آمال قرامي.. الاختلاف في الثقافة العربية الإسلامية - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

مقابلات

آمال قرامي.. الاختلاف في الثقافة العربية الإسلامية

آمال قرامي
آمال قرامي

أستاذة الإنسانيات في كلية الآداب والفنون بجامعة منّوبة في تونس التي تعمقت في التراث الإسلامي، ودرست الأبعاد الجندرية فيه، كما تجلى ذلك بوضوح في أطروحتها للدكتوراه التي صدرت في كتاب بعنوان “الاختلاف في الثقافة العربية الإسلامية .. دراسة جندرية” ترى بأن واقع المرأة العربية يؤكد اليوم بأن الفروق بين المرأة والرجل هي نتيجة لتراكمات السياق الاجتماعي والثقافي، و”هذا السياق هو من يتحكم في إدارتها”.

تؤمن قرامي بالحقيقة القائلة “لا ديمقراطية بدون تكريس حقوق النساء”، لذلك فإن “ما يجري حاليًّا في العراق وسوريا وليبيا واليمن وغيرها من بلدان تعيش وضعًا كارثيًّا يجعل معالجة وضع النساء أولوية الأولويات بالنسبة إلى بناء المسار الانتقالي؛ لأنّ العنف المسلط عليهن مضاعف: عنف السلطة وعنف المجتمع. الظلم والقمع والتسلط، والقهر، والغبن، والتمييز، وهدر الكرامة… كلها مظاهر لا يمكن تأجيل معالجتها وفق معيار الجنس أو الدين أو العنصر”.

وفي سياق حديثها حول موقف حركات الإسلام السياسي من قضية المرأة وحقوقها، تؤكد قرامي أن توظيف النساء في الجماعات الدينية هي “استراتيجية معمول بها للتعبئة وكسب الأنصار والتأثير في الرأي العام”. ومع ذلك هي ترى أن “البنى الذهنية التي تضطهد المرأة لا تتطور بسرعة وإنّما تظل فاعلة على امتداد قرون، لاسيما إذا كانت تحقّق مصالح المجتمعات التسلطية”، ولذلك الحل يكمن –حسب رؤيتها- في مواجهة الحقائق برشد واستقلال ومسؤولية، “حتى نتصالح مع منظومة الزمن”.

مجلة “المجلة” التقت بالدكتورة آمال قرامي، وساءلتها حول واقع الحراك النسوي في العالم العربي، وآفاقه، فكان هذا الحوار…

بعد سنوات أربع على أحداث الربيع العربي، رُفعت فيها شعارات الحرية والكرامة والمساواة، من خلال هذه الأحداث المتسارعة المتقلِّبة، كيف تَكشَّف لك واقع، وموقع المرأة في الثقافة والممارسة العربية والإسلامية ؟

وفّرت الثورات فرصة للأفراد حتى يستعيدوا القدرة على الحلم من جديد: الحلم بوطن حرٍّ قادر على فرض سيادته، وإرساء سياسات دولية مختلفة تغلب فيها المصلحة الوطنية على غيرها من المصالح… وطن تبنى فيه العلاقات بين الحاكم والمواطنين على أسس مغايرة تحدّ من سطوة التراتبية الهرمية، والهوس بالسلطة… والمرأة مثلها مثل الرجل كانت تحلم بتحقيق مكتسبات جديدة، وأن تنعم بالحريات، وأن تشعر بمواطنيتها كاملة، وأن تساهم في بناء المسار الانتقالي من موقع الشريك في النضال، ولكن ما حصل هو مخالف تمامًا لمثل هذه التوقعات؛ فمسار ما بعد الثورات أبان عن هشاشة الطبقة السياسية، وعجزها عن إدارة المرحلة، وتنكرها للقيم التي نادت بها الثورات فضلاً عن استهتارها بما تحقق من إنجازات لعلّ أهمها مؤسسات الدولة. وما ترتب عن افتقار السياسيين للرؤية السياسية، والإدارة الحازمة من تأزم اقتصادي وسياسي واجتماعي وخواء فكري واستشراء للعنف، لم ينعكس على واقع النساء فقط، بل كانت له نتائج سلبية على حياة جميع المواطنين.

