عض الأصابع بين إسرائيل والولايات المتحدة: من يصرخ أولا؟ - المجلة
  • worldcuplogo2
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

مدوّنات

عض الأصابع بين إسرائيل والولايات المتحدة: من يصرخ أولا؟

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وارئيس الاميركي باراك اوباما
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وارئيس الاميركي باراك اوباما
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وارئيس الاميركي باراك اوباما

يوم الثاني من مارس (آذار) المقبل، يصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن في زيارة «مفصلية»، على الأقل لسببين يرتبط كلاهما بمفاوضات السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين بوساطة أميركية. الأول، اقتراب موعد طرح وزير الخارجية جون كيري، بعد 11 زيارة إلى المنطقة، رسميا، صورة الاتفاق – الإطار للتسوية النهائية للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي الذي يسعى لبلورته. والثاني، نفاذ مهلة الأشهر التسعة التي اقترحها كيري نفسه للمفاوضات بين الطرفين المتنازعين والرفض الفلسطيني المسبق «حتى الآن» لأي تمديد لها في الظروف الحالية وفي غياب أي تقدم «جوهري» في المفاوضات.

ولو وضعنا جانبا ملف الخلاف الأميركي – الإسرائيلي حول إيران بسبب مهلة الأشهر الستة الأولى من المفاوضات بين مجموعة 5 زائد 1 «يضاف إليها ستة أشهر أخرى وفق الاتفاق المرحلي الموقع في 24 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بين الجانبين»، فإن محادثات نتنياهو في البيت الأبيض مع الرئيس أوباما ستنصب بشكل رئيس على عملية السلام وتحديدا على خطة كيري. كثيرون يتوقعون أن تكون محادثات «صعبة» بالنسبة لنتنياهو الذي لم ينجح أبدا في إقامة علاقات «طبيعية» مع الرئيس الأميركي. يضاف إلى ذلك أن الهجوم الشخصي الذي تعرض له كيري من أعضاء بارزين في الحكومة الإسرائيلية «وصفه أحد الوزراء بـ(المهووس المسيحي)». واستمرار إسرائيل في خططها الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية والصعوبات التي تضعها بوجه كيري، كل ذلك لن يسهل مهمة نتنياهو في البيت الأبيض.

لعل التحذير العلني الذي وجهه كيري لإسرائيل، وفيه أنه «من المستحيل الاستمرار في الوضع القائم» أي الاحتلال، والتحذير من «حملة نزع الشرعية» عنها، وتنامي دعوات المقاطعة لمنتجاتها التي أخذت تتصاعد في الأشهر الأخيرة في أكثر من مكان في العالم، يعكس «النقمة» الأميركية على الحكومة الإسرائيلية التي تكثر من المطالب وتضع العراقيل وتمنع كيري من إحراز تقدم بشأن المواضيع الخلافية بحيث تراوح المفاوضات مكانها. وواضح أن هدف نتنياهو من خلال الاستمرار في الإعلان عن مئات المساكن الجديدة في مستوطنات الضفة الغربية والقدس الشرقية وفرض شروط جديدة على الفلسطينيين غرضهما دفع هؤلاء للخروج من المفاوضات. ومشكلة إسرائيل مع كيري، وهو ما قاله الأخير عن نفسه، أنه «يابس الرأس» أي متشبث برأيه ولا يتخلى عن أهدافه بسهولة. وهذا بالضبط ما لا تريده إسرائيل. ألم تحمل إسرائيل السيناتور جورج ميتشل الذي عينه أوباما في بداية عهده الأول مبعوثا له للشرق الأوسط والذي قام بجولات مكوكية طيلة عام كامل ولكن من غير نتيجة حقيقية، على الاستقالة؟ كيري نجح، بعد نحو ثلاث سنوات من الجمود، في جمع الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي إلى طاولة المفاوضات في 29 يوليو (تموز) الماضي، وحدد سقفا زمنيا (تسعة أشهر) وإنجاز التسوية النهائية بنهاية أبريل (نيسان) المقبل. وعندما تبين له أن هذا الهدف صعب التحقيق، خفض سقف التوقعات وسعى لبلورة اتفاق – إطار وصفه وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي بأنه «هيكل التسوية» الأمر الذي سيسمح له بتمديد المفاوضات والابتعاد عن إعلان الفشل وتحقيق أول «إنجاز» له في حقل السياسة الخارجية منذ توليه إدارة الدبلوماسية الأميركية.

