هيثم الناهي: التقدم المعرفي يبدأ أولاً من "حركة الترجمة" - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

مقابلات

هيثم الناهي: التقدم المعرفي يبدأ أولاً من “حركة الترجمة”

هيثم الناهي .. مدير المنظمة العربية للترجمة
هيثم الناهي .. مدير المنظمة العربية للترجمة

المنظمة العربية للترجمة قد انطلقت في 29 كانون الأول/ديسمبر 1999، في اجتماع تأسيسي انعقد في بيروت، تحقيقًا لمشروع طالما عبر المثقفون العرب عن ضرورة إنجازه؛ باعتبار الترجمة سندًا نهضويًّا ، سواء من حيث نقل المعارف، ونشر الفكر العلمي، أو من حيث تطوير اللغة العربية ذاتها. وقد تم التأسيس بعد إجراء دراسات مسحية لأوضاع الترجمة في الوطن العربي، وبعد إعداد دراسة جدوى ولقاءات ومناقشات شارك فيها عدد واسع من المفكرين والباحثين المتخصصين.
وحول الصعوبات التي تواجهها المنظمة يشير هيثم غالب إلى أنها تتعلق في “عدم وجود الدعم المادي لهذا العمل والهدف الساميين. وعلى الرغم من التفات بعض المؤسسات وبعض الشخصيات إلى بعض كتب المنظمة، إلا أنها غير كافية. فمؤسسة مثل المنظمة العربية للترجمة لا يمكن أن تموّل نفسها من المبيعات وخصوصًا أن حجم القرّاء في الوطن العربي قياسًا بفردهم لا يساوي إلا الجزء اليسير الذي لا يُذكر”.
مجلة “المجلة” التقت هيثم غالب الناهي، فكان هذا الحوار …

كيف تقرأ الأثر المعرفي الذي تعكسه حركة الترجمة في تاريخ الأمم والشعوب؟

لا يمكن لأي امرئ أن يتعرف القيمة الحقيقية والأهمية القصوى للترجمة، إذا لم يكن من الذين يعرفون أثرها المعرفي والعلمي في التنمية وتطورها. وإذا كنا من هؤلاء فحينئذٍ يمكننا أن نحدد الأسس المهمة والحقيقية للترجمة، وهي التواصل مع الأمم ونقل الثقافة ونقل العلوم، والعمل على خلق جيل معرفي يرفد جيل المستقبل، وينهل من جيل الماضي. وباختصار فإن التقدم المعرفي والنهوض بالأمة وخلق مجتمع متعلم يسوده الطموح لا يمكن أن يتم إلا بمعرفة ما أنجزته الأمم والثقافات الأخرى، ولا يمكن أن يتم كل ذلك إلا من خلال الترجمة ومتابعتها ونقل الجديد والمتجدِّد.

فمنذ القرن السادس الميلادي وبداية نقل العرب للعلوم من السنكريتية واليونانية والهندية وغيرها من اللغات يمكن أن نقول إن اللغة العربية بدأت تلعب دورًا كبيرًا في مجتمع الدولة، وتطوير العلوم. حيث إن هذه الحركة اتسعت دائرتها لا في نقل العلوم فحسب، بل في تطوير علوم أخرى جعلت منها لغة متداولة؛ فبدأ العلماء والمفكرون يستخدمون مخزونها القاموسي من الكلمات، وخصوصًا بعد تجميعها من قبل الفراهيدي والجوهري والزبيدي، وتصنيفها بقواميس علمية. هذه الإطلالة استمرت حتى نهاية القرن التاسع عشر والعقد الأول من القرن العشرين؛ لكون الأمم الصاعدة المتمثلة في أوروبا حينها لم تجد بدّاً من ترجمة الكتب العربية إلى اللاتينية، ومن ثم إلى لغاتها الأصلية، واستخدام فقهائها العلميين لبناء مؤسساتهم، بدءًا من القرن الثاني عشر الميلادي. وعليه فمن خلال تطوّر العلوم حديثًا، وإيجاد مصطلحات جديدة قد تكون إما اندثرت قاموسيًّا في اللغة العربية، أو أنها غير موجودة ستسهم في إغناء اللغة العربية واستجلاب ما هو مخبأ في بواطن الكتب، وتعلّم استخدامها، فتسهم الترجمة في إغناء اللغة وسلاسة فهمها، واستخدام كلمات جديدة واعية لها مردودها الثقافي والعلمي.

بعض من إصدارات المنظمة
بعض من إصدارات المنظمة

كيف ترى وتقيم نسبة الإقبال على الكتب المترجمة، وبالأخص من إصدارات المنظمة؟

على الرغم من أن كتب المنظمة هي الأكثر ارتيادًا في الشراء من غيرها من الكتب المترجمة الأخرى، وعلى الرغم من أن نسبة ارتيادها للقراءة تفوق غيرها بنسبة عالية، إلا أنها لا تلبي الطموح الذي تروم المنظمة العربية للترجمة الوصول إليه وتطوير مؤسستها لتواكب عالميًّا ما يتجدد من العلوم. فصحيح أنّ هناك إقبالاً على اقتنائها إلا أن مبيعات 30 ألف نسخة أو ما يزيد بقليل سنويًّا من جميع إصداراتها شيء مخزٍ لأمة بلغ عدد نفوسها ما يزيد على 350 مليون نسمة. فالمؤسسات التي لا بد أن تدعم الثقافة والعلوم نجد جُلها ينأى بنفسه عن اقتناء الكتاب وتوفيره للمواطن في المكتبات العامة والجامعات والكليات التي يفوق عددها 890 جامعة وكلية عربية، والتي تجدها فقيرة بالكتاب ولا تُعطي للكتب المترجمة أهمية. وهو أمرٌ يجعل في قلبنا غصة.