هناك من يقول: المرأة في العالم العربي تعاني من أزمة.. هذا صحيح، لكنها قضية مؤجلة، بمعنى أنّ حلها يكون أولاً عبر الإصلاح السياسي الشامل الذي يتمثل في المطالبة بالديمقراطية وفتح المشاركة السياسية، ثم بعد ذلك تحل مشاكلها وتؤسس حقوقها على أرضية قانونية ديمقراطية.. بمعنى آخر أن الاستبداد السياسي هو المسؤول عن أزمة المرأة.. ما رأيك؟

بداية أنا لا أميل إلى عزل ما تعانيه النساء في المجتمعات المعاصرة عن واقع الفرد بصفة عامة، بقطع النظر عن جنسه وعرقه ودينه وطبقته… وعلى هذا الأساس فالأزمة شاملة وبنيوية مرتبطة بأشكال إدارة الحكم، ونمط العلاقة بين الحاكم والشعب، وطريقة توزيع الخيرات، وكيفية سنّ القوانين، وتطبيقها، وسبل معالجة استشراء الفساد، وتحقيق الحوكمة الرشيدة، وغيرها من المعايير التي يمكن أن تضمن العيش الكريم للفرد. ثمّ إنّه لا يمكن الحديث -في اعتقادي- عن الاستبداد السياسي بمعزل عن الاستبداد الفكري والعقائدي، وعن تسلّط المجتمع الأبويّ. فكلّ هذه العوامل تشكِّل عقبات أمام بناء الإنسان في المجتمعات العربية، وتفضي إلى نشأة معطوبين وغير أسوياء لا يمكن التعويل عليهم في عملية النهوض بالأوطان.

أمّا ما تعانيه النساء في المجتمعات المعاصرة، وإن تفاوت حجم المكابدة من بلد إلى آخر، فإنّه راجع إلى عدّة عوامل، منها مستوى الوعي: وعي المرأة بذاتها وحقوقها، ومدى التزامها بالعيش وفق مقتضيات المواطنة، ومنها مدى قدرتها على كسر حاجز الخوف، واستعدادها على مفارقة وضع الاتكال الكليّ على الرجل باعتباره الوحيد القادر على حمايتها وتلبية حاجياتها المادية والعاطفية إلى وضع تحمّل المسؤولية، وبالإضافة إلى هذه العوامل المتصلة ببناء قدرات النساء ثمّة أسباب جوهرية مرتبطة بنمط التنشئة الاجتماعية، والسلطة الموكولة إلى الرأسمال الثقافي (العادات والتقاليد…)، وهيمنة القراءة الحرفية للنصوص الدينية التي تتعالى عن السياق التاريخي والاجتماعي والاقتصادي. يضاف إلى ذلك استشراء الأمية ومأسسة الجهل، وتكريس العبودية الجديدة بمعنى اتكال المرء على الدعاة اتكالاً كليًّا يلغي إعمال العقل، وممارسة حق الاختيار. دون أن نتغافل عن دور العامل الاقتصادي وتأثيره في حيوات النساء. هذه بعض من المشاكل التي نعانيها والتي تتطلب تحليلاً مستفيضًا ليس هذا الحوار مجالاً للتعمّق فيها. وبالنسبة إلى مسألة ترتيب الأولويات، الانطلاق من معالجة الوضع السياسي، ثم الانكباب على معالجة أوضاع النساء، فأنا لا أتفق مع هذا الطرح؛ لأنّه يعتبر المرأة مواطنة من الدرجة الثانية، ويتغاضى عن حقيقة مفادها أن لا ديمقراطية بدون تكريس حقوق النساء. وما يجري حاليًّا في العراق وسوريا وليبيا واليمن وغيرها من بلدان تعيش وضعًا كارثيًّا يجعل معالجة وضع النساء أولوية الأولويات بالنسبة إلى بناء المسار الانتقالي؛ لأنّ العنف المسلط عليهن مضاعف: عنف السلطة وعنف المجتمع. الظلم والقمع والتسلط، والقهر، والغبن، والتمييز، وهدر الكرامة…كلها مظاهر لا يمكن تأجيل معالجتها وفق معيار الجنس أو الدين أو العنصر.