بيد أن هذا الهدف، على تواضعه، يبدو صعب الإنجاز؛ إذ رغم اصطفافه إلى جانب إسرائيل بشأن العديد من القضايا «يهودية الدولة، التدابير الأمنية، المستوطنات وتبادل الأراضي..»، وإعلانه مجددا أن أمن إسرائيل «أولوية الأولويات»، فإنه ليست ثمة مؤشرات تدل على أن هذه الأخيرة جاهزة لمنحه هذا الإنجاز. ولكن على من تعول إسرائيل في تصلبها ووقوفها بوجه الإدارة الأميركية؟
خلال زيارته المقبلة إلى واشنطن، سيقوم نتنياهو بإلقاء خطاب هام أمام المؤتمر السنوي لمجموعة الضغط الإسرائيلية المعروفة (آيباك) التي تتبنى المواقف الليكودية المتطرفة والأقرب من الجمهوريين المحافظين. وليس سرا أن نتنياهو، كلما ساءت علاقته بالبيت الأبيض، يلجأ إلى الكونغرس لتقييد حركة الرئيس وتطويقه. ألم يقف نتنياهو، علنا في الانتخابات الرئاسية الماضية، إلى جانب المرشح الجمهوري ميت رومني؟ ألم تروج «آيباك» لسياسة الأخير وتجعله «صديقا» لإسرائيل؟ وأهمية اجتماع «آيباك» هذا العام تنبع من أنه يتم قبل أشهر قليلة من الانتخابات «النصفية» الأميركية التي ستحصل يوم الثلاثاء 4 نوفمبر المقبل. وبموجبها، سيتم تجديد ثلث أعضاء مجلس الشيوخ وانتخاب كل أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 435 نائبا.

ليس سرا لأحد أن «آيباك»، بسبب قدراتها المالية الضاربة وقوتها الإعلامية، تتمتع بتأثير كبير على الانتخابات النصفية. ولذا، فإن المرشحين لها يحرصون على أن يكونوا على علاقة جيدة بـ«آيباك» والطريق إلى ذلك تبني المواقف التي تروج لها مجموعة الضغط لدى الإدارة والكونغرس. يضاف إلى ذلك أن الانتخابات النصفية، وفق ما تظهره الإحصائيات الأميركية، نادرا ما تكون نتائجها لصالح الحزب الحاكم. ويسيطر الديمقراطيون على مجلس الشيوخ الحالي (55 عضوا من أصل مائة) بينما يشكلون أقلية في مجلس النواب (200 مقعد من أصل 435).

مشكلة أوباما أنه في المسائل التي تهم إسرائيل (مفاوضات السلام، الملف النووي الإيراني، العلاقات مع العالم العربي بشكل عام..)، تغيب الفروق السياسية بين أعضاء المجلسين بين ديمقراطيين وجمهوريين إلى درجة أن طروحات إسرائيل يمكن أن تحظى بأكثرية تلقائية. ويعود السبب الأول في ذلك إلى فاعلية «آيباك» ولخوف الشيوخ والنواب من أن يكونوا هدفا لها إن لجهة حرمانهم من المساهمات المالية لحملتهم الانتخابية أو عن طريق استهدافهم في الحملات الدعائية «السلبية» التي يسمح بها القانون الأميركي.

لكن هل يعني هذا الوضع أن الرئيس الأميركي، الذي تقدم بلاده 3.1 مليار دولار من المساعدات المباشرة لإسرائيل سنويا، عديم الحيلة في التعاطي مع نتنياهو؟ وما هي بالتالي وسائل الضغط التي يستطيع اللجوء إليها لتمكين كيري من تحقيق نتائج «معقولة» وتسهيل التوصل لاحقا إلى تسوية نهائية مع الفلسطينيين تنهض على تمكينهم من إقامة دولتهم مع ضمانات أمنية صلبة لإسرائيل وإغلاق نهائي لهذا الملف؟ وهل ثمة ما يدفع نتنياهو لتقديم «تنازلات مؤلمة» فيما العالم العربي مقسوم على نفسه ومنشغل بثوراته وحروبه والفلسطينيون منقسمون ما بين حماس وغزة وفتح والضفة من جهة أخرى.

الواقع أن وسائل الضغط المتوفرة للإدارة الأميركية كثيرة وذات قوة ردع لا يستهان بها. فالولايات المتحدة تستورد ما قيمته 25 مليار دولار من إسرائيل وتصدر إليها ما قيمته 15 مليار دولار. ثم هناك التنسيق والتعاون العسكريان والتبادل الاستخباري والمشاركة في برامج البحث العلمي والبرامج العسكرية وما تموله واشنطن من برامج مشتركة في إسرائيل نفسها.. ناهيك عن الدعم السياسي والسند الاستراتيجي اللذين توفرهما لها في المنظمات والمحافل الدولية وقدرتها على التأثير على حلفائها وأصدقائها لحملهم على اتخاذ مواقف تخدم المصالح الإسرائيلية في مجلس الأمن أو غيره. بيد أن استخدام هذه الأدوات يحتاج لإرادة سياسية ولتخطي الحسابات الانتخابية الداخلية. لذا قيل دائما إن أي رئيس أميركي لن يعمد للضغط على إسرائيل إلا في نهاية ولايته الثانية.

