكايات الشعبية في كتاب «من أساطيرنا الشعبية في قلب جزيرة العرب». ودون الأمثال، وشرح قصّتها في سلسلة الأمثال الشعبية.

داعية إلى تعليم البنات

كان عبد الكريم الجهيمان من أوائل الداعين إلى تعليم البنات في السعودية في مقال يدعو إلى تعليم الفتيات كما يتعلم الصبيان؛ ليكون لديها القدرة الكافية لتربية أولادها تربية صحيحة تتناسب مع العصر الذي يعيشون فيه. وقد لقي صنوفا من الأذى بسبب هذه الدعوة التي كانت سابقة لأوانها على حد قوله في مذكراته، وكان ذلك عام 1375هـ. وبناء على تلك الدعوة التي كانت في ذلك العصر تعد مخالفة للسائد من العادات والتقاليد؛ صنّفه بعض الكتّاب المعاصرين بـ«الليبرالي» أو «المتحرر» أو «التقدمي». وأرى أنه وإنْ صَدَق عليه وصف «التقدمي» فإنه لا يصدق عليه بأي حال من الأحوال وصف «الليبرالي» أو «المتحرر» حتى في سياقه التاريخي أو سياقه الاجتماعي والثقافي؛ حيث إنه كان في كثير من مواقفه محافظا منحازا لقيم المجتمع على الرغم من تقدميته في بعض الأطروحات والأفكار التي لا تشكل بمجموعها منهجا يمكن أن يوصف بأنه «ليبرالي/ متحرر».

كانت دعوة الجهيمان لتعليم البنات في المقال المنشور بعنوان «نصفنا الآخر!!» (جريدة «أخبار الظهران» 7-2-1956) والذي أنكر نسبته إليه حين أُوقف عن العمل وسُجن بسببه، ولكنه ضمّنه بين مقالاته بعد حين؛ بين دفّتي كتابه «دخان ولهب» دون أن ينسبها لقائل آخر، وهو قد ناقش نفس المبررات المذكورة في المقال في مقال آخر قبله بثلاثة أشهر في نفس الصحيفة وكان بعنوان «حلو هذه المشكلة الاجتماعية» (جريدة «أخبار الظهران» 4-3-1956) وفي دعوته تلك، أو الدعوة التي يؤيدها؛ يرى الجهيمان أن تعليم البنت ضرورة فيما يخدم متطلبات تربية الأولاد، وفيما يخدم حاجات الذكور. فهو يدعو لتعليم البنات ليس لأنهن مواطنات، ومن حقهن أن يتعلمن كما يتعلم الذكر؛ ولكن يجب أن يتعلمن حتى يكنّ أكثر قدرة على إسعاد الذكور من أزواجهن وأبنائهن.

صورة تجمع الجهيمان والمؤرخ حمد الجاسر
صورة تجمع الجهيمان والمؤرخ حمد الجاسر
للجهيمان مواقف رجعية ضد المرأة حيث يرى أنها أقل فهما من الرجل، وأن أدوارها الأساسية هي في المنزل

هو في ذلك يخشى من الخطر الذي يهدد كيان المجتمع والحياة الأسرية. ويرى أنه يعظم خطره بقدر ما ينتشر العلم والثقافة بين الذكور في المجتمع؛ لأنهم بذلك سيبحثون عن زوجات متعلمات قادرات على تربية الأبناء وإدخال السعادة على قلوبهم. يقول مؤكدا الخطر الذي يخشاه من عدم تعليم البنات؛ «وأنا شخصيا أعرف الكثير من أبناء بلدنا المتعلمين الذين تورطوا في الزواج من زوجات غريبات؛ بدعوى أنه ليس في بلادهم من تتقارب عقليتها مع عقلياتهم». وهذا الاقتباس تكرر في المقالين «حلّو هذه المشكلة الاجتماعية» و«نصفنا الآخر!!». ولو دققنا قليلا في المفردات المستخدمة في عنواني المقالين لوجدنا الحضور المكثف لأهمية المجتمع في عرض قضية تعليم البنات، وهو المبدأ الذي يتبناه الجهيمان دائما؛ نرى أنه ناقش تعليم البنات في المقال الأول باعتباره مشكلة اجتماعية، وفي المقال الثاني أيضا كمشكلة اجتماعية يتضرر فيها نصف المجتمع من جهل نصفه الثاني.

