• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari
من الأرشيف

لعبة الأسدين: من أبرع معادلات الحكم في تاريخ سورية!

لعبة الأسدين.. المجلة  (مارس/ آذار 1984)
لعبة الأسدين.. المجلة (مارس/ آذار 1984)


تقرير من لندن
كتبه باتريك سيل
شارك فيه من واشنطن
راسل هاوي

التعديلات السياسية في المناصب القيادية السورية تعتبر من أهم الأحداث السياسية التي استرعت اهتمام المراقبين. الجميع سأل: ماذا تعني هذه التعديلات؟ ولماذا تمت؟ وكيف؟ وما هي الخفايا الحقيقية التي تكمن وراءها؟
أهمية التعديلات تنبع من مكانة سورية السياسية وأهمية الدور الذي تلعبه في لبنان والمنطقة.
فالوفاق العربي، والأمن في لبنان، والتسوية لقضية الشعب الفلسطيني كلها قضايا لسورية دور أساسي فيها.

وأهمية التعديلات تنبع من الأسماء التي شملتها هذه التعديلات. فهي تتناول أسماء الدكتور رفعت الأسد شقيق الرئيس، وأحد الرجال المؤثرين في سياسات الأمن الداخلي والقومي لسورية.
وفي الوقت نفسه التعديلات تشمل السيد عبد الحليم خدام، الذي يعتبر مهندس السياسة الخارجية السورية بالاشتراك مع الرئيس حافظ الأسد. كما تشمل التعديلات السيد زهير مشارقة الرجل الحزبي البارز والمؤثر في الشئون الداخلية السورية.
وهكذا أصبح للرئيس الأسد ثلاثة نواب. وهكذا أصبحت الخلافة مقسمة بين ثلاثة. والذي استوقف الجميع في هذه الترقيات، هو بروز اسم الدكتور رفعت الأسد شقيق الرئيس الأسد.
وبدأ البعض يسأل: هل هذا التعديل ترفيع أم تحجيم للدكتور رفعت؟
وبدأ البعض الذي لا يعلم القدر الكافي من المعلومات عن الدكتور رفعت يسأل: من هو رفعت الأسد؟ وما هو دور السابق في السياسة السورية، وما هو دوره المقبل؟
“المجلة” تفتح ملف السياسة الداخلية والسياسة الخارجية السورية. وتحاول من خلال هذا التقرير المفصل أن تحكي قصة العلاقة بين الرئيس السوري وشقيقه الدكتور رفعت وعن أثر هذه العلاقة الهامة في رسم العديد من السياسات السورية المقبلة.

الرئيس حافظ الأسد الذي قال عنه كيسنجر أنه من أذكى الشخصيات التي قابلها، هو الشخص الوحيد القادر في سورية على جذب كل الحبال، والموازنة بين الفئات والأجنحة الحاكمة المختلفة، واتجاهاتها ومطامحها الخاصة، التي تتضارب عادة حتى حافة الصدام المسلح.
باتريك سيل يحلل الوضع السوري، ويثير مسألة الخلافة التي بدأت أخيرا تطفو على السطح، وعلاقة الرئيس السوري بشقيقه الدكتور رفعت الأسد.

رسم الدكتور هنري كيسنجر في مذكراته صورة زاهية عن الرئيس السوري حافظ الأسد الذي توثقت معرفته به في أعقاب حرب أكتوبر لدى التفاوض على فك الارتباط في الجولان في العام 1974. وفي وصفه التحديات التي واجهها خلال تفاوضه مع الرئيس الأسد، سلط كيسنجر الأضواء على بعض الجوانب الخفية من أسلوب الرئيس السوري في الحكم. ويحدثنا كيسنجر عن وجود مترجم واحد لدى ابتداء المفاوضات بينه وبين الأسد. وبعد ساعات عدة من المحادثات الشخصية بين الاثنين، التي غالبا ما كانت تمتد حتى ساعة متقدمة من الليل، كان الرئيس السوري يدعو مساعديه المقربين منه، العسكريين والمدنيين، ثم يطلب من كيسنجر استعراض جولة المحادثات كلها مرة أخرى. فهو عن طريق إرغام زملائه على سماع كل ما جاء في المناقشات، كان الأسد يقوم بأكثر من التفاوض مع كيسنجر، بل أكثر من إلزام مستشاريه بهذه المناقشات. إذ كان يقوم في الواقع بتعزيز قاعدة قوته الداخلية. وكما يعلق كيسنجر نفسه: “لقد كانت سياسة داخلية فعالة على حساب الكثير من ليالي الأرق التي عانيتها”.

وهذه الطرفة النادرة تصور جانبا واحدا رائعا من جوانب زعامة الرئيس الأسد، فهناك، تحته في هرم السلطة، يقبع نحو 20 إلى 30 شخصا يشكل كل منهم مصدرا للنفوذ والسلطة، كل على طريقته الخاصة. ويقوم الرئيس الأسد باستشارة هؤلاء على أساس منتظم، حيث يصغي إلى ما يقولونه، ولكنه يقوم في الوقت ذاته بتوزيع السلطة عليهم بشكل متساو حتى يحفظ التوازن بينهم. وعلى مثل هذا التوازن بين القوى المتنافسة، يركز الأسد سلطته الخاصة. وهو كسيد لحبائك وتعقيدات السياسة السورية، يسعى الأسد بانتظام إلى التوفيق بين الجماعات المختلفة التابعة له ذات المطامح الواضحة، أو التي لها اهتمامات وتطلعات خاصة. وهي استراتيجية حافظت على وضعه في رأس السلطة فترة أطول من أي من الذين سبقوه على الزعامة السورية.