الآن بعد موجة شد وجذب داخل التيارات السياسية في تونس، وصعود الأحزاب الدينية، والأحكام القضائية التي وصفت بأنها تضيق على حرية المرأة، إضافة إلى إقرار الدستور الجديد الذي يوصف بأنه ينحاز للصف الحداثي، كيف تقرئين الحراك النسوي في تونس في ظل هذه المتغيرات التي شهدتها البلاد؟

ما مررنا به طيلة هذه السنوات يثبت وجود ديناميكية جديدة في الحركة النسائية التونسية التي كان ينظر إليها على أساس أنّها حركة منفصلة عن الشعب، لا تعبّر إلاّ عن مشاغل طبقة أو فئة اجتماعية حضرية، بل نخبوية في نظر البعض. وبالإضافة إلى ذلك انتقدت الحركة النسائية على أساس صلتها بالحاكم، واعتبرت ممثّلة للدولة، فأطلق عليها عبارة “نسوية الدولة” على أساس أنّ النظامين السابقين وظّفا القضية النسائية لتلميع صورة الحاكم، وإبراز مدى انفتاحه على الحداثة. ولكن يتناسى المنتقدون أنّ الحركة النسائية لها تاريخ نضالي طويل يمتدّ إلى عصور، ويرتبط بشخصيات عديدة، عليسة والكاهنة البربرية، وعزيزة عثمانة، والسيدة المنوبية، وغيرهن كثيرات.كما أنّ هؤلاء المنتقدين يتغاضون عن واقع خاص مرّت به الأسر التونسية جعلها متمسّكة بالحفاظ على كرامة النساء، يكفي أن أشير في هذا الصدد، إلى الصداق القيرواني (نسبة إلى مدينة القيروان) الذي عرف في القرن التاسع الهجري، والذي كان يخوّل للمرأة اشتراط منحها الطلاق في حال تزوّج زوجها عليها، وهو ما يبرّر أنّ منع تعدّد الزوجات لم يرتبط ببورقيبة بقدر ما كان معبّرًا عن ممارسات متأصلة في التاريخ جعلت المجتمع مستعدًّا لقبول تغييرات اجتماعية تعكس تحوّلا في سلّم القيم.

كتاب (الاختلاف في الثقافة العربية الإسلامية) لآمال قرامي
كتاب (الاختلاف في الثقافة العربية الإسلامية)
لآمال قرامي
لا ديمقراطية بدون تكريس حقوق النساء. وما يجري حاليًّا في العراق وسوريا وليبيا واليمن وغيرها من بلدان تعيش وضعًا كارثيًّا يجعل معالجة وضع النساء أولوية الأولويات

ولئن كانت مشاركة النساء في الثورة عاكسة لما بلغنه من تطور على مستوى الوعي والتعليم والرغبة في إثبات الوجود فإنّ محاولات النكوص التي برزت منذ انطلاق المسار الانتقالي قد سعت جاهدة إلى إلغاء هذا التاريخ من النضال، والعود بالنساء إلى عصور غابرة. ولعلّ ظهور مؤشرات عن عودة السلطة الأبوية القهرية هو الذي جعل النساء ينخرطن أكثر فأكثر في المقاومة، لا من أجل الدفاع عن مكتسباتهن فقط، بل من أجل إثبات وجودهن باعتبارهن مواطنات يخضن مرحلة بناء تونس الجديدة. وفي تقديري الدرس الذي تعلّمته الحركة النسائية هو ضرورة المثابرة واليقظة والعمل الدؤوب من أجل حماية الحقوق، إذ لا يمكن التعويل إلاّ على التضامن والتوعية وغيرها من الأساليب التي تضمن تحسين الأوضاع والتخطيط للمستقبل فلا شيء مضمون. لقد مرّت الحركة النسائية باختبار عسير ومعقّد التركيب، ولكنّها أثبتت في النهاية أنّها حركة عتيدة يمكن التعويل عليها من أجل الحفاظ على الحقوق، والعمل على تطويرها.