موقف غير تقدمي من المرأة

وعلى الرغم من موقفه التقدمي من تعليم الفتيات فإن الجهيمان كانت له مواقف رجعية مضادة للمساواة بين المرأة والرجل، ففي مقال له بعنوان «خدعوها.. فنادوا بالمساواة !!»، (جريدة «المسائية»: 28/11/1403هـ) يؤكد أن المرأة أقل فهما من الرجل بالضرورة، وإن وجدت امرأة متميزة فإن ذلك أمرا لا يّقاس عليه لأن العبرة بالأغلبية، يقول: «صحيح أن في النساء نوادر يشاركن الرجل في كثير من الصفات ولكن العبرة بالأكثرية، ومثل هذه النوادر لا تقوم حجة على أن المرأة مساوية للرجل». ويحذّر من الانسياق لما يفعله الغرب والشرق في مساواة المرأة مع الرجل؛ فيقول: «ونحن إذا رأينا ماذا كانت النتائج في أمم الشرق والغرب من خروج المرأة إلى مجالات الأعمال؛ عرفنا أن الرجال جنوا على المرأة أكثر مما نفعوها وسلبوها كثيرا من مزاياها الأنثوية». ثم يستدرك قائلا: «وأرجو أن لا يفهم القارئ والقارئات من كلامي هذا أنني أريد من المرأة أن تكون حبيسة المنزل». ولكنه يعود ليقيّد حقها بالأدوار الأساسية التي يرى أنها لا بد أن تكون هي الأهم في حياة أي امرأة؛ وهي الأمومة والتربية والقيام بشؤون الأسرة. ثم يشير إلى أن المتزنات من النساء سوف يقرأن هذا الكلام وهن راضيات به موافقات عليه. أما إذا كان في النساء أو الرجال من يرى غير ما رأى فإنه قد جانب الحق حسب تصوره.

وعند تتبع شرح الجهيمان للأمثال الشعبية التي قيلت في المرأة نجدها تبدو لديه مخلوقًا ضعيفًا يأخذ من الرجل ولا يعطي, يستفيد ولا يُفيد. ويُحمد منها الخضوع والاختباء والجبن والخنوع والبخل. يقول في شرح المثل الشعبي «مَعْرِفَةْ الرْجَالْ تْجَارَةْ والنْسَا خَسَارَه» (10/312): «إن التعرف على الرجال فيه خير وبركة وشرف؛ لأنهم يكونون عونا للرجل في الشدائد، وعضدا له في الملمات؛ أما النساء فمعرفتهن لا تفيد؛ بل قد تكون ضارة بعض الأحيان حيث يتهم المرء في عرضه، ويتهم في سلوكه لو عرف إحداهن».

ثم يعقب على شرح المثل قائلا: «إن المرأة مخلوق ضعيف، ومن طبيعة هذا المخلوق الضعيف أنه يأخذ ولا يعطي، ويستفيد؛ ولكنه لا يفيد في كل ظرف من ظروف الحياة. فالمرأة لا تفيدك في ميادين الحرب، ولا تفيدك عندما تكون في ضائقة مالية، ولا تفيدك عند الخصام ومصاولة الفحول». وبعد كل هذه النقائص التي يصم بها المرأة والتي فرضتها تقاليد المجتمع على أكثر النساء؛ يقول: «وهذه الأمور لا تقدح في المرأة، لأنها خلقت لتكون أما لهذا العالم، وهناك بعض الأمور التي تحمد في الرجل ولا تحمد في المرأة؛ فالرجل يحمد بالكرم بينما المرأة تحمد بالبخل بأموال زوجها والبخل بنفسها وفيما تتعرض له من مغريات تخل بالشرف، والرجل يحمد بالفصاحة والبيان والبروز في المجتمعات بينما المرأة تحمد بالحياء، والاكتنان في كسر بيتها». وهكذا نرى صورة متقابلة بين الرجل والمرأة عند الجهيمان باعتبار الرجل كائنا إيجابيا، والمرأة كائنا سلبيا.

ونحن هنا لسنا بصدد تتبع كل آراء الجهيمان في حق المرأة أو محاكمتها؛ ولكن الغرض من ذكرها هنا لتوضيح فكرة التقارب الفكري الشديد بين المجتمع السعودي آنذاك والمستوى الثقافي الذي كان ينتمي إليه الأستاذ عبد الكريم الجهيمان فيما يخص المرأة تحديدا على الرغم من موقفه المغاير للسائد تجاه تعليم البنات، ولكن إذا دققنا نجد أنه يدافع عنه باعتباره لصالح المجتمع والمجموع، وليس باعتباره حقا فرديا للفتاة.