تضم مجموعة مساعدين المقربين منه، القادة العسكريين والمدنيين من ذوي النفوذ والشخصيات الحزبية، والوزراء ورجال الشرطة والأمن ولعل أبرز هؤلاء هو محمد الخولي رئيس دائرة المخابرات التابعة لسلاح الطيران، الذي يعتبر ربما من أقرب المستشارين إليه وعبد الحليم خدام، “غروميكو السياسة السورية” ذو المواقف المتصلبة، واللواء حكمت الشهابي رئيس الأركان الذي يقال إنه يملك أفضل عقل عسكري في سورية، وطبعا شقيق الأسد الدكتور رفعت الأسد الذي تشكل سراياه الأربع، الجيدة التسليح والتدريب، نخبة القوات المسلحة والعمود الفقري لها في عملية المحافظة على النظام والدفاع عنه. وهناك الكثيرون أيضا الذين يتدرجون بعد ذلك نزولا في سلم السلطة حسب الأهمية.

لكن مسألة الحفاظ على هذه الشخصيات القوية منسجمة مع بعضها وحشد وتعبئة مطامحها وطاقاتها من أجل المنفعة المشتركة، ومن ثم رسم الحدود بين الإمبراطوريات الخاصة التابعة لها، هي مسألة شائكة عويصة تتطلب “حكمة سليمان”. إذ يتوجب على الرئيس الأسد بين الحين والآخر التدخل شخصيا من أجل المحافظة على النظام.
وعندما مرض الأسد في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، وتوجب عليه قضاء فترة نقاهة امتدت شهرين، توجب على فريقه أيضا مواصلة المباراة من دون رئيس. وكان الأمر أشبه بأوركسترا موسيقية من دون “مايسترو”. وأدى الجميع دورهم بنجاح كلي، وإن كان غير منسجم ربما تماما مع أدوار الآخرين. فلأول مرة خلال 13 عاما، طفت على السطح مشكلة الخلافة، وبالتالي شرعت الشخصيات البارزة في البلاد تتسابق للوصول إلى كرسي الحكم.

وعندما عاد الرئيس السوري إلى استئناف واجباته الرسمية في كانون الثاني (يناير) توجب عليه أولا تكريس كل اهتماماته لمعالجة آثار آخر المناوشات التي جرت في إطار المعركة الطويلة الدائرة مع إسرائيل والولايات المتحدة بشأن اتفاق 17 أيار (مايو). وبينما كانت حرب الأعصاب ماضية على قدم وساق، تم إخفاء الصراع الداخلي على النفوذ عن الأعين، وبعد ذلك برز إلى العلن، إذ في اللحظة التي جرى التأكد من ان النصر في لبنان بات تاما، لم يعد بالإمكان بتاتا إخفاء أمر هذا الصراع. ففي 26، و27 شباط (فبراير) الماضي استبد القلق بسكان دمشق وهم يرون وحدات عسكرية تنتمي إل مختلف الفئات والجماعات المتنافسة تواجه أحداها الاخرى في شوارع العاصمة، وقد ارتدى أفرادها بزات الميدان الكاملة. فقد قامت سرايا الدفاع التابعة للدكتور رفعت الأسد بمواجهة وحدات من اللواء الثالث تم إرسالها من خارج دمشق لتحديها. ومن حسن الحظ جرى نزع فتيل الأزمة من دن إراقة أية دماء. فبعدما تخلص من أعبائه التي كانت تشغله قبلا في لبنان، تمكن الأسد من استعادة مهارته القديمة وانقضى بالضرب على ما بدا أنه ميزان جديد للقوى بين أتباعه ومساعديه، لقد عاد “المايسترو” ليتسلم من جديد قيادة فرقته الموسيقية.

وزير الدفاع مصطفى طلاس
وزير الدفاع مصطفى طلاس

حرب أعصاب

خلف أحداث شباط (فبراير) هذه تكمن المسألة الملحة جدا، مسألة العلاقة بين سرايا الدفاع وبين سائر وحدات القوات المسلحة الأخرى. فقد أريد من تشكيل هذه السرايا أن تكون ثقلا موازنا ومقابلا للجيش الذي طالما تدخل لتغيير الحكومات في دمشق في العهد التي سبقت الأسد. ومثل هذا الدور أدى إلى إثارة التوتر بين سائر القادة العسكريين.
ورغم أن هذه السرايا هي نظريا جزء من القوات المسلحة، إلا ان قائدها العقيد رفعت الأسد جعلها جيشا خاصا داخل الجيش، حيث تمكن من أن يحصل لها على معدات وأسلحة وتدريبا خاصا، فضلا عن الامتيازات الأخرى. وهذا زاد من حدة التوتر لدى القادة الآخرين. وعندما حاول رفعت الأسد خلال مرض شقيقه، الاعتراف به كخليفة لشقيقه، قامت القيادة العليا بالاعتراض على ذلك فورا.
وفي أواخر شباط (فبراير) قام رفعت الاسد، استنادا إلى مصادر سورية ودبلوماسية، بعرض لائحة ببعض المطالب السياسية على شقيقه الأسد تشمل إقالة رئيس الوزراء عبد الرؤوف الكسم، ورئيس دائرة الاستخبارات العسكرية القوي على دوبة، وهي المطالب التي أثارت احتجاجات غاضبة من قبل رئيس الأركان والضباط الكبار. وأدى هذا بدوره إلى مواجهة لعرض العضلات بين مختلف الفئات المتنازعة في دمشق، وذلك يوم 26-27 شباط (فبراير)، حيث أمكن بالكاد تفادي نزاع مسلح. وتدخل عندئد الرئيس الأسد بأسلوبه المميز الذي هو مزيج بين القوة والدهاء. فبعدما صب جام غضبه على أتباعه الذين يتقاتلون في ما بينهم، أمر بنقل بعض الضباط من ذوي الرتب المتوسطة الذين كانوا متورطين مباشرة في النزاع. وقد رفض واحد، أو اثنان منهم، ترك مناصبهما، ليجري إلقاء القبض عليهما بعد ذلك على عجل.
وبعد عرض القوة والحزم جاءت المصالحة، فعلى إثر جلسة طارئة للقيادة القطرية لحزب البعث استغرقت ليل التاسع والعشرين من شباط (فبراير) بطوله، قام الرئيس الأسد بإرساء صيغة معادلة جديدة بين الفرقاء المتحاربين.