هل يعني هذا تراجع حال “المرأة التونسية”.. تلك التي أسَّس وجودها الزعيم بورقيبة بقرارات وقوانين متقدمة على العالم العربي؟

بالرغم من غياب الدراسات الميدانية والمعطيات الدقيقة، ومراجعة مفهوم “التراجع” فإنني أعتبر أنّه لا يمكن الحديث عن المرأة التونسية، ذاك الأنموذج الذي ترسّخ ملغيًا الفوارق بين النساء من حيث المستوى التعليمي والثقافي ودرجة الوعي. ليس هناك في الواقع امرأة منمّطة تعبّر عن جميع التونسيات. هناك نساء مختلفات من حيث أحلامهن، وتصوّراتهن، وقدراتهن… وهذا ما فضحه واقع ما بعد الثورة. فمن التونسيات من خضن معركة دسترة الحقوق، والدفع إلى الأمام من أجل إنجاح المسار الانتقالي، ومن التونسيات من فضّلن الانعزال والعيش في بروجهن العاجية، ومنهن فئة رامت البحث عن الحلول العاجلة فقرّرت الهجرة، ومنهن من ارتمين في أحضان الجماعات المتطرّفة إيمانا بأهميّة جهاد الطواغيت ونصرة دولة الحق، ومنهن من خدمن الحزب، وقمن بالتعبئة والدعوة وكلّ ما يتطلّبه العمل الحزبي. وفق هذا الطرح ما يعتبرُ تراجعًا لدى البعض تراه أخريات تقدّمًا، ولكن عمومًا يمكن القول إنّ التراجع حصل على مستوى الوعي، وهو ناجم عن مناخ القمع والفساد وتدهور مردود المؤسسة التعليمية، والافتقار إلى إعلام قادر على التصدّي لهذا الخواء الفكري، وغياب فضاءات ثقافية فاعلة قادرة على مواجهة الردّة الفكرية. ولعلّ التحدي الذي تواجهه التونسيات الراغبات في تطوير حقوقهن بما يثبت تكريس المواطنة الكاملة هو سدّ الفجوة بين النص والواقع؛ أي كيف نفعِّل القوانين في إطار مجتمع بدأت تتسرّب إليه ممارسات موصولة إلى بنى ذهنية متكلسة لا تؤمن بالمساواة بين حقوق المرأة وحقوق الرجل.

ما تفسيرك لصعود المد الديني، وموجة التطرف الجهادي في المنطقة العربية بعد أحداث “الربيع العربي”، ونبعت من نفس الساحات التي كانت تهتف بالشعارات المدنية والتنويرية، وتطالب بالحرية والديمقراطية؟

للمدّ الأصولي أسباب داخلية مرتبطة بإخفاق الدولة الوطنية في التعبير عن تطلعات أجيال وأجيال كانت تحلم بالاستقرار، والعيش الكريم، وتتمسَّك بالحقّ في السعادة والعلم والتنمية… وأخرى خارجية ذات صلة بالتوازنات العالمية وإرادة الولايات المتحدة الأمريكية الهيمنة على العالم بالقضاء على كلّ معالم السيادة الوطنية، والوحدة الوطنية، وضرب الإسلام في العمق؛ ولم يتحقّق لها ذلك لولا وجود فئات قبلت بيع الوطن والمتاجرة بالقضايا العادلة. وتونس ليست بمعزل عن كلّ هذه الأجندات مثلها مثل غيرها من البلدان، ساهمت في خلق أرضية ومناخ يساعد على انتشار الاستبداد العقائدي. فالقمع والفساد والتهميش وإذلال العباد والعبث بمصالحهم… جعل شرائح من التونسيين لا تجد الخلاص إلاّ في الارتماء في أحضان هذه الجماعات المتشدّدة التي وفّرت لها الخلاص والأمان المادي والمعنوية، وبثّت فيها الأمل باستعادة القدرة على الحلم: الحلم بالتسلّط على الناس، والتحكّم في مصيرهم وبثّ الرعب فيهم وتأديبهم…كلّها أفعال توحي للمرء بأنّه قادر على الفعل، وممارسة التسلّط، والخروج من وضعية المسحوق والخصي والمقهور إلى وضعيّة الفاعل.

أمّا الثوار الذي رفعوا شعارات الكرامة والحرية والمساواة… فإنّهم أقلية سرعان ما تجاوزتهم الأحداث؛ لأنهم لم يتوقّعوا أن تسرق منهم أحلامهم وتصادر أمانيهم، وما استطاعوا مواجهة هذا الوضع المعقّد لأنهم لا يمثلون كتلة منظمة وموّحدةن ويفتقرون إلى رؤية ودعم. لازالت أصواتهم ترتفع ولكنهم لم يستطيعوا مفارقة وضع الاحتجاج.

