السِّيستاني.. بين آخر شيوعي وآخر إخواني! - المجلة
  • worldcuplogo2
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

أحوال, مدوّنات

السِّيستاني.. بين آخر شيوعي وآخر إخواني!

المرجع الشيعي السيد علي السيستاني
المرجع الشيعي السيد علي السيستاني

يبقى الغلو والتَّطرف واحدًا، إن كان المتطرف إخوانيًّا أو شيوعيًّا، وتضيق المسافة بين أقصى اليمين وأقصى اليسار. فمع الافتراق بينهما إلا أنهما في النِّهاية يلتقيان، وفي حالة مَن نقصد يكون اللقاء على قاعدة حب الذات أو تضخم الأنا. في خضم الأزمة التي تعيشها المنطقة، لا نعجب مِن التَّلاقي بين الإخواني والشِّيوعي. كم تبدو الملامح العصابية واحدة، إلى درجة يمكن لكلٍّ منهما أن يحل مكان الآخر.

لم يجد الإخواني والشِّيوعي الأخيران غير نفسيهما صالحين في عالم خراب، حسب تصورهما، فقال الأول بما نفهمه مما يتحدث وكأنه ملاك: أنا آخر إخواني شريف، أو صادق، يحاول في ما يكتب ضد تنظيمه السابق كي ينزه ذاته وبإلحاح، لكن في حقيقة الأمر يبكي على الفشل، وقد ضاع ثلثا عمره وهو يجد تنظيمه في مهب الرِّيح، ملامح هذا الرَّجل ليس فيها ما يقنع بمراجعة أو إعلان خطأ أو اعتذار عن خطيئة. قرأت له أكاذيبَ عمَّا حدث بالعراق يتحدث بها وكأنه عاشها يومًا بيوم، فتركت ما يكتب، سوى كان في أطروحة أكاديمية أو مقال أو حديث مِن منبر إخواني، وهو يستهزأ مِن دول التفتت لمخاطر إخوانيته قبل فوات الأوان.

أما الشِّيوعي الأخير فيؤمن أن هناك مؤامرة ذهبت بحلمه الأممي، ومَن يقترب مِن هذا الرَّجل لا يجد لديه حلمًا سوى نفسه. يوهمك أنه المقاوم الوحيد والبطل الأممي، شتم حزبه السابق وما زال يشتم، لكن هذا الحزب ليس فيه جرأة ليكف عن تعظيم مَن ليس بعظيم، أو تكبير مَن ليس بكبير، حتى صار ظاهرة لغو لا أكثر.

لقد التقى المفترقان، الإخواني الأخير والشِّيوعي الأخير، في جحر الطائفية، وكنت أظن أن الثاني أبعد النَّاس عنها كونه مازال يدعي أنه الأممي الأخير. لكن للطائفية سمومًا أفتك مِن سموم العقارب، يتلوث بها الشيوعي والقومي مثلما تلوث الإخواني والدعوي مِن الأصل، وكل الإسلام السياسي، فعندما يكون الدِّين حزبًا لا يجد ماءً غير ماء المذهب، لكن مال الشيوعي هذه اللوثة وهذا الماء!

عندما يكون الباحث -كصاحبنا الإخواني- فريسة لإشاعات التواصل الاجتماعي، أو يأخذ منها ما يريد، بلا تمحيص ولا تدقيق، لا أتردد من رمي ما كتبه ويكتبه في مكب النفايات. فما هي الإشاعة التي يتناقلها؟ إن المرجع الشيعي السيد علي السِّيستاني استلم من الأمريكان مئتي مليون دولار، ونُقل ذلك -حسب الإشاعة- عن مذكرات وزير الدفاع “رامز فيلد”؛ كي يسكت عن اجتياح الأمريكان للعراق.

كنت سمعت ذلك الإخواني يُحدي بمثل هذا الكلام، وينسبه لرامز فيلد، ولا ندري ربَّما هناك أسرار بينه وبين الأخير. وقبل أيام سمعتها مِن أحد الإخوان الإسلاميين المصريين عندما حكى الحكاية، قلت له: ما هو مصدرك؟ قال: الباحث فلان؟ فقلت له: ليس أمر صاحبك كما ورد في الخبر: “إذا قالت حذام فصدقوها ** فإن القول ما قالت حذام”.
لو كانت الإشاعة صادقة لما سمحنا للإخواني غير العراقي أن يسبقنا إلى فضح تلك الممارسة.. لكنها مجرد إشاعة، سقط في أذيالها صاحبنا، ولدينا مثل بالعراق: “فاتك من الكذاب صدق كثير”! وأراها كذبة تدعم الطائفية والتي تترجم مشاعرها إلى دماء. فالسيستاني -إن رضينا أو أبينا- له مقلدون كثر، ولو أراد سوءًا بالعراقيين لأفتى بقتال القاعدة (2006-2007)، لكن كان جوابه لمن طلب منه فتوى جهاد ضدها: هذا أمر متروك للقانون.