ولكن من الذي انتصر ومن الذي خسر في معركة السلطة في دمشق؟ الجواب أن الرئيس الأسد قد عزز موقعه في أنه الشخصية المركزية التي لا يمكن الاستغناء عنها، والتي من دونها يتعرض النظام السياسي السوري إلى الانهيار. وقد ظهرت عبقريته في كونه تمكن من إيجاد صيغة شعر بموجبها المتنازعون أنهم قد كسبوا شيئا.
– رفعت الأسد الذي رقى إلى منصب النائب الثاني لرئيس الجمهورية كلف بمسئوليات خاصة جديدة تتعلق بالأمن والشئون العسكرية. وهذا ما يعطيه أيضا موقعا رسميا قريبا من القمة مع كل ما يرافق ذلك من صوت قوي مسموع في تقرير عملية الخلافة عندما يحين القوت المناسب. وهذه أهداف طمح إلى تحقيقها والوصول إليها. لكن المرسوم الذي عينه نائبا للرئيس لم يأت على ذكر رتبته العسكرية، بل أشار إليه فقط بلقب “الدكتور”، وهي إشارة تعني حسب قول المراقبين في دمشق، أنه خسر موقعه حسب التسلسل الهرمي العسكري الصرف.
– عين زهير مشارقة، وهو مسئول حزبي بارز نائبا ثالثا للرئيس، مع إطلاق يده في الشئون والقضايا الحزبية. وهو يعتقد أنه مقرب من رفعت الأسد، لذلك اعتبر تعيينه كسبا إضافيا بالنسبة إلى شقيق الرئيس الأسد. لكن مثل هذه المكاسب التي حققها الدكتور رفعت الأسد قابلتها من الجهة الأخرى ثلاثة تطورات أخرى:
– ترقية عبدالحليم خدام إلى منصب النائب الأول للرئيس، تعني ترقيته سياسيا أيضا، متجاوزا بذلك كل المستشارين الآخرين للرئيس. كما اعتبر ذلك مكافأة له على الأسلوب الذكي والمتصلب الذي تمكن به من تنفيذ سياسة الأسد خلال أزمة 1982-1983 الطويلة.
– جرت إعادة تثبيت الدكتور عبد الرؤوف الكسم في منصبه كرئيس للوزراء، رغم معارضة رفعت الأسد المزعومة في هذا الشأن. ورغم تطعيم وزارته بستة وزراء جدد، إلا أنها لم تظهر أي تحول ملموس في ميزان القوى نحو أي من الاجنحة المتصارعة.
– لكن الأهم من ذلك كله، أن مجموعة القادة العسكريين الكبار الذين قيل عنهم أنهم يعارضون خلافة رفعت الأسد استمروا في أمكانهم. وهم وزير الدفاع مصطفى طلاس، ورئيس الأركان حكمت الشهابي، وقائد اللواء الثالث شفيق فياض، ورئيس المخابرات العسكرية على دوبة، وقائد القوات الخاصة على حيدر، وقائد الحرس الجمهوري عدنان مخلوف.
– وفي عبارة أخرى لم يكن هناك منتصرون ولا مهزومون. فقد جرى تثبيت الدكتور رفعت الأسد كعضو كبير مشارك في النظام، ولكنه كما كان شأنه في السابق، فإن صوته ظل يحمل الثقل ذاته، لا أكثر ولا أقل من أي عضو آخر بارز من رجال النظام.
ومن الواضح أن علاقة الرئيس الأسد بشقيقه تكمن في قلب نظام السلطة في سورية. إذ أنه ليس موضوعا يجرؤ أولئك الذين هم خارج النظام على التطرق إليه بحرية مطلقة. ولكن بالرغم من كل ذلك، يبدو أن هذه الشراكة الطويلة المثمرة بين الشقيقين تستمر قائمة على أساس متين من الولاء والثقة.
والجدير بالذكر هنا، أنه في اوائل السبعينيات، عندما كان الرئيس الأسد يفاوض مع واشنطن، كان شقيقه رفعت هو الذي حافظ على “قناة الاتصال الخلفية” مع موسكو (حصل رفعت الأسد على شهادة الدكتوراة الفخرية من جامعة موسكو). ولكن عندما قامت سورية في الآونة الأخيرة، ولاسيما منذ توقيع معاهدة الصداقة مع موسكو في العام 1980، باستثمار هذه المعاهدة لصالحها، انيط برفعت الأسد فتح “قناة اتصال خلفية” مع واشنطن هذه المرة.