لغة الجهيمان

يتسم أسلوب الجهيمان اللغوي بالبساطة والأصالة؛ البساطة من حيث تركيب الجمل، والأصالة من حيث الغذاء اللغوي الذي استمده الجهيمان من حفظ المتون وكتب التراث العربي في الأدب والشعر والعلوم الدينية.
ونرى في الاقتباس التالي الموضوعات التي يتناولها غالبا، والموضوعات التي يتجنبها قاصدا كالمباحث الدينية، أو الفلسفية، أو المجادلات الفكرية، أو الموضوعات المبتدعة. يقول في مقدمة مذكراته: «ومع ذلك الجهد الذي بذلته في هذه المذكرات فإنني لن أحاول خديعة القارئ الكريم.. فالذي يتطلع إلى أن يجد في هذه المذكرات مباحث دينية فإنني أنصحه بأن لا يقرأها.. ومن أراد مباحث فلسفية فإنني أصارحه أيضا بأنه لن يجدها.. ومن أراد مخاصمات ومصادمات وآراء مبتكرة فإنه لن يجد لها ظلا ولا أثرا.. أما من أراد أن يجد صورا من الحياة لعدة أجيال فليقرأ هذه المذكرات.. ومن أراد أن يطلع على بعض تجاربي التي فيها الناجح وفيها الفاشل.. فإنه سوف يجد بعضا منها.. ومن أراد نقدا اجتماعيا يهدف إلى الارتفاع بمستوانا الحضاري فإنه سوف يلمح بعض الإشارات والعبارات التي تهدف إلى ذلك..».

كتاب الأمثال الشعبية لعبدالكريم الجهيمان
كتاب الأمثال الشعبية لعبدالكريم الجهيمان

المنتج الأهم الذي تركه لنا الأديب عبد الكريم الجهيمان هو تراث المجتمع السعودي الشفوي والمكتوب في الأمثال والأساطير الشعبية

ونلاحظ في النص السابق سمات لغوية ظاهرة في شكل اللغة التي يستخدمها الأستاذ عبد الكريم الجهيمان، وهذه السمات ظاهرة في كل كتاباته في الكتب والمقالات؛ على اختلاف دور النشر التي أصدرت مؤلفاته؛ مما يعني أنها سمه خاصة وطابع عام لما يكتبه هو في النص المخطوط. وهذه السمات تتمثل في غياب أكثر علامات الترقيم؛ ما عدا علامتي الجملة الاعتراضية. وحضور نقطتين متجاورتين بين كل جملة وأخرى. وأحيانا ثلاث نقاط خاصة في المؤلفات المتأخرة؛ وتحديدا كتاب «مذكرات وذكريات» المطبوع عام 1415هـ من دار «الشبل» للنشر والتوزيع بالرياض. ومن السمات الظاهرة أيضا اختتام الجمل التعجبية وغير التعجبية بعلامتي تعجب متلاحقتين؛ وقد تكون في عناوين بعض المقالات؛ نحو: «الجن.. وأحاديث الجن!!».، «الشعارات البراقة..!!»، «إلى أبي الشعب سعود!!»، «نصفنا الآخر!!». وهذه السمات الظاهرة في شكل الكتابة ليست غريبة على أديب استمد ثقافته من المتون ومخطوطات كتب التراث، أو مطبوعاتها القديمة التي كانت تخلو تقريبا من علامات الترقيم، والنقاط أحيانا.
أما في كتابه: «الأمثال الشعبية في قلب جزيرة العرب»؛ فقد جعل كل الأمثال الشعبية مضبوطة بالشكل كما ينطقها عامة الناس الذين أطلقوا تلك الأمثال. وفي شرحه لتلك الأمثال كان أسلوب الجهيمان حاضرا في الفكر وفي الشكل الكتابي أيضا.

وختامًا؛ فإن قراءة شخصية الأستاذ عبد الكريم الجهيمان في كتبه ومقالاته وشعره تكشف لنا أكثر عن جوانب فكره وثقافته، وتأثيره على المجتمع الذي نشأ فيه، وتأثره به. وتتبع المقالات الصحافية التي كتبها الجهيمان، وتتبع تسلسلها التاريخي يُظهر لنا مسيرة الصحافة السعودية وتبدّل أحوالها خلال مائة عام من الزمان تقريبا.
إن المنتج الأهم الذي تركه لنا الأديب عبد الكريم الجهيمان هو تراثنا الشفوي المكتوب في الأمثال والأساطير الشعبية. وتلك الثقافة الشفوية التي اعتنى الجهيمان جيدا بتدوينها كما تلقاها من أفواه الناس في شبه جزيرة العرب جديرة بالدراسة والتحليل لغويا وثقافيا واجتماعيا. لأن هذه الثقافة الشفوية هي المرآة الصادقة التي تعكس لنا طبيعة المجتمع السعودي ورؤيته للحياة في تلك الفترة الزمنية الممتدة حتى عصرنا الحاليّ.

Previous ArticleNext Article
أكاديمية سعودية، أستاذة اللغة العربية بجامعة سلمان بن عبدالعزيز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.