يضاف إلى ذلك، ليس السِّيستاني محتاجًا إلى مئتي مليون دولار، فهي تجمع له من أغارب الأرض ومشارقها، حيث ينتشر المقلدون، لكن على ما يبدو لكلِّ حدث ضحية، فسقطت الدَّولة العباسية وكان الضَّحية ابن العلقمي (ت 656 هـ)، واليوم سقطت بغداد ليكون الضَّحية السِّيستاني. فمن العيب أن تفسر الحوادث بهذه السذاجة، إلى درجة تسفيه الحوادث نفسها.

من جانبه أيَّد الشيوعي الأخير الإشاعة، لكن بلفظ آخر، بأن السيستاني أفتى للأمريكيين باحتلال العِراق، وأنه وراء الحرب على الفلوجة، وبحكمه يكون السيستاني “كافرًا”! حيرنا هذا الشيوعي! يريد المجد له وحده، حتى أخذ يزاحم رجال الدين على إيمانهم، والقائلين بالفرقة النَّاجية، فحكم بكفرهم، وأظنه سيقولها، آجلاً أم عاجلاً، بأنه المؤمن الأخير إلى جانب كونه الشيوعي الأخير.

عندما يكون الباحث فريسة لإشاعات التواصل الاجتماعي، أو يأخذ منها ما يريد، بلا تمحيص ولا تدقيق، لا أتردد من رمي ما كتبه في مكب النفايات

لا يحتاج السيستاني إلى دفاعي، ولستُ معنيًا كثيرًا بالدِّفاع عنه، بقدر ما أحاول صد عقارب الطَّائفية والكراهية، والتخفيف من عبء الطائفيين، وهي على حد قول محمد صالح بحر العلوم (ت 1992)، صاحب قصيدة “أين حقي”(في الأربعينيات من القرن الماضي):
اترك طريق الطائفية جانبًا ** فالطائفية حيَّة رقطاء
ما يغرس الآباء بذرة سوئها** إلا ليحصد سوءها الأبناء”(شعراء الغري).

قال هذا في بداية الثَّلاثينيات، من القرن الماضي، ونحن الآن، في العقد الثاني من الألفية الثالثة، يتحول فيه الشيوعي إلى طائفي يزاحم الأحزاب الدِّينية عليها.
كم كان الشِّيوعي الأخير والإخواني الأخير متخلفين عن العصر، وانظروا على أية قاعدة يلتقيان، في الطائفية لا غيرها. ليس أكثر منا هجاءً للحرب ضد الأنبار والفلوجة، وهي خالية مِن أمثال رؤوس الشرِّ كأبي مصعب الزرقاوي ذباح الشيعة العراقيين، مثلما بالقدر نفسه بغضنا ذباح السُّنة العراقيين، المعروف بأبي درع، ونطالب بإدانته وجلبه ومحاكمته، وليس أكثر منا تأييدًا للاعتصامات السلمية والحراك المدني، وما كتبناه ضد التجاوز على الحويجة واعتصامها، وما حصل للأنبار وحصل لساحة التحرير ببغداد، وقتل المتظاهر هادي المهدي، فالقضية قضية الاحتجاج، سوى كان بألسنة شيعية أو سُنيَّة، هكذا نريد أن يكون الميزان، رؤية الخلل في السُّلطة لا في الطائفة، وهذا ما لم يره الشيوعي الأخير ولا الإخواني الأخير، وأقول للأول اقتران مبارك بينكما.

التَّطاول على السِّيستاني من قِبل الأخيرين، الشيوعي والإخواني، لا يخدم سُنة ولا شيعة، ولا يخدم الباحث ولا الشَّاعر ولا الرَّسام ولا الأديب، إنما يخدم سُلطة الطائفيين، أو تجار الطائفية. أقول (تجار)؛ كي لا أعطيهم شرف الدِّفاع عن الطَّوائف، فالشَّرف لهم بالدفاع عن مرتكزات سلطتهم وفسادهم. للأسف وصلت الطَّائفية إلى خدر الثَّقافة ولوثته بنقيع الدَّم، فماذا يبقى من عراقية العِراقي عندما يتلوث بنقيع الدَّم؟ للأسف أن الشِّيوعي الأخير يريد أن يغلق علينا باب الحجة التي نعري بها الطائفيين، ونثبت بها حق المواطنة.

أختم بالقول: كم شتمني وتجاوز عليَّ متطرفون مِن الشِّيعة، وفي هذه المدونة سأنتظر شتائم متطرفي السُّنَّة، وكلاهما يقتلان الشِّيعة والسُّنة، فالكلمة تستحيل إلى انفجار مدمر، إنه بارود الكلام.

Previous ArticleNext Article
رشيد الخيّون
باحث عراقي متخصص في الفلسفة الإسلامية. من كتبه "100 عام من الإسلام السياسي بالعراق".

1 Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.