وفي كلا الحالتين، أي في التعامل أولا مع موسكو، وبالتالي مع واشنطن، كان الدكتور رفعت الأسد الأداة الطيعة الموالية لشقيقه الرئيس حافظ الأسد.
خلال الـ 21 عاما، أي منذ أن تسلم حزب البعث مقاليد السلطة في سورية في العام 1963، يبدو أن البلاد شهدت تحولا كبيرا جدا. ففي الماضي كانت سورية بلدا ضعيفا غير مستقر، تعاني من الانقسامات والخلافات الحادة حيث كانت تتعرض باستمرار إلى تهديدات جيرانها الذين كانوا يتلاعبون باتجاهاتها ومقدراتها. ولم تتورع بعض الدول المجاورة وإسرائيل، هذا إن لم نذكر الدول الأبعد عن هذه نسبيا، عن تهديداتها ومحاولة السيطرة على سياستها. أما اليوم فقد أصبحت سورية هي تلك القوة الإقليمية القادرة على فرض النظام والقانون في لبنان، ومجابهة جيرانها، ونقض اتجاهات السلام مع إسرائيل، وتحدي حتى الولايات المتحدة ذاتها. هذه بعض الإنجازات الدبلوماسية التي حققتها سورية، حيث يعود الكثير من الفضل فيها إلى حافظ الأسد ذاته.
على الصعيد الداخلي شهدت سورية تحولا جذريا أيضا. فالتي كانت قبلا مجتمعا غير آمن لا هوية له، يعيش ضمن حدود اصطناعية، باتت اليوم أمة واثقة من ذاتها صيغت على مبادئ القومية السورية والعربية في الاشتراكية والعلمانية، وعلى أساس التحدي الذي تمثله المجابهة الطويلة مع إسرائيل والولايات المتحدة.

وفي إطار هذا التحدي، عرف الرئيس الأسد كيف يرسخ الأسس التي وضعها أسلافه. فقد قام بتوسيع مدى الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية التي بدأها أديب الشيشكلي في الخمسينات، والتي طورتها مصر بمن بعده خلال عهد الوحدة بين البلدين التي استمرت ثلاث سنواتز لقد أثبت الرئيس الاسد فعلا أنه زعيم من عيار كبير على كافة الأصعدة الوطنية والإقليمية والدولية.
ولم تكن سورية قبلا بمثل هذه القوة. لكنها تملك اليوم جيشا مؤلفا من 400 ألف جندي نظامي، تسانده قوات من الاحتياط، ومعدات وأسلحة متطورة من الاتحاد السوفياتي. ولكن الذي لا يقل أهمية عن الأسلحة، هي الضمانات السوفياتية للأمن السوري. فلأول مرة منذ 36 عاما من النزاع مع إسرائيل، باتت سورية قريبة من الحصول على قدرة رادعة خاصة بها.
خارجيا، تمكن الرئيس الأسد من إغلاق البوابة الخلفية الخطرة في لبنان، التي لها أهميتها على الصعيد الاستراتيجي. كما يحاول الآن مد النفوذ السوري إلى تلك البلاد. ومن هنا فهو في موقع ممتاز لتولي الزعامة على صعيد المجابهة العربية-الإسرائيلية، ويشغل مركزا مرموقا في عملية السلام. ولكل هذه الانتصارات في السياسة الخارجية عززت من مركزه في بلاده، حيث يحظى الآن باحترام وإعجاب واسعين.

وزير الخارجية فاروق الشرع
وزير الخارجية فاروق الشرع

اليد المسيطرة

فالأسد قابض بيديه على العدد والأدوات التي بواسطتها يسيطر على سورية. وهذه الأدوات هي عبارة عن القوات المسلحة، وعدد من وحدات البوليس السري، وحزب البعث القوي الذي يبلغ عدد أعضائه 150 ألفا. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يتعدى ذلك أيضا إلى القطاعات الجديدة من المجتمع السوري التي ترد نجاحها وتحسن مستوى معيشتها إليه، وهي قطاعات الفلاحين والعمال والموظفين، وبعض أقسام الطبقة المثقفة والمفكرة.
وهذا لا يعني أن الاسد هو في موقف يحسد عليه، أي أنه لا يملك أي أعداء، فداخل سورية وخارجها هناك من يريد إسقاطه. إذ تشعر الطبقة المتوسطة المحافظة في المدن السورية بالمرارة من الامتيازات التي يغدقها الحكم على القرى والأرياف. ويبقى ألد أعداء الرئيس هم الإخوان المسلمون. وبالرغم من الضربة القوية التي وجهها إليهم الحكم قبل عامين في حماه عندما أعلنوا العصيان، فإنهم ما يزالون يشكلون خطرا كبيرا على نظام الأسد، وعلى مسألة خلافته حسبما يظهر في منشوراتهم السرية.
والعدو الحقيقي للإنسان على المدى الطويل، هو الشيخوخة والمرض، حيث لا ينفع أمامهما لا الدبلوماسية ولا القوة، لكن الرئيس الأسد بعيد عن الشيخوخة. فهو ما يزال في الثالثة والخمسين، أي في ريعان الشباب بالمقارنة مع رجلي البيت الأبيض والكرملين. لكن إنجازاته، وانتصاراته، التي لا يرقى إلهيا الشك مطلقا، يلقى المرض عليها ظلاله الثقيلة. والصراع الذي دار وراء الكواليس عندما كان الأسد نزيل المستشفى في العام الماضي، هو إشارة واضحة إلى ما قد يحصل، إذا ما سقط فريسة المرض ثانية، أو أرغم على اعتزال منصبه.
إذ من دون وجود الحاكم الجالس على كرسي الرئاسة، الماهر في استخدام المكافآت بقدر مهارته في استخدام العقوبات، يتوجب التساؤل عن مدى قدرة النظام السوري القائم على التوازن وشد الحبال، على البقاء والاستمرار.

