• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari
أحوال, مدوّنات

لوم بقية الإِسلاميين لداعش: عتاب الأحبة

تنظيم داعش بالموصل قام بتهجير المسيحيين وحرق الكنائس
تنظيم داعش بالموصل قام بتهجير المسيحيين وحرق الكنائس

ما تفعله “داعش” بالموصل، وحيث المناطق التي سيطرت عليها مِن الشَّام والعِراق، يندى له الجبين، وفي المقدمة تأتي فعلتهم مع المسيحيين العراقيين مِن أهل الموصل، مِن تهجير بحد السَّيف وسلب لممتلكاتهم. ثم ما تناقلته الأخبار عن تهديم المناطق الأثرية، بدعوى أنها أصنام، وهو ما فعلته طالبان بآثار أفغانستان، حينما تسلمت السُّلطة بكابل، مع أخبار عن تغيير بنية التعليم داخل الموصل، وتجنيد النّساء في جيش الخلافة، وإعلان ختان البنات رسمياً.

مع كلِّ هذه الأفعال تأتي ردود الإسلام السياسي، مِن تنظيمات وأحزاب، بما يشبه العتب، فكل البيانات التي اطلعنا عليها، لا ترقى إلى انتقاد الجريمة ووصف هذه الجماعة بالإرهاب، والعبث باسم الدين بدماء الناس وأعراضهم. أخذت تلك البيانات تعاتب داعش عتب الصديق لصديقه، وكأنها تقول، أو هكذا قالت: ما اتفقنا على هذا! بل إنها أخذت توعيها بشروط الخلافة الإسلامية، فلو اتبعتها لكانت قد رضت عليها.

يُذكرنا هذا بموقف جماعات الإسلام السياسي، غير المتضررة مِن تنظيم القاعدة، إزاء جرائمها بزعامة أبي مصعب الزَّرقاوي، والذي وصفته الصحف العربية حينها بـ”رأس الشَّر”، وفي مقدمتها “الشَّرق الأوسط”. إلا أن الإسلاميين آنذاك بمصر والأردن وحماس بفلسطين واتحاد علماء المسلمين العالمي بزعامة يوسف القرضاوي، أكثروا الحزن عليه، على أنه قائد مجاهد، وأن إخوان الأردن وفلسطين (حماس) قد أقاموا له المآتم. وكأنه لم يقتل ولم يؤذ العراقيين جميعاً، ولم تصل رسله بالمتفجرات إلى عَمان نفسها.

ماذا يُنبئك هذا السُّلوك؟ غير أن المشروع واحد، مع اختلاف الدرجات في تنفيذه، ألا وهو مشروع الخلافة، الذي تأسس الإسلام السياسي مِن أجله، والمطلوب ليس بشروط الخلافة العثمانية ولا العباسية ولا الأموية؛ إنما يدّعون أنهم يقيمون الخلافة الراشدة! نقول مع اختلاف الدرجات، لأن العنف كامن في التنظيمات الإسلامية جمعاء، فخصمهم هو خصم الله تعالى، وقتله لا يعني سوى تخليص الأرض مِن الكافرين!

في حقيقة الأمر، وقد كُتب فيه كثيراً ولسنا السابقين إليه، أن هؤلاء مِن خلال تنظيماتهم وبرامجهم، لا صِلة لهم بالخلافة الراشدة، لأنها كانت فترة زمنية خاصة لها طبيعتها ومستلزماتها، ولم تكن تخلو مِن اختلاف وجهات النَّظر، والمؤرخون يفصلون في ذلك، وخلفاء تلك الفترة لم يتحدثوا عن سلطة الله إنما تحدثوا عن البيعة البشرية لا الإلهية، ولم يتحدثوا عن الحاكمية بشكل مِن الأشكال، وأن صِلاتهم مع غير المسلمين كانت طبيعية على أساس إنساني.

فهذه رواية تُنقل عن الخليفة الثَّاني عمر بن الخطاب (اغتيل 23 هـ)، يرويها الفقيه والمؤرخ والمفسر أبو الفرج عبد الرَّحمن بن الجوزي (ت 597 هـ)، أقصد لم يروها إنسان عادي، إنما رواها مَن لا يُطعن بدينه وتقواه. قال: “عن أسلم مولى عمر، قال: صنع أرخن الجابية (كان مسيحياً) لعمر بن الخطاب طعاماً في الكنيسة، فطعم عمر، ثم حضرت الصَّلاة، فصلى عمر بأصحابه في الكنيسة”(المنتظم في تاريخ الأمم والملوك)، ولم يهدمها ولم يصادرها منهم.

