فيلم "نوح".. الجدل حول الأفلام الدينية لاينتهي - المجلة
  • worldcuplogo2
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

مدوّنات

فيلم “نوح”.. الجدل حول الأفلام الدينية لاينتهي

الممثل راسل كرو في فيلم "نوح" 2014
الممثل راسل كرو في فيلم “نوح” 2014

التواصل بين الفنون بشتى أنواعها مع الرموز الدينية بدأ قبل السينما، في الفنون بدأت الموجة الفنية/ الدينية مع الكنسية في القرن الخامس عشر، والتي وجهت بمبالغ نقدية عالية بعض الفنانين مثل “مايكل آنجلوا وجرفاجيو” وغيرهم برسومات ذات مضامين دينية تتمحور حول شخصيات تتعلق بالديانة المسيحية مثل آدم وحواء، وبالطبع المسيح مع والدته مريم.

كان هدف الكنيسة جذب أكبر عدد من الناس في وقت ما بعد عصور الظلام، وبدء تقهقر الكنسية وتراجع شعبيتها لدى المجتمعات خصوصًا في إيطاليا، “الإمبراطورية الرومانية” في ذلك العصر. واصلت الفنون بشتى أنواعها طوال القرون بعد ذلك استخدام الشخصيات التاريخية ذات الطابع الديني لتكون المحور الأساسي للرسومات، والنحوت، وحتى البنايات المعمارية حتى نهاية القرن التاسع عشر، وبالتحديد مع عصور التنوير وانهيار سلطة الكنيسة.

مع بداية القرن العشرين، والذي تزامن مع انطلاق الفن السابع للسينما، كان هناك تردد واضح من غالبية صناع السينما في تصوير شخصيات دينية خصوصًا الأنبياء والرسل.

كانت بدايات السينما مع الأفلام الدينية عندما تم إطلاق فيلم “The King of Kings ملك الملوك” والذي كان الأول في عصر السينما الصامتة في عقد العشرينيات، والذي يسرد قصة المسيح مع الحواريين. أطلقت بعده العديد من الأفلام القصيرة والطويلة والتي تسرد سيرة المسيح من وجهة نظر متعددة، سواء كانت كاثوليكية، بروتستانتية، يهودية، أو حتى لا أدرية، والأخيرة تتمثل بتجربة المخرج الليبروكاثلوكي “مارتن سكروسيزي” المستفزة للمحافظين المسيحيين “The Last Temptation of Christ الإغراء الأخير للسيد المسيح”. قوبل الفيلم بردة فعل سلبية، ليس فقط من المجتمع الأمريكي المحافظ، بل من مؤسسات مسيحية وحتى يهودية حول العالم. قبل سنوات أيضًا أنجز المخرج اليميني “ميل جيبسون”، -والذي ينتمي للكنيسة الكاثوليكية الرومانية التقليدية- أحد أهم الأفلام الحديثة التي تسرد سيرة صلب المسيح من وجهة النظر المسيحية “آلام المسيح”، تلك الخطوة قوبلت بردة فعل إيجابية من الجمهور الأمريكي خصوصًا المحافظ منه. نال الفيلم أيضًا علامات جيدة من المراجعات النقدية، وحقق نتائج إيجابية على مستوى شباك التذاكر. بعد هذا الفيلم زادت شعبية المخرج لدى الأوساط المسيحية حتى أطلق تصريحه الشهير المعادي للسامية، والذي اتهم فيه اليهود بمؤامرة قتل المسيح من وجهة نظر الكنسية التي ينتمي إليها، والمعروفة بتشددها ومطالبتها الدائمة بالعودة للأساسيات والآيدلوجيات المسيحية المذكورة بالعهد القديم.