لندن – باتريك سيل

المجلة تحاور المبعوث الأميركي السابق لدى دمشق

تالكوت سيلي: الأسد لم يحدد من سيخلفه في الحكم

حققت دمشق انتصارا واضحا على واشنطن عندما قرر الرئيس اللبناني أمين الجميل إلغاء الاتفاق الإسرائيلي-اللبناني الذي توسط فيه وزير الخارجية الأميركي جورج شولتز. وعلى الفور بدأ المسئولون الحكوميون والصحافيون في واشنطن في التحدث إلى تالكوت سيلي الدبلوماسي الأميركي المتقاعد الذي كان مبعوثا للولايات المتحدة لدى دمشق، والذي يعتبر أكثر الاميركيين خبرة بالرئيس حافظ الأسد والمحيطين به. ويحلل سيلي في هذه المقابلة المطولة مع “المجلة” الأحداث الحالية في العاصمة السورية ودوافعها وأهدافها، ويوصي باتباع سياسة أميركية أكثر إيجابية تجاه سورية التي لا يعتبرها تابعا للاتحاد السوفياتي، وهو الرأي الذي عبر عنه أيضا زبغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأميركي السابق في المقابلة التي نشرتها “المجلة” معه في الأسبوع الماضي.
وفي ما يلي نص المقابلة مع سيلي:

يبدو أننا نشهد صراعا على الخلافة في دمشق برغم أن الرئيس الأسد مازال يمتلك زمام السلطة هناك
– يبدو أننا نشهد صراعا على الخلافة في دمشق برغم أن الرئيس الأسد مازال يمتلك زمام السلطة هناك.
لا أعتقد أننا نعرف القصة كاملة. ولكن الأزمة بدأت في اعتقادي بسبب قرار اتخذه وزير الدفاع بنقل عدد من الضباط الذين كانوا يخدمون في “سرايا الدفاع” التي يقودها رفعت الأسد على هذا القرار وأصدر أوامره لضباطه بعدم تنفيذ الأوامر الصادرة إليهم، وبعد ذلك حدثت بعض الاعتقالات، وكانت هناك محاولات من جانب رفعت الأسد لإثبات مدى قوته. ومن المؤكد أن مطامح رفعت الأسد لخلافة شقيقه في منصب الرئاسة كانت في خلفية هذه الاحداث، ولكنني أعتقد أن هذه الحادثة بالذات كانت تتصل بنقل هؤلاء الضباط، وليست محاولة من جانب رفعت الأسد للاعتراف به كخليفة شرعي.
– ولكن رفعت الأسد أصبح الآن واحدا من النواب الثلاثة لرئيس الجمهورية. هل يؤدي ذلك إلى تقريبه من هدف خلافة شقيقه، أم أن الأمر لا يتعدى محاولة لتهدئته بمنحه هذا المنصب؟
اعتقد أن الشيئين معا يمثلان الإجابة عن سؤالك. إننا نعرف أن رفعت الأسد كان يستعرض عضلاته عندما كان الرئيس الأسد مريضا. وكانت صوره قد بدأت في الظهور في شتى أنحاء سورية، ولكنها أزيلت بعد ذلك.
سأعتقد أن في ذلك تأكيدا لمطامح رفعت الأسد في خلافة شقيقه. ولكن من الواضح أن هناك من يعارضون ذلك في سورية. وأعتقد أن تعيينه نائبا للرئيس ربما كان إقرارا من شقيقه بأن رفعت الأسد يلعب دورا قياديا. ولكن أميل إلى تفسير هذا التعيين باعتبار انه إقرار من الرئيس الأسد بأنه يرغب في أن يتولى رفعت حكم البلاد، ولكن من المؤكد أنه يسترضي رفعت إلى حد إعطائه هذا المنصب المهم.
– هل تعتقد أن النواب الثلاثة كلهم يمكن أن يشكلوا لجنة رئاسة لحكم سورية إذا حدث شيء يمنع الرئيس الأسد من ممارسة مهام منصبه؟
ليس هناك على حد علمي نص دستوري ينظم مسألة انتقال السلطة إذا حدث شيء للرئيس السوري. وربما كان الرئيس حافظ الأسد يحاول إرضاء عدة دوائر في وقت واحد عن طريق تعيين ثلاثة أشخاص في مناصب متساوية لإبقاء الاحتمالات مفتوحة. وعلى حد علمي أيضا لم يحدد الرئيس الأسد قط شخصية من يريد أن يخلفه، والرئيس الأسد ليس متقدما في السن، وربما يتوقع البقاء في الحكم فترة طويلة.
– ما هي، في رأيك، النوايا الحالية للرئيس الأسد؟
أعتقد أنه يجب علينا التفريق بين نواياه تجاه لبنان، ونواياه تجاه الشرق الأوسط ككل، وأعتقد أن هدفه الرئيسي في لبنان على مدى العام الماضي كان تأكيد موقع سورية المتميز هناك، وضمان ألا تتحدى إسرائيل هذا الموقع. وأعتقد أنه كان يشعر بالقلق لأن الوجود الإسرائيلي في لبنان، وترتيبات اتفاق الانسحاب الثنائي بين لبنان وإسرائيل، أدت إلى حصول إسرائيل على موقع في لبنان يمكنها من تحدي الموقع السوري هناك. ومن الواضح أنه يشعر بأن إلغاء الحكومة اللبنانية هذا الاتفاق خطوة في اتجاه إضعاف التحدي الإسرائيلي له:
– هل تعتقد أنه يرغب في الإشراف على تشكيل حكومة لبنانية جديدة مع بقاء الرئيس الجميل في منصبه؟
لابد من الإقرار بأنه كان يتعين على كل رئيس لبناني منذ بعض الوقت أن يأخذ في اعتباره أن سورية كانت – ولاتزال- الدولة الكبرى المجاورة. وبالنظر إلى الروابط الجغرافية والتاريخية بين لبنان وسورية، كان كل رئيس لبناني يعرف أنه يجب عليه التفاهم مع الرئيس السوري، وأخذ المصالح الحيوية السورية في الاعتبار إلى حد معين. وقد توقف ذلك بصورة مؤقتة عندما تولى أمين الجميل الرئاسة في لبنان. وأعتقد أن الرئيس الجميل بدأ في التحول بالتدريج عن هذا الموقف التقليدي للقيادات اللبنانية، أي أنه بدأ في التحول عن سورية وتجاهلها، وبناء سياسته على أساس اعتبارات أخرى. ولكن الرئيس الجميل تخلى الآن عن هذا الطريق، وأصبح في مقدور سورية الاطمئنان إلى أنه يتبع أسلوب الرؤساء اللبنانيين السابقين والسؤال المطروح الآن هو: هل ستذهب سورية إلى مدى أبعد من ذلك – أو بتعبير آخر، هل سترغب سورية في الحصول على أكثر مما كانت تتوقعه من الرؤساء اللبنانيين عادة؟ وليس هناك من يعرف حتى الآن الإجابة على هذا السؤال.

