• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari
أحوال, مدوّنات

زيونة بغداد.. أما تخجل الخضراء من ثغب الدِّماء؟!

قتل مسلحون الأسبوع الماضي 26 امرأة و 6 رجال في شقة بمنطقة زيونة ببغداد
قتل مسلحون الأسبوع الماضي 26 امرأة و 6 رجال في شقة بمنطقة زيونة ببغداد

حصلت في الأسبوع الماضي، وتحديداً (السبت 12 تموز، يوليو 2014) جريمة قليل أن يُقال عنها كانت مروعةً، قُتل فيها عشرين امرأة وفتاة وستة رجال. كان السَّلاح المستخدم مسدسات كاتم الصَّوت، آلة اغتيال أستاذة جامعات ومثقفين وتجار، ولم تبق فئة اجتماعية ناجية منه، إلا أصحاب المراكز الحكومية والسياسية، فهم ناجون، وذلك لما يُصرف على الحماية مِن المال العام الذي تشترى به أيضاً كواتم الصَّوت.

يقع حي “زيونة” بجانب رصافة بغداد، خطوات عن قناة الجيش، التي تقطع بغداد مِن الجنوب إلى الشَّمال، أُنجزت في عهد الزَّعيم عبد الكريم قاسم (قُتل 1963). كانت حدائق القناة مكاناً للطلاب يطالعون بها دروسهم في مواسم الامتحانات، ومرتعاً لطالبي التنزه، وقريباً مِن ضفافها تقع مدينة الألعاب. تقع شمال زيونة مدينة الضباط، هكذا كانت تُعرف المحلة، ثم عُرف المكان “زيونة”، التي في بدايتها يقع ملعب الشَّعب، ذلك الملعب الذي تبرع به كولبنكيان صاحب الخمسة بالمائة مِن النِّفط. يمر فيها باص (36) القادم مِن الميدان وساحة الأندلس.

عشتُ بزيونة فترة، مقيماً ومتردداً على منزل شقيقي الضابط آنذاك (أعدم 1980)، والبناء كان على قَدم وساق فيها، فقد كانت مساحة كبيرة منها فارغة، فتمت بأسواقها وحدائقها. لم نسأل حينها عن أسماء المدن والمحلات التي نُقيم فيها، بينما لكلٍ منها قصة وحكاية، حتى حي جميلة، الذي سمي باسم المناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد، لم نعرف سره، مثلما نُسي دعم العِراق، في زمن عبد الكريم قاسم، إلى الثَّورة الجزائرية، بلا فرض إيديولوجية أو تأسيس فروع أحزاب، إن كانت أحزاب النَّاس أو أحزاب الله. لكنَّ هناك معلومات تفيد أن المكان سمي باسم امرأة اسمها زيونة، كانت مِن أول الساكنين فيها، وقيل إن المرجح في أصل التَّسمية كانت الأرض لعائلة مسيحية تدعى “بيت زيونة”، هكذا قرأتُ في أحد المواقع منقولاً عن كتاب “أسماء المدن”، الذي لم أقرأه.

انقطعت صلتي بزيونة العام 1977 نهائياً، ولم أعود إليها متخفياً، مِن مطاردة الأمن، كي أودع شقيقي وعائلته، مِن دون أن يعرف بأني سأغادر غداً، وبعدها يغادرنا إلى الأبد، وتستمر الرِّحلة حتى يومنا هذا، فمثلما جاء عنوان المدونة السَّابقة “العراق… مِن طُوّيْس إلى طُوّيْس”، وطُوّيس هذا صار اسمه كناية عن الشُّؤم أو الفال النَّحس. سمعتُ كثيراً عن الحوادث التي وقعت بزيونة بين حين وآخر، كلها حوادث قتل واغتيال، ومنها ما يتعلق بإثبات الميليشيات للرّجولة والطَّهارة والعفة، على المقتولين من المنحرفين أخلاقياً، هكذا تُقدم الشِّرطة بلاغاتها كي تخفف مِن وطئ الجريمة، ويصبح المقتول متهماً.

لستُ بصدد الحديث عن سبب القتل بقدر ما نتحدث عن القتل نفسه، والجريمة الكبرى، بقتل هذا العدد مِن النِّساء والرِّجال، ومَن هو القاتل؟ فإلى هذه السَّاعة لم يظهر المجرم، وسيُسدل الستار على دماء زيونة، تحت مبرر العِفة، مع أن القاتل نفسه يحتاج دروساً بالعِفة، إذا كان هذا السَّبب. مِن جهة أخرى مَن له الحق إراقة الدِّماء ويتصرف كسُلطة فاقت الأجهزة السِّرية السَّابقة؟ مَن له الحق أن يحمل سلاح كاتم صوت؟ انظروا حديث رئيس الحكومة عندما أشاد بولده وهو يُكلفه بإلقاء القبض على أحدهم، وقال بالحرف: “وجد عنده كواتم صوت”! والمقبوض عليه مِن سُكان الخضراء.

لكنَّ مِن المعلوم أن كاتم الصَّوت لا تمتلكه الحكومات ولا أجهزتها ولا فِرق الحمايات، بل يملكه المجرمون عادة، الذين يريدون تنفيذ عمليات اغتيال، أما الحكومة والحماية فيكون بيديها السِّلاح الرَّسمي، وكاتم الصَّوت ليس سلاحاً رسمياً لأنه سلاح اغتيال وجريمة، المفروض أن يكون محرماً، لا مشاعاً لدى الميليشيات، التي شارك حزب السُّلطة في احتفال استعراضها العسكري فتأمل. على أية حال، لا يكون كاتم الصَّوت إلا عند العصابات، لا عند الأحزاب ولا الحكومات، لكنَّ في وضعنا الرَّاهن تتحول العصابات إلى حكومات وأحزاب، وعندها لمَن المشتكى، فهي “الخصم والحكم”.

بُثت صور القتيلات والقتلى، وكانت مشاهد مفجعة تل مِن اللحم في بحيرة مِن الدِّماء، ومِن المؤكد أن القتلة عادوا واحتفلوا بنشوة النَّصر، ولا أظن أن ذئاباً لو أُطلقت على آدميين، أو قطيع أغنام ستفعل ذلك، لأنها مقيدة بغريزة الشِّبع والاكتفاء، ولا تتعداها، أما هؤلاء فأرى قليلاً عليهم تسميتهم بالذِّئاب، أو أي وحوش أُخر. نعم، هؤلاء تجاوزوا مقدار القسوة والوحشية.

نأتي إلى حادثة مشابهة، وقت ببغداد نفسها، السنة (257 هـ)، وحينها كان مركز الخلافة، أو العاصمة، سامراء (ترك المعتصم 221 هـ بغداد إلى سامراء وعاد المعتمد إليها وجعلها المعتضد العاصمة مرة أخرى 279 هـ)، يقول محمد بن جرير الطَّبري (ت 310 هـ): “ظهر ببغداد بموضع يُقال له بُركة زلزل خنَّاق، وقد قتل خلقاً كثيراً مِن النِّساء، ودفنهنَّ في دار كان فيها ساكناً، فحُمل إلى المعتمد، فبلغني أنه أمر بضربه، فُضرب ألفي سوط وأربعمائة أرزن (عود شجر)، فلم يمت حتى ضرب الجلادون أُنثييه بخشب العقابين، فمات، فردَ إلى بغداد، فصُلبَ بها وأُحرقت جثته”(تاريخ الأمم والملوك).

فمَن هو معتمد (ت 289 هـ) العصر، يقتص مِن مرتكبي هذه الجريمة، التي هي واحدة مِن جرائم تدنس وجه تاريخ هذه المرحلة. فمعلوم أن القاعدة جماعة مجرمة تفجر وتقتل المئات، وداعش أكثر منها أو تساويها في مستوى الإرهاب، وهما مِن الأساس ضد الوضع القائم، لكنَّ هذه الجريمة لها فاعل آخر، وأُريد أن تتم بكواتم الصَّوت، وترك الضَّحايا، كي يُشاع الرُّعب بين النَّاس، الرُّعب الأكثر في النّفوس، الرّعب مِن السِّلاح الصَّامت يدخل فرعه مع الإنسان إلى غرفة نومه، ومَن ينسى رعب أبي طبر (1973)، الذي ظهر بعد حين، وقالها البغداديون في حينه، إنه لعبة الحكومة، وكان هكذا. أقول هذه المرة أن الجماعات التي تنفذ الاغتيالات بكواتم الصَّوت، على ما يبدو مجازة، بشكلٍ مِن الأشكال، لأنها تقوم بواجب الطَّهارة، الطَّهارة التي تحافظ على شكل حكم الأحزاب الدينية، فللحق، على ما يعتقدونه حقاً، جماعة تسرح وتمرح بسلاحها، إنها الجيش الرَّديف لتحقيق ما يعجز عن تحقيقه في برلمان وقرار رسمي. أقول: أما تخجل الخضراء مِن ثغب دماء زيونة! فممَن تُطلب الحماية إذا تعجز حكومة الخضراء عن تحقيقها، أفيدونا. هذا و”الثَّغب” له معاني عدة، تعني القتل، فهو الطَّعن والذَّبح ونزيف الدَّم.

Previous ArticleNext Article
رشيد الخيّون
باحث عراقي متخصص في الفلسفة الإسلامية. من كتبه "100 عام من الإسلام السياسي بالعراق".

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.