تُتهم حركات الإسلام السياسي بأن موقفها مضطرب تجاه المرأة، أو بعبارة أدق “رجعي، يغيبها ويعيدها للقرون الوسطى”، لكن يرد أبناء هذا التيار -وبالأخص في تونس- بأن عدد نواب حركة النهضة من النساء في البرلمان من أكثر الكتل، وهذا ينفي التهم.. ما رأيك في هذا الكلام؟

أول الأمر احتلال نساء النهضة مواقع في المجلس التأسيسي لم يكن ثمرة نضال نسائي ووعي ذاتي بأهمية المشاركة السياسية بقدر ما كان إرادة سياسية نابعة من الحزب، وهو أمر متعارف عليه عاشته تركيا من قبل مع حزب العدالة والتنمية. فتوظيف النساء في الجماعات الدينية استراتيجية معمول بها للتعبئة ولكسب الأنصار والتأثير في الرأي العام.

ولئن عاب حزب النهضة على بورقيبة وبن علي استغلالهما للقضية النسائية لتلميع صورة النظام، فإنّ النهضة لم تخرج هي أيضًا عن هذا الإطار. ليس أدلّ على ذلك من إبراز المشاركة النسائية، وترشيح امرأة غير محجّبة، كلّ ذلك بهدف إبراز أنّ الحزب “إسلامي وحداثي” لا ينوي التخلي عن مكتسبات النساء بل سيعمل على تطويرها، ولكن ما إن تولى الحكم حتى تقلّص عدد النساء في المناصب القيادية في الحكومة، وبدت ظاهرة العنف ضدّ النساء غير المحجبات تستفحل، والتضييق على الحريات… هذا فضلاً عن تقديم مقترحات في المجلس التأسيسي لا تفسّر إلاّ في ضوء حكم إسلامي الميول. ولعلّ إثارة مسألة “التكامل” بدل المساواة خير دليل على هذا التوجّه فضلاً عن التعامل مع المرأة من منظور الأمومة ومؤسسة الزواج، ممّا ينفي أي اعتبار للمرأة التي تُعامل على أساس المواطنة لا الأدوار الموكولة إليها وفق الثقافة التقليدية.

وبالرغم من سيطرة الفكر المحافظ على حزب النهضة، والذي تجلّى في النقاش داخل المجلس التأسيسي وخارجه في وسائل الإعلام، فإنّني أعتقد أنّه لولا مكتسبات مجلّة (الأحوال الشخصية)، ونضال أجيال من التونسيات لما استطاعت نساء النهضة أن يضطلعن بدور في المسار الانتقالي، بقطع النظر عن جودة الأداء داخل المجلس من عدمه، وهو مكسب لجميع التونسيات، إذ سيشهد التاريخ أنّ التونسيات شاركن في كتابة الدستور لأوّل مرّة في التاريخ. وأذهب إلى أنّ هذا سيمثّل حافزًا لجميع النساء حتى يشاركن في العمل السياسي، بل إنّي أقدّر أنّ نساء النهضة لن يكتفين بأدوار باهتة داخل الحزب، وأتوقّع أنّهن سيدافعن عن تمثيلية منصفة داخل مجلس الشورى حتى يكون الحزب بالفعل مؤمنًا بحقوق النساء قولاً وعملاً. فنتائج انتخابات مجلس الشورى الأخيرة مخجلة لحزب ادّعى أنّه يؤمن بتطوير منزلة المرأة، ولا تعكس المجهودات التي نهضت بها النساء داخل المجلس التأسيسي، وخارجه، وهي حجّة أخرى على سيطرة العقلية المحافظة على الحزب، وهيمنة الفكر الذكوري المتمسّك بامتيازاته، حتى وإن أجبرته التوازنات السياسية على القبول على مضض بتقديم بعض التنازلات.