– ولكن يبدو أن دمشق ترغب في العمل عن طريق الرئيس الجميل، وليس في أن يحل شخص آخر محله. وهي تفضل أن يكون هناك رئيس في لبنان يعتمد على الحماية السورية، لأن ذلك أفضل من مواجهة المدفعية الأميركية.
نعم. ومن الجدير بالملاحظة أن سورية لم تدع إلى خروج الجميل من منصب الرئاسة، وأعتقد أن ذلك يرجع أيضا إلى أن السياسة السورية في لبنان تقوم على أساس الحفاظ على التوازن بين الطوائف المختلفة إلى أبعد حد ممكن. وعندما تشعر سورية بأن أحد الطوائف اصبحت أقوى من اللازم في مقابل طائفة أخرى، تميل دمشق إلى تزويد الطئافة الأخرى بدعم يحقق لها التوازن، كما فعلت عندما تدخلت في 1976 لمساعدة الكتائبيين ضد القوى الأخرى. وربما يرجع الامر – وهذا مجرد تكهن- إلى ان الرئيس الأسد يشعر بأن فئات أخرى أصبحت أقوى من اللازم في مواجهة فئات أخرى، ولهذا أصدرت دمشق بادرة تدل على أنها تعترف بالجميل رئيسا، وأنها ترغب في الحفاظ على التوازن الذي يمثل العالم الحيوي في النظام السياسي اللبناني.
– يقول البعض أن السنة هم الطرف الخاسر في هذه كل هذه التطورات، فقد احتلت ميلشيا الشيعة بيروت الغربية وأثبتت أن الشيعة يمثلون أقوى الطوائف اللبنانية.
السنة طائفة أقلية، تماما مثل الموارنة، وصحيح أن الشيعة هم أكثر الطوائف عددا. وتختلف التقديرات بشأن عددهم، ولكن ربما كانوا يمثلون 40% من مجموع سكان لبنان. ولابد أن السنة يشعرون بأن قوتهم السياسية قلت عن ذي قبل.
– هل تعمل سورية على تشكيل تآلف من الشيعة والدروز والمسيحين؟
لا أعتقد أن سورية ترغب في ذلك، أو أنها ترغب في التخلي عن السنة، وأعتقد أن الأمر لا يزيد عن أن الأضواء سلطت على الشيعة والدروز، الذين حملوا السلاح، وتقدموا بمطالب، وأكدوا أكثر من السنة ضرورة إصلاح النظام. وهذا النظام السياسي بدرجة أكبر بكثير من الشيعة والدروز. ومع ذلك لا أعتقد أن سورية أو أمين الجميل سيتجاهلان السنة في مؤتمر لوزان الذي يشترك فيه رشيد كرامي وصائب سلام، وهما زعيمان لهما وزنهما من طائفة السنة.

نائب الرئيس للشؤون الخارجية عبد الحليم خدام
نائب الرئيس للشؤون الخارجية عبد الحليم خدام

أميركا ولبنان

– ماذا يجب على الولايات المتحدة أن تفعل الآن بعد فشلها في لبنان؟
أعتقد أن الإدارة الأميركية تفكر في إحياء الجهود الرامية إلى تحقيق السلام في الشرق الأوسط، أو في الإسراع بتنفيذ ذلك. وتصر الإدارة باستمرار على أن مبادرة ريغان مازالت مطروحة، وهذا شيء طيب في حد ذاته، ولكننا لم نفعل أي شيء لتحريكها. ولست متفائلا بشأن تحقيق الكثير، لأن إسرائيل رفضت هذه المبادرة رفضا قاطعا، ولا أرى أن هناك أي فرصة لأن تفعل الولايات المتحدة ما هو ضروري لجعل إسرائيل أكثر استجابة. وهكذا فإنني أعتقد أننا سنشهد في بقية العام الحالي بعض النشاط وبعض الحديث عن محاولة إحياء مبادرة ريغان وإقناع الملك حسين بالتفاوض مع إسرائيل، ولكنني لا أتوقع أي نتيجة إيجابية في المستقبل القريب.
– وخصوصا في عام انتخابات الرئاسة الأميركية.
يعتقد البعض أن الولايات المتحدة لا تتحرك في عام الانتخابات، ولكنني أعتقد أن الولايات المتحدة لا تتحرك للأسف حتى في الأعوام التي لا تجري فيها انتخابات، وأمل في أن يثبت خطأ اعتقادي هذا في المستقبل، أن ريغان تقدم بمبادرته قبل 18 شهرا، أي قبل عامين من الانتخابات، وليست هناك أي نتيجة حتى الآن.

أميركا وسورية

– هل يجب على الولايات المتحدة اتباع خط دبلوماسي أكثر إيجابية مع سورية؟
نعم، من الواضح أننا سنركز بدرجة أكبر على الدول الصديقة في المنطقة ولكن ذلك لا يعني أننا يجب ألا نركز على سورية أيضا.
– هل تعتقد أن هناك استراتيجية معينة تستطيع الولايات المتحدة إتباعها في إطار سياستها العامة في الشرق الأوسط لدفع الرئيس الأسد إلى التعاون؟
لا أعتقد أن هناك أسبابا قوية تدعونا إلى القلق من النفوذ السوري في المنطقة. ومن الواضح أن سورية استعادت موقعها المتميز في لبنان، ولكن ذلك كان أمرا متوقعا. ولا أعتقد أن سورية ستتمكن من السيطرة على الشرق الأوسط بأكمله أو على جامعة الدول العربية، إن سورية أثارت أيضا عداء بعض الحكومات العربية الأخرى. كما اننها لا تتبع سياسة مناقضة تماما لسياسة هذه الحكومات الأخرى، مثل تأييد إيران. ولهذا لا أعتقد أن هناك أي احتمال لقبول سورية في دور الزعامة العربية. وبالنسبة للنزاع العربي الإسرائيلي، يشعر الرئيس الأسد بأن الوقت الحالي غير مناسب للتعامل مع إسرائيل برغم أنه وافق رسميا على قراري مجلس الأمن رقم 242، و338 اللذين يدعوان أساسا إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة في مقابل الالتزام العربي بالحفاظ على السلام مع إسرائيل. ويعتقد الرئيس الأسد أن الوحدة العربية هي السبيل الوحيد الذي يمكن أن يدفع إسرائيل إلى تقديم قدر كاف من التنازلات. كما يعتقد أنه يجب على العرب أني حصلوا على القدر الكافي من القوة العسكرية والاقتصادية حتى يتمكنوا من التفاوض من موقع القوة، وبالطبع ليس هذا هو الوضع الحالي.

– وهكذا يفترض أن أفضل ما تستطيع الولايات المتحدة أن تفعله في الوقت الحالي هو إعادة موضوع مرتفعات الجولان إلى سياستها تجاه الشرق الاوسط، بدلا من الحديث عن الضفة الغربية وغزة وحدهما.
يبدو أن الولايات المتحدة أعادت تأكيد التزامها بمشألة مرتفعات الجولان في اتصالاتها بالرئيس الأسد، ولكن ربما كان الرئيس الأسد يشعر بالشك تجاه قدرتنا أو رغبتنا في تحقيق هذا الالتزام. وبذلك لم يكن هناك تأثير كبير لهذا التأكيد، برغم أنه أفضل من لا شيء على الإطلاق. ويرجع ذلك إلى أن الولايات المتحدة ليست لديها الرغبة في جعل إسرائيل تنفذ ما يجب عليها تنفيذه.
– إن استعادة الجولان جزء من القرار 242 الذي تؤيده الولايات المتحدة رسميا. وهذا القرار جزء من اتفاق كامب دايفيد. ولكن الولايات المتحدة لم تفعل قط أي شيء، كما انها كانت تميل إلى التصرف وكأن ضم إسرائيل لمرتفعات الجولان أمر واقع لا تستطيع الولايات المتحدة أن تفعل شيئا حياله. ولكن ماذا تستطيع الولايات المتحدة أن تفعل بخلاف ذلك لتشجيع سورية على التعاون؟
– أعتقد أن الأعمال وحدها هي السبيل الوحيد لجعل سورية تتحرك في اتجاه التسوية السلمية. ويجب علينا إثبات أننا نستطيع دفع إسرائيل لتطبيق القرار 242، والجزء الخاص بالجولان من هذا القرار، وهكذا يمكن أن يتحرك الرئيس الأسد حتى إذا لم يكن العرب متحدي الصفوف. ولكن لا يبدو أن ذلك أمر ممكن في الوقت الحالي، وهكذا يجب علينا محاولة التعاون مع الرئيس الأسد في لبنان، لأن هناك مصالح مشتركة تربط بين الطرفين هناك، ومنها ان سورية ترغب بالفعل – على ما أعتقد – في الحفاظ على وحدة أراضي لبنان. وبتعبير آخر لا أعتقد أن الرئيس الأسد سيضم لبنان كله أو قطعة منه إلى سورية، برغم أن سورية ترغب في الحفاظ على دور مهم هناك. والولايات المتحدة أيضا ترغب في أن يحافظ لبنان على وحدة أراضيه. ويبدو أن الرئيس الأسد يرغب أيضا في الحفاظ على النظام الدستوري في لبنان، أي في استمرار نظام الانتخابات وفي استمرار البرلمان هناك، والولايات المتحدة ترغب في ذلك أيضا. والرئيس الأسد لا يريد دخول حرب مع إسرائيل، ونحن لا نريده أن يدخل حربا معها. ولذلك فإن هناك أملا في أن يلتزم الرئيس الأسد جانب الحرص في سياسته إزاء لبنان من ناحية عدم تحدي إسرائيل. وهكذا فإن هناك أرضية مشتركة بيننا، وأعتقد أنه يجب علينا العمل على تعميق الحوار بين الطرفين، وقد فعلنا ذلك بين الحين والآخر، لقد كان هناك حوار بين الدولتين في أيلول (سبتمبر) الماضي، وتفاوض الرئيس الأسد معنا على وقف إطلاق النار الذي أدى إلى عقد الجولة الأولى من مؤتمر الحوار الوطني. ولكننا غيرنا موقفنا لسبب ما بعد أربعة أشهر وقررنا مواجهة الرئيس الأسد.
– كانت مهمة رامسفيلد فاشلة للغاية على ما يبدو وقد سمعت أن رامسفيلد لم يكن يفعل شيئا سوى إلقاء المحاضرات على الرئيس الأسد، وليس هذا هو الأسلوب الأفضل للتفاوض.
بالطبع، أعتقد أنه يجب على المرء أن يكون مستمعا جيدا مع الرئيس الأسد، فهو يحب التخفيف عن نفسه بالكلام.
– قال بريجنسكي في مقابلة مع “المجلة” في الأسبوع الماضي أن هناك احتمالا في أن تنشب حرب سورية – إسرائيلية أخرى على نطاق وساع. هل توافق على ذلك؟
كلا، إلا إذا حدث شيء يؤدي إلى إشعال الموقف. ولا أعتقد أن سورية ستبدأ مثل هذه الحرب، ولا أعتقد أيضا أن إسرائيل ستبدأ من جانبها. وما هو الغرض من بدء هذه الحرب؟ إن إسرائيل قررت بالفعل أنها لا تريد التورط أكثر من اللازم في لبنان، فلماذا تهاجم سورية؟ ومن الواضح أن إسرائيل غير راضية على عودة النفوذ السوري إلى لبنان، ولكنني لا أعتقد أنها ستهاجم دمشق حتى مع وجود حكومة “صقور” في إسرائيل مثل الحكومة الحالية. ولكن هناك مع ذلك احتمال انطلاق شرارة تؤدي إلى تفجير الموقف. وهناك في الوقت الحالي الخطر المتمثل في المواجهة بين القوات الإسرائيلية والسورية في سهل البقاع. وقد تؤدي شرارة هناك إلى مواجهة لا يرغب فيها أي من الطرفين، ولكنني أعتقد أن الرئيس الأسد سيفعل كل ما في وسعه لتجنب هذا التصعيد، كما أعتقد أن إسرائيل ستفعل ذلك أيضا.
-هل تعتقد أن إسرائيل كانت تأمل – عندما أرسلت قواتها إلى لبنان – في أن تصبح الدولة ذات النفوذ الرئيسي على حكومة بيروت بدلا من سورية؟
أعتقد أن شارون كان يفكر في ذلك. لقد كان شارون يبادر بالتحرك ويدفع أعضاء الوزارة الإسرائيلية إلى الموافقة على ما قام به. وأعتقد أن بيغن وبقية الوزراء لم يفكرا في ذلك عندما أرسلا قواتهم إلى لبنان، بل كانوا يهدفون أساسا إلى القضاء على قوة منظمة التحرير الفلسطينية وضمان عدم تهديدها لإسرائيل، وربما كانوا يحلمون أيضا بإبادة التشدد الفلسطيني ومحوه تماما. وكانت هناك دوافع أخرى أقل أهمية، منها تحويل الانتباه عن الضفة الغربية ومبادرة ريغان. ولكنني لا أعتقد أن معظم المسئولين الإسرائيليين كانوا يفكرون في إقامة نظام حكم موال لإسرائيل في لبنان، ولكن هدفهم تحول إلى ضمان حصول إسرائيل على موقع النفوذ الرئيسي في لبنان.

