اليسار البريطاني يفقد آخر فرسانه - المجلة
  • worldcuplogo2
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

مدوّنات

اليسار البريطاني يفقد آخر فرسانه

السياسي البريطاني توني بن
السياسي البريطاني توني بن

بوفاة السياسي البريطاني “انطوني وجويد بن” المعروف بتوني بن، فقد اليسار البريطاني قبل ايام ناطقا و مخططا و مصلحا اشتراكيا متميزا عن عمر تجاوز الثامنة و الثمانين بعد ستين عاما قضاها في الحياة السياسية لبلاده. نعم مازال حزب العمال واليساريون عموما يعتزون بكثير من الاسماء اللامعة مثل روبن كوك، و جف روكر، و آرثر سكاركل، و جاك سترو، بيد أن بريطانيا لم تشهد شخصية أثارت ما أثاره هذا الرجل من الضجات، و الزلازل السياسية، حتى أوحت لبعضهم، مثل كروسمان، بوصفه بمختل العقل. قالوا إنه لم يقسم بريطانيا فقط، بل قسم حتى الحزب الذي ينتمي اليه، حزب العمال ، في مواقف كثيرة ، كموضوع الانتماء للاتحاد الاوربي.

الشيء الظريف في الارستقراطية البريطانية، انها كثيرا ما انجبت سياسيين ثوريين و يساريين، بل وحتى شيوعيين. ليس لنا غير أن نتذكر الفيلسوف الكبير برتراند رسل و رئيس الحكومة العمالية مايكل فوت. كذا كان والد توني بن ، اللورد وليم وجويد بن الذي انتقل من حزب الأحرار إلى حزب العمال في الثلاثينات و دخل في حكومة رمزي مكدولاند الاشتراكية. يظهر أن روح العدالة والعطف على الضعفاء تجري في دماء هذه الأسرة ، فإبن توني بن من اقطاب حزب العمال ايضا الآن.
بيد أن توني بن دشن حياته السياسية بمعركة طويلة استغرقت ثلاثة أعوام في المحاكم من أجل التخلي عن لقبه الارستقراطي ، لورد ستانسغيت. قام بذلك لأنه اعتبر دخوله في مجلس العموم أهم من عضويته في مجلس اللوردات. و كان بالطبع كإشتراكي لا يستريح لهذا اللقب الارستقراطي ،( لقب اللورد). فاز بما يريد و فتح ذلك الابواب له ليخوض معارك طاحنة ضد السلطة و بين زملائه مما سبب كثيرا من المشاكل لهم و استقطب كثيرا من الاعداء ضده. كان مؤمنا بتغيير الكثير من المفاصل الدستورية و الانظمة البرلمانية و الحزبية ، فضلا عن المواقف السياسية . كان يعارض العولمة و ينتقد الشركات و الاحتكارات . أيد الانضمام للسوق الاوربية و لكنه تحول الى عدو لدود للاتحاد الاوربي بعد أن لاحظ أنه اخذ يؤثر على سيادة بريطانيا كدولة. زجه ذلك الى خصومة كبيرة ضد رئيس حزبه ، هارولد ولسن الذي كان يسعى للبقاء داخل المجموعة.
من أفضاله على السياسة البريطانية اللجوء لاسلوب الاستفتاء. فقد كان الانجليز يعتبرون الاستفتاء اسلوبا قذرا من أساليب الانظمة الدكتاتورية. بيد أن توني بلير أقنع حزبه بتغيير هذا الموقف فجرى أول استفتاء في تاريخ بريطانيا حيال عضوية الاتحاد الاوربي. و من حينها اصبح هذا الاسلوب معتبرا هنا في بريطانيا. و المنتظر أن يجري مرة أخرى بعد عامين ، كما سيجري في اسكوتلندا بشأن بقائها او انفصالها عن المملكة المتحدة. وهذا هو موقف توني بن في التشبث بسلطة الشعب. قال أهم سؤال توجهه لمن في السلطة أن تقول له من انتخبك؟ ثم تسأله كيف استطيع ازاحتك من منصبك؟
لم تكن وفاته مجرد خسارة لليسار البريطاني، بل كذلك لنا جميعا في عالمنا العربي فقد كان متحمسا دائما لمناصرة قضايانا ، ولا سيما بشأن فلسطين. و قاد الحملة ضد غزو العراق بالمظاهرة المليونينية و قابل صدام حسين لتبديد شبهة امتلاك العراق أسلحة الإبادة الشاملة. حظي بمقابلته الصحافي العراقي محمد عارف و سأله: أتعتبر نفسك ماركسيا؟، فقال: الأديان السماوية أثرت عليه اكثر من ماركس في الدعوة للعدالة، و إنصاف الضعفاء و المحرومين.

Previous ArticleNext Article
خالد القشطيني
كاتب وقاص له عدد من المؤلفات والكتب وصاحب عمود أسبوعي بجريدة الشرق الأوسط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.