ما هي أكثر الصعوبات والتحديات التي تواجه المؤسسات العاملة في هذا المجال ؟

الصعوبات التي نواجهها مثل أية صعوبة تواجهها المؤسسات الفكرية والإنسانية والثقافية والخدمية الأخرى، وهي تتعلق بعدم وجود الدعم المادي لهذا العمل والهدف الساميين. وعلى الرغم من التفات بعض المؤسسات وبعض الشخصيات إلى بعض كتب المنظمة، إلا أنها غير كافية. فمؤسسة مثل المنظمة العربية للترجمة لا يمكن أن تموّل نفسها من المبيعات وخصوصًا أن حجم القرّاء في الوطن العربي قياسًا بفردهم لا يساوي إلا الجزء اليسير الذي لا يُذكر. هذه في الواقع إحدى الصعوبات الكبرى.
من ناحية أخرى نعاني من عدم فهم المقتني للكتب المترجمة قيمتها الحقيقية العلمية والمادية، فالكتاب المترجم ليس ورقًا بل مادة علمية صائبة جديدة لها قيمتها المادية والثقافية، والقارئ لا يعي أن المنظمة تدفع حقوق تأليف وحقوق ترجمة وثمن الترجمة والمراجعة وغيرها من المهام التقنية ليكون الكتاب كاملاً ناصعًا بيد القارئ. هذه هي أهم التحديات التي نواجهها، والتي لا بد من وضعها أمام القارئ.

على أي أساس يكون اختيار كتب دون سواها لتتم ترجمتها؟

للمنظمة تسع لجان متخصصة لاختيار الكتب، أعضاؤها ممن هم في سياق كبير من الفهم للغة العربية ولغة الأصل، وله باع في الاختصاص، وسبق أن كتب وألّف وترجم بكلا اللغتين. كما نحرص أن يكون الأعضاء متعددي اللغات؛ أي ليست هناك سيطرة للغة واحدة على اللجنة. وفي اللجان يقترح كل عضو إلى منسق لجنته كتبًا مع وضع سمات الكتاب الأساسية وأهمية ترجمته، وماذا سيضيف إلى المحتوى العربي، وبمجرد أن تكتمل الصورة تجتمع اللجنة، على الأقل مرة كل سنة، لوضع السمات الأخيرة للكتب التي يراد ترجمتها، وإذا ما تم ذلك تحال الكتب بحسب لجانها إلى اللجنة التنفيذية لتقرّها، ومن ثم تبدأ العملية الإدارية لشراء الحقوق والترجمة والإصدار، وفي كل الحالات هذه يتوخى اختيار الكتاب أن يكون بعضها تخصصيًّا يفيد الباحث والطالب، وبعضها الآخر ثقافيًّا يمكن للإنسان غير المتخصص الإلمام بمادته وتطوير ثقافته.

حدّثنا عن تعاون المنظمة مع مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية.

مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية تعاونت مع المنظمة من خلال دعمها لإصدار 33 كتاباً في أحد عشر مجالاً علميًّا، بدءًا من الكيمياء والعلوم الجينية ونهاية بالعلوم البترولية عام 2010م، وقد أُنجز المشروع نهاية عام 2011م. ثم عاودت دعم تسعة كتب في عام 2013م، تم إنجاز 70% من المشروع. والآن في عام 2014م دعمت المنظمة بثلاثة كتبٍ أساسية في الرياضيات والفيزياء والتكنولوجيا. فهي بحق أكبر مؤسسة دعمت المنظمة العربية للترجمة، ونحن نعتبر أنفسنا شركاء معهم في نشر التقنية العلمية ورفد المؤسسات الأكاديمية بالجديد من الكتب العلمية المتطورة بصورة متناهية الآن. كما عرضنا بداية عام 2014م على المدينة مشروع المعاجم الاصطلاحية والمصطلحية، ومازال القرار لم يُتّخذ بعد، وهو مشروع مهم سوف يؤدي إلى نقلة نوعية في جودة الترجمة وتطورها إذا ما رأى النور. فالمدينة حققت خلال ثلاث سنوات ونيف من الأشهر مع المنظمة العربية للترجمة ما لم تتمكن من تحقيقه حكومات عربية كبيرة في مجال الترجمة ونشر الوعي البحثي والمعرفي والعلمي. ونحن نطمح خلال هذه السنة أن تستمر المدينة في دعم المنظمة لترجمة كتب في مجالات لم تتطرق إليها مؤسسات أخرى تُعنى بالترجمة.

Previous ArticleNext Article
سجا العبدلي
صحفية عراقية مقيمة في لبنان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.