مكارثية التصنيف الفكري - المجلة
  • worldcuplogo2
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

مدوّنات

مكارثية التصنيف الفكري

سجالات الصحف تشهد حالة من مكارثية التصنيف الفكري بين التيارات
سجالات الصحف تشهد حالة من مكارثية التصنيف الفكري بين التيارات

بعيدًا عن التعريف الأكاديمي للتصنيف الفكري إلا أن انتشاره في الأوساط العربية أصبح ملحوظًا، بحيث يقتل أيَّ معنى للحوار، ويجهض أيَّ نقاش قبل بدئه، فالتصنيف هو حكم على الشخص دون إعطائه الفرصة لتوضيح وجهة نظره، أي أنه أشبه بالقاضي الذي يصدر حكمًا دون السماع لحيثيات القضية.

قبل سنوات تسرَّب مقال نُسب إلى شيخ إسلامي، وهو لكاتب مصنف بلبراليته أو علمانيته أو غيرها من التصنيفات التي يوزعها البعض بالمجان دون خوف من حساب أو عقاب. المقال قوبل بإعجاب واستحسان وثناء بالغ؛ لأن من كتب المقال في اعتقاد مؤيدي الشيخ لا يحتاج إلى تمحيص أو تزكية أو نقد، وعندما اتضح أن الكاتب هو من يهاجمونه في جميع المنتديات أسقط بأيديهم.

في الغرب (ويؤسفني أنني ألجأ إلى المقارنة الدائمة بهم، ولكن ليس باليد حيلة، فلا مجال للمقارنة إلا بالغرب؛ فتفوقهم أكبر من أن يتم تجاهله): كثير من الأساتذة الأكاديميين في الجامعات، وخوفًا من أن تجرفه أمور عاطفية أو فكرية أو عنصرية، كانوا يلجأون إلى تصحيح أوراق الامتحان على شكل أرقام دون قراءة الاسم، وعند رصد الدرجة يعود للاسم.

وفي 1990 عندما قادت مجموعة من النساء السعوديات السيارات في بلد يمنع المرأة من القيادة، بينما كان هدف النساء تعبيرًا رمزيًّا عن الحاجة لقيادتهن السيارات مبررات ذلك بأسباب منطقية لا تخالف الشريعة، أقول: عندما حدث ذلك هب المصنفون مرة أخرى موزعين تهم التصنيف الفكري لأولي أمر السيدات الذين تسربت أسماؤهم مابين ملحد إلى علماني إلى ليبرالي إلى كافر إلى ديوث وغيرها من التهم الجاهزة والمعلبة دونما مناقشة الحدث ذاته.

أي أنهم أصبحوا أقرب إلى المكارثية، وهو مصطلح غربي أطلقه الأمريكان على محام أمريكي يدعى “جوزيف ريموند مكارثي” وهو نائب جمهوري بالكونغرس الأمريكي في ولاية ويسكنسن في الفترة مابين عام 1947 إلى عام 1957 ومع بدايات عام 1957 أصبح مكارثي من أشهر الشخصيات العامة في فترة بلغت فيها شكوك المعادين للشيوعية أوجها؛ لتأثرهم بالتوترات الناتجة عن الحرب الباردة، وقد ذاعت شهرته نتيجة ادعائه دون دليل أن هناك عددًا كبيرًا من الشيوعيين والجواسيس السوفييت والمتعاطفين معهم داخل الحكومة الفيدرالية الأمريكية، وفي النهاية أدى منهجه إلى ضعف مصداقيته وتعنيفه رسميا بواسطة مجلس الشيوخ، وقد ظهر مصطلح المكارثية عام 1950 في إشارة إلى ممارسات مكارثي، وتم استخدام هذا المصطلح بعد ذلك للتعبير عن الإرهاب الثقافي الموجه ضد المثقفين.

ودائمًا ما يلجأ المصنفون أو المكارثيون إلى هذا الأسلوب لأنه الأسهل بالنسبة لهم، فهم لا يستطيعون أن يحاجوك أو يملكوا الصبر للحوار معك؛ لأنهم نشأوا وهم يعتقدون أنهم الأصح وغيرهم لا، وبالتالي فهو لا يجهد نفسه لإقناعك أو أقناع من بيده الحل والربط فيطلقها تصنيفًا أو يطلقها مكارثية.

ما هو أهم من ذلك أنهم يعلمون أحيانًا أنك محق بما تقوله، ولكنهم لا يريدون هذا الحق ينبع منك أو يرفع من شأنك أو يزيد شعبيتك، وبالتالي قد يصطدمون معك في مسلمات هم يؤمنون بها (الإيمان هنا القناعة وليس مثل الإيمان بالإسلام مثلاً) مثل التعامل مع المرأة أو الطفل أو غير المسلمين أو لاستصدار قانون جديد.

وقبل سنوات عندما حضر الرئيس الأسبق “بيل كلينتون” إلى المملكة مدعوًا للمنتدى الاقتصادي بجدة تحدث بإعجاب بمعرض محاضرته عن أم المؤمنين خديجة بنت خويلد من ناحية حسها التجاري، حيث كانت توكل سيدنا محمد عليه السلام بتصريف أمور تجارتها قبل الوحي. ورغمًا عن أن كلينتون لم يتجاوز أبعد من ذلك إلا أن المكارثيين أو المصنفين لم يعجبهم ذلك، لماذا ياترى؟ بنظري أنها خشيتهم من أن يتأثر البعض بكلينتون، وينساق لآرائه كلها سواء الصالح منها أو الطالح.

في نقاشاتنا الأسرية أو الحوارية الخاصة والعامة والصحف ووسائل الاتصال الجماعي تجد التهمة الجاهزة المعلبة، نعم هنالك العكس ممن ينسى من أنت وما هو اسمك ولمن تنتمي أثناء الحوار معه، ولكن هؤلاء –وياللأسى- استثناء.

عندما ذكرت قيادة المرأة للسيارة فهي أفضل مثال لعملية التصنيف الفكري، فلأن من طالب بها ليسوا من ما ينتمون للملتزمين أو المتشددين فإن أصحاب التصنيفات شنوا عليها الحرب الشعواء التي لا تبقي ولا تذر. لذا نلاحظ أن هنالك بعض الأمور التي لا تعجب المكارثيين السعوديين، إلا أنهم لا يملكون إزاءها إلا الصمت رغمًا عن أنها أسوأ بوجهة نظرهم من قيادة المرأة للسيارة.

Previous ArticleNext Article
أحمد الحناكي
صحفي وإعلامي سعودي، كتب في صحف عدة كاليوم وعكاظ والاقتصادية وشمس والمدينة وجريدة الشرق الاوسط. يحمل شهادة الماجستير في الصحافة والاتصال الجماهيري من جامعة مارشال في أميركا

1 Comment

  1. مقال وضع اليد على الجرح … للاسف كلنا يعلم سبب المكارثيه في الامم الاسلاميه جمعا … والسبب هو لاتوجد منتديات حقيقيه او جمعيات تهتم بتعريف علقة المجتمع ومن تصنيف العله والحل الامثل هو تسليط الضؤ على المشكله فتتشتت وتضيع هذه العادات والتاقاليد المتطرفه فكريا …
    ملاحظة الغريب المكارثيه موجوده بقوة ايضا عند الشوعيين العرب وبقوة وليس فقط عند الاسلاميين المتشدين … والسبب هو قلة المعلومات الحقيقيه للمتلقي حتى من ما يؤمن به اصلا وشكرا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.