صحة الأسد

ما هي معلوماتك عن صحة الرئيس الأسد؟ من الواضح أنه كان يعاني من مرض خطير مؤخرا.
أعتقد أنه يخفف من الجهد الذي يبذله. أن الرئيس الأسد كان يعمل 17 ساعة أو 18 ساعة يوميا. أنه لم يكن يحصل على قسط كاف من الراحة ولم يكن يمارس أي تمرينات رياضية. وهكذا كانت إصابته بالمرض أمرا حتميا. ونسمع الآن أنه يستمع حاليا إلى نصائح الأطباء إلى حد ما، وبذلك قلل من ساعات عمله وأصبح يخصص وقتا أطول للمشي. وأعتقد أن تعيين ثلاث نوبا للرئيس يهدف إلى إعفائه من بعض مسئولياته، ولكنني لا أعتقد أنه سيكون من السهل عليه الابتعاد عن عملية اتخاذ القرارات، وأعتقد أن مسئولية اتخاذ القرارات في سورية التي تقع على عاتقه وحده تمثل واحدا من الأعباء التي يواجهها. ولا أعتقد أن هناك كثيرين آخرين يمارسون مسئولية اتخاذ القرارات فالرئيس الأسد يناقش أدق التفاصيل باستمرار. ومع ذلك فإنه يستطيع الحياة لسنوات كثيرة إذا كان متعقلا واستمع إلى نصائح الأطباء.
– هل تعتقد أن دعوته إلى الولايات المتحدة للعلاج الطبي يمكن أن يتمثل فكرة طيبة؟
لقد سألته عندما التقيته في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي عما إذا كان يفكر في زيارة الولايات المتحدة في المستقبل، ولكنه لم يلزم نفسه بإجابة محددة. وعند ذلك سألته هل يمكن أن يقبل دعوة من الرئيس ريغان، فأجاب متسائلا عما يمكن أن يقوله له الرئيس ريغان لتبرير مثل هذه الدعوة. وبتعبير آخر لا يرغب الرئيس الأسد في التوجه إلى الولايات المتحدة والعودة منها خالي الوفاضز
– ولكن زيارته للولايات المتحدة بغرض العلاج لن تتضمن أي تنازلات سياسية من جانبه.
هذا صحيح. وهي فكرة طيبة لأن من المؤكد أن التسهيلات الطبية في الولايات المتحدة أفضل التسهيلات في العالم.
– ولكنك لا تعتقد أنه يستعد لتطبيق أسلوب الحكم عن طريق لجنة في حال عدم تمكنه من ممارسة مسئولياته. ربما يكون السوفيات أشاروا عليه بذلك لأنهم يطبقون هذا الأسلوب في مثل هذه الظروف.
لا أعتقد أن الرئيس الأسد يوجه اهتماما كبيرا للسوفيات. ومن المعروف أنه لا يستقبل السفراء لديه كثيرا. وربما كان الرئيس الأسد يهيء الشعب السوري حاليا لفكرة خلافته، ولكنني لا أعتبر أن تعيين النواب الثلاثة يهدف إلى ذلك بالضرورة.

اقرأ تعليق د. عبد الرزاق عيد على التقرير
 

الموضوع: لعبة الأسدين: من أبرع معادلات الحكم في تاريخ سورية!
العدد رقم : 215
تاريخ النشر: مارس 1984

PDF Download تحميل العدد

 
Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.