لكن الإدارة الأميركية يمكن أن تلعب ورقة «عزلة» إسرائيل التي أشار إليها الوزير كيري والتي استثارت غضب اليمين الإسرائيلي لتحمل تل أبيب على اتخاذ مواقف أكثر اعتدالا وأكثر مواءمة مع متطلبات العملية السلمية. وفي الأشهر الأخيرة تزايدت المؤشرات التي تظهر إن لم تعد قادرة على استخدام سلاح «معاداة السامية» لتقتل في المهد أي انتقادات أو عملية معادية. والأمثلة على ذلك كثيرة: الممثلة والمغنية الأميركية سكارليت جوهانسون المولودة لأب من أصل دنماركي وأم يهودية من أصل بولندي، اضطرت لفسخ عقدها مع المنظمة العالمية غير الحكومية أوكسفام المتخصصة في محاربة الفقر والجوع لأنها تروج لشركة إسرائيلية مركزها في مستوطنة في الضفة الغربية. جمعية الدراسات الأميركية قررت وقف كل أنواع التعاون الأكاديمي مع إسرائيل. الصندوق الاستثماري الهولندي بي جي جي إم وضع حدا لمشاركاته في خمسة بنوك إسرائيلية بسبب وجودها في المستوطنات. أما الاتحاد الأوروبي فقد اتخذ قرارا يمنع فيه التعاون مع الهيئات والمنظمات الإسرائيلية الموجودة في الضفة الغربية وتحريم دخول السلع المنتجة فيها إلى الأسواق الأوروبية.

ولا تتوقف حملة المقاطعة عند هذا الحد. فالمنظمة المدنية غير الحكومية بي دي إس (التي تعني المقاطعة وحجب الاستثمار والعقوبات) تقود حملة دولية ضد سياسة الاستعمار الإسرائيلية على المستوى العالمي. وحتى الآن لم تنجح الحملة الإسرائيلية المضادة التي تتهم كل دعاة المقاطعة بمعاداة الصهيونية واللاسامية والحقد على اليهود في وقفها. وحسنا فعل الرئيس الفلسطيني عند خروجه من قصر الإليزيه يوم الجمعة الماضي حين شكر أوروبا على مقاطعتها البضائع الإسرائيلية المنتجة في الضفة الغربية و«ليس مقاطعة إسرائيل».

قلنا إن «آيباك» شديدة التأثير. لكنها، رغم ذلك، منيت بهزيمتين في عام 2013: الأولى، عندما فشلت في منع تعيين تشاك هيغل وزيرا للدفاع، بحجة «عدائيته» لإسرائيل. والثانية عندما أخفقت في حمل الكونغرس على التصويت على عقوبات جديدة ضد إيران لحملها على ترك المفاوضات. ثم إن الرئيس أوباما قال صراحة إنه سيستخدم حق النقض ضد أي قرار يصدره الكونغرس بهذا الخصوص طيلة مدة المفاوضات مع طهران. ثم إن «آيباك» لم تعد وحدها موجودة في الميدان اليهودي إذ إنها أخذت تواجه منافسة من قبل منظمة يهودية أخرى هي «جاي ستريت» التي تلتزم مواقف أكثر اعتدالا وأكثر ابتعادا عن الليكود واليمين الإسرائيلي وتدعو لتسوية تغلق ملف الصراع مع الفلسطينيين. ثم إن واشنطن تستطيع التوكؤ على الاتحاد الأوروبي للضغط على إسرائيل؛ إذ إن الاتحاد، رغم «حذره» يشعر أن الكيل قد طفح. الدليل على ذلك أنه عندما أعلنت إسرائيل عن برنامج لبناء 1400 مسكن جديد في الضفة الغربية في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، عمدت أربع دول أوروبية (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا وإيطاليا) إلى إصدار بيان شديد اللهجة جاء ليضيف عنصرا جديدا على ملف الخلافات المتراكمة بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي.

بالطبع، البيانات وحدها لا تكفي لا أوروبيا ولا أميركيا. وسجل إسرائيل حافل ببيانات إدانة وحتى بقرارات لم يكن لها أي تأثير على أرض الواقع. لكن الواضح اليوم أن هناك توجهات جدية للجمع بين الأقوال والأفعال لأن الجميع يعي أنه إذا ضاعت فرصة الجهود التي يقوم بها كيري فسيمر وقت طويل قبل أن تعود إدارة أميركية للاهتمام بالملف الفلسطيني – الإسرائيلي.
عام وشهران مرا على ولاية أوباما الثانية. وما زالت أمامه ثلاث سنوات لفرض تسوية في الشرق الأوسط، وإلا فإن كل الآمال التي أثارها انتخابه مرتين وكل ما حملته خطاباته وأهمها في القاهرة وإسطنبول سيرمى في طاحونة التاريخ التي لا ترحم.

Previous ArticleNext Article
ميشال أبو نجم
كاتب لبناني ومراسل صحيفة «الشرق الأوسط» في باريس ،منحه الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند وسام الاستحقاق الوطني من درجة "فارس"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.