تحدثتِ في كتابك “الاختلاف في الثقافة العربية الإسلامية” حول مفهوم القوة والشجاعة، وكيف التصق تاريخيًّا بالرجل لظروف بيئية وثقافية… هل تتفقين إذن مع الاتجاه الذي يرى بأن الفروقات النفسية والعاطفية، وطبيعة الأدوار بين المرأة والمرجل ما هي إلا نتيجة تراكم ثقافي وليس لأصل طبيعي بيولوجي؟

ما شدّ انتباه العالم في الثورات العربية وفي المسار الانتقالي، هو شجاعة النساء وصلابة جأشهن، وجرأتهن التي تجلّت في أكثر من مناسبة: إقدام الفتيات في مصر على فضح المؤسسة العسكرية بعد اختبارات العذرية، وتجرّؤ الفتيات اللواتي فضحن المتحرّشين في الميادين، وارتفاع أصوات الكاتبات اللواتي انتقدن الأنظمة والجماعات المتشدّدة في سوريا وتونس والعراق وفي غيرها من البلدان. إن ّكلّ هذه القوّة، والتصميم، والعزيمة، والجرأة، تثبت بما لا يدع مجالاً للشكّ، أنّنا لا إزاء تغيير في منظومة القيم التي تنسبها الثقافة السائدة إلى هذا الجنس أو ذاك بل نحن مع إزاحة الحجب. ثمة مناخ سمح بالخروج من حالة العمى إلى الإبصار، إلى الاعتراف بقدرات النساء، ومعنى هذا أنّ القوّة المعنوية لا الجسدية، والشجاعة المعنوية وغيرها من الصفات متوّفرة لدى الجنسين، ولكن السياق الاجتماعي هو الذي يتحّكم في إدارتها.

من الملاحظ على بعض الناشطات النسوية أنهن ينزعن إلى التحرر من مفهوم “الأنوثة” أو التمرد ضده باعتباره قالبًا يراد للمرأة أن تلتزم بأدواره، لذلك نرى لدى بعض الناشطات ممارسات تميل نحو الصبغة “الذكورية” من خلال الانحياز نحو الملابس المشتركة، قصات الشعر القصير، وازدراء المواضيع النسائية التقليدية، كالتجميل والطبخ والأزياء…إلخ، ألا ترين أن هذه ردَّة فعل تكشف عن عقدة نقص كامنة!! واستلاب مبطن للرجل؟!

هذا السلوك ينمّ عن اقتناع بتيار النسوية الراديكالية، وهو لا يمثّل إلاّ تيارًا داخل التيارات النسوية المتعدّدة كالنسوية الليبرالية، والنسوية الماركسية، والنسوية البيضاء، والنسوية السوداء، ونسوية ما بعد الحداثة…، وتؤمن المنتميات إلى النسوية الراديكالية بأنّ العلاقات بين الجنسين علاقات صدامية، ولا بدّ للنساء من أن يمتلكن السلطة، وأن يفرضن أنفسهن من خلال نبذ كلّ ما له صلة بالأنوثة التي تعني في المنظور التقليدي، اللين ، الانكسار، الضعف… وتعلّق النسويات الراديكاليات بهذا التوجه يومئ إلى رغبة في التماهي مع الرجل وهو يفضح في الحقيقة، استلابًا وتطرّفًا فضلاً عن هيمنة الفكر الأبوي باستراتيجياته المعروفة؛ بمعنى أنّ الرجل يظلّ دائمًا المعيار، والمركز، والقدوة، وحتى عندما تريد المرأة أن تثبت نفسها تعتقد أنّ عليها أن تتبنّى سلوك الرجل وقيمه ولغته، واستراتيجياته… ولكن هذا التوجه لم يجد له أتباعًا في العالم العربي.

تونسيات يرفعن أعلاماً تتضامن مع حقوق المرأة
تونسيات يرفعن أعلاماً تتضامن مع حقوق المرأة
الحركة النسائية التونسية لها تاريخ نضالي طويل يمتدّ إلى عصور، ويرتبط بشخصيات عديدة

هل ترين أن “مفهوم الأنوثة” بطبيعة وتركيبته في الثقافة العربية الذي يقوم على خصائص تلتصق بالأنثى وتعتبر من كمال أنوثتها كـ”الحياء، والعفة، والحشمة، والرقة، والتأنق، والنعومة، والجاذبية .. إلخ.، هي خصائص طبيعية، أم عبء يلقى على كاهل المرأة؟