من فيلم "الإغراء الأخير"
من فيلم “الإغراء الأخير”
كانت بدايات السينما مع الأفلام الدينية عندما تم إطلاق فيلم “The King of Kings ملك الملوك” والذي كان الأول في عصر السينما الصامتة في عقد العشرينيات، والذي يسرد قصة المسيح مع الحواريين

المحاولات الإسلامية كانت محدودة بشكل صريح في إظهار الشخصيات المعتبرة في تاريخ الإسلام، ولعلنا نشير للفيلم الأشهر وهو “الرسالة”، والذي لم يُظهر فيه المخرج الراحل مصطفى العقاد شخصية الرسول محمد، بل اكتفى بالصوت، فيما ترددت شائعات في السنوات الأخيرة عن نية إحدى شركات الإنتاج الإيرانية إنتاج فيلم تاريخي سينمائي ضخم يتم فيه تصوير شخصية تقوم بدور النبي محمد للمرة الأولى في التاريخ من وجهة نظر سينمائية إسلامية.

صورت السينما شخصيات تاريخية دينية هامة أيضًا مثل النبي موسى والذي تم تقديمه في السينما من خلال فيلم “الوصايا العشر The Ten Commandments” في العام ١٩٢٣، كذلك صنعت شركة “رديم وركس” الذي يملكها اليهودي اليساري “ستيفن سبلبيرغ” فيلمًا يتمحور حول شخصية موسى بعنوان “The Prince of Egypt أمير مصر” في العام ١٩٩٨.

في السياق ذاته، هذا العام بدأ ناريًّا على ما يبدو من خلال الفيلم الذي أثير الجدل حوله خصوصًا في منطقة الشرق الأوسط، وهو فيلم ” Noah نوح”، والذي يعرض حاليًّا في صالات السينما حول العالم.

نأتي أولاً على الفيلم نفسه، وكيف قدم القصة، من وجهات نظر الديانات الإبراهيمية الثلاث، يرى الكثير من النقاد والمراقبين أن الفيلم كان في الوضع الآمن في عدم العرض التاريخي الموضوعي للقصة الحقيقية التي ذكرت في التوراة والإنجيل وكذلك القرآن، ويبدو أن المخرج “دارين أرنوفسكي” كان محظوظًا بعض الشيء على اعتبار أن قصة سفينة نوح الشهيرة متوافقة بالأحداث والتفاصيل الهامة والرئيسة بالمصادر السماوية الثلاثة، ولذلك لم يجد المخرج أية اعتراضات كبيرة على تفاصيل فيلمه، باستثناء تحفظات من الأزهر حول تصوير شخصية تقوم بدور نوح، وانتقادات وتحفظات من مجموعات يمينية مسيحية محافظة في الولايات المتحدة، والتي ذكرت بأن الفيلم لم يكن موفقًا في بعض التفاصيل، وتجاهل الفيلم بعض الروايات من وجهة نظر العهد الجديد من الإنجيل، كما نقل موقع BBC نقلاً عن الإندبندنت البريطانية.

من وجهة نظر المخرج ذكر في أحد لقاءاته أنه من الصعب إرضاء جميع الأطراف على اعتبار اختلاف الجميع في التفاصيل، وتابع المخرج أنه يحترم جميع الأديان، وحاول تقديم قصة من الفيلم من وجهة نظر إنسانية بحتة، محاولاً الابتعاد عن الأسلوب الوعظي، والتسويق لديانة على حساب الأخرى كما يفعل بعض المخرجين المحافظين. الفيلم على المستوى الفني لا يقدم جديدًا، بل لا أجده بمستوى تاريخ المخرج، والذي يُعرف عنه الدراسة الواعية للشخصيات المغيبة في هذا الفيلم، والاهتمام بالمستوى المرتفع للتمثيل، والذي معياره متواضع هنا خصوصًا في حالة “راسل كرو”، والأهم غياب الإبهار البصري المتوقع خصوصًا لقصة ملحمية كهذه. فيلم يبدو ضخمًا على مستوى الصحافة الصفراء والإعلام الجديد، ولكنه حتمًا لن يعيش طويلاً كتوثيق فني تاريخي، أو حتى نجاح جوائزي/نقدي.

Previous ArticleNext Article
عبدالمحسن المطيري
مخرج وكاتب سينمائي، يدرس في الولايات المتحدة الأمريكية في تخصص (الفديو/الفيلم)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.