ما بين داعش ودولة خلافتها، وبقية الإسلاميين الحركيين، هو اختلاف الشَّكل لا اختلاف المحتوى والمضمون، فالأخير واحد، كلهم يتوقون إلى خلافة تمارس ما مارسته داعش بالموصل

ماذا لو طابقنا هذه الرّواية، أو هذا السلوك الذي سلكه الخليفة الرَّاشدي الثَّاني، على ما فعله طُلاب إعادة تلك الخلافة مع مسيحيي الموصل، ألم يظهر الفرق جلياً، مع أن عمر عاش القرن السابع الميلادي وهؤلاء يعيشون في القرن الحادي والعشرين، أي الألفية الثالثة. فتخيل عمق نفاق هذه الجماعة مع الدِّين. يعلم الإسلاميون جميعاً أن نهج الخلافة الراشدة غير نهج الخوارج.

بمعنى لم تُطرح فيها حاكمية الله ولا بيت مال الله، إنما بيت مال المسلمين وبيعة المسلمين، وهذا ما جعل عمر بن الخطاب يجتهد بأكثر مِن قضية كان قد استجدت، بينما الخوارج حددوا “حكم الله”، وهي الفكرة التي تبناها أبو الأعلى المودوي (ت 1979)، مع تنظير جديد، وجعل المجتمع المعاصر جاهلياً، ثم تلقفها سيد قًطب (اعدم 1966)، فيقول: “نحن اليوم في جاهليةٍ كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم، كلِّ ما حولنا جاهلية”(معالم في الطَّريق).
إنها الفكرة نفسها التي عبر عنها الخليفة الراشدي الرابع علي بن أبي طالب حين رد على أصحابها قائلاً: “كلمة حقٍ يُراد بها باطل”.

ما أعلنته داعش من دولة الخلافة هو مخبوء لدى بقية الإسلاميين، بإطاره الخارجي أي حاكمية الله لا الراشدية حكم البشر، ففي جوابه لهم ميز علي بن أبي طالب بين الحُكم والإمرة أي السياسة. قال: “كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ! نَعَمْ إِنَّهُ لا حُكْمَ إِلاَّ للهِ، ولكِنَّ هؤُلاَءِ يَقُولُونَ: لاَ إِمْرَةَ، فَإِنَّهُ لاَبُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِير بَرّ أَوْ فَاجِر، يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ، وَيَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ، وَيُبَلِّغُ اللهُ فِيهَا الاْجَلَ، وَيُجْمَعُ بِهِ الْفَيءُ، وَيُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ، وَتَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ، وَيُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ، حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرٌّ، وَيُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِر”(نهج البلاغة، شرح محمد عبده).وهنا تأتي بشرية الحكم، أما التشريع غير السياسة اليومية فهو ذلك الحكم، وأكثر الدول الإسلامية اليوم دساتيرها وقوانينها قد راعت الشريعة في المعاملات، مع تقدير اختلاف الظروف.

على أية حال، ما بين داعش ودولة خلافتها، وبقية الإسلاميين الحركيين، هو اختلاف الشَّكل لا اختلاف المحتوى والمضمون، فالأخير واحد، كلهم يتوقون إلى خلافة تمارس ما مارسته داعش بالموصل، لهذا جاء اعتراضهم على أفعالها بالعتب لا الرفض الكلي، عتب صادر من صديق لصديقه أو من رفيق لرفيقه لا أكثر. إن ما فعلته داعش مع مسيحيي الموصل وأهل الموصل بحاجة إلى رفض تام؛ ويُقال صريح العبارة أن فاعله بريء منه الدِّين، وإعلان موقف صريح، لا عتب يبقي الود قائماً، ولولا لم يكن الإسلام السياسي واحداً في الجوهر متعدد في الشَّكل، لاعُتبر ما حدث جريمةً ومَظلَمةً وإيذاءً للدين الذي تدعي داعش أنها تُدين به.

لكنَّ كيف يُدين الإسلاميون، أو الإسلام السِّياسي غير المتضرر، تلك الجماعة، وهو نفسه يعد في برامجه لدولة دينية، يدعي أنها دولة إسلامية لا دينية، هذا ما يحاولون الغش والتلفيق به، إنما دولتهم سواء جاءتهم عن طريق الديمقراطية، أو الانقلاب، لا تختلف عن دولة داعش المقامة بالموصل الآن. لهذا لا بد مِن تقديم الشُّكر لهذا الجماعة، لأنها قدمت للناس نموذج دولة الإسلام السِّياسي عريانة بلا تجميل، وكادت تُقام بمصر وتونس، والحرب جارية مِن أجلها بليبيا.

Previous ArticleNext Article
رشيد الخيّون
باحث عراقي متخصص في الفلسفة الإسلامية. من كتبه "100 عام من الإسلام السياسي بالعراق".

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.