هذه القيم تنسبها بعض المجتمعات إلى النساء في حين أنّ مجتمعات أخرى تنسبها إلى الرجال. فالأمور ذات صلة ببنية المجتمع والركائز التي تُؤسس عليها الثقافة السائدة والمعايير الأخلاقية والذوقية والجمالية والدينية المتواضع عليها. ولكن -في تقديري- العفة والحياء وغيرها من القيم لها حمولة رمزية توظّف من أجل تحقيق الضبط الاجتماعي وإدارة العلاقات الاجتماعية، وسياسة الأجساد، وطبيعة العلاقات المفترض وجودها. والملاحظ أنّ المجتمع يلحّ على عفّة المرأة ويتجاهل عفّة الرجل، وقس على ذلك الحياء، و… مُحدثًا بذلك فرقًا بين سلوك كلّ من المرأة والرجل بُغية الحفاظ على الامتيازات الذكورية. غير أنّ ما يجب أن نعترف به اليوم هو أنّ هذه الصفات والقيم تتغيّر وتتحوّل ولم تعد حكرًا على المرأة. فالرقّة موجودة لدى عدد من الرجال، وصاروا لا يخجلون من التعبير عنها أمام الملأ، وكذلك الرغبة في التجمّل والتأنّق والسعي إلى التبرّج… يكفي أن نتأمّل في إقبال الرجال على استهلاك مواد التجميل، والجراحة التجميلية والملابس المزدوجة (Unisex) وهذه الممارسات دليل على أنّ هذه المنظومة القيمية ليست ممثّلة لـ”خصائص طبيعية” بل هي صفات وقيم يتواضع عليها القوم، ويعملون على تجذيرها من خلال التربية، وآليات الضبط والمراقبة، والقوانين وغيرها. وليس يخفى أنّ التذرع بـ”الطبيعة” هو آلية يستخدمها أغلبهم للحدّ من المطالب النسائية المشروعة في العدالة الاجتماعية والمساواة وغيرها من الحقوق، فإذا طالبت المرأة -على سبيل المثال- بأن تكون قاضية احتجّ البعض بأنّ “طبيعتها” تحول دون وضعها في هذا المنصب القيادي… وهذا يعني أنّنا نُخفي العامل الاجتماعي، ونظهره في لبوس دينيّ أو طبيعي…

هناك من يرى بأن كثيرًا من الحركات النسوية تتحول مع مرور الوقت إلى حالة “عنصرية” شبيهة بحركة تحرير “السود” مثلاً، تصبح القضية هي السباق مع الجنس الآخر، والصراع معه في محاولة لكسر الأرقام والمناطق التي حرمت منها من أجل “تحقيق الانتصار” فحسب، وليس من أجل إقرار القيم والحقوق… ما رأيك؟

إذا انطلقنا من تعريف الفكر النسوي على أساس أنّه فكر سياسي تحرّري يروم تخليص الإنسان من القهر الاجتماعي والاقتصادي والسياسي… فإنّ الحراك النسوي هو حراك من أجل إحلال القيم التي تسمح بإرساء مجتمعات يطيب الاستقرار فيها، وهو مندرج في إطار الحركات التحررية والحركات الاجتماعية. أمّا انزياح بعض التيارات عن المسار فهو وارد في جميع التيارات الأيديولوجية أو السياسية، ولا يمكن التركيز عليه لأنّ الحركات النسوية في العالم العربي تجاوزت -في الغالب- هذا الطرح القائم على الثنائية المتضادة: رجل في مقابل امرأة، ولا تعتبر أن صراعها مع الرجل، إنّما هو صراع مع الفقر والتخلف والقهر… وفي هذا الإطار نلاحظ في السنوات الأخيرة على وجه الخصوص، انضمام عدد من الرجال إلى الحركات النسوية إيمانًا بهذه القيم العادلة التي تدافع عنها النسويات.

يوصف نشاط بعض النسويات العربيات بأنه يقفز على الواقع ويهمل التدرج، ويحرق المراحل، ويحرق نفسه بأطروحات جريئة مستنسخة من تجارب غربية متقدمة جدًا، إعادة استنساخها لن يجلب إلا ردود فعل تبرر لمن تصفونهم بالرجعيين أن يجدوا لأصواتهم مشروعية ومكانة؛ لأن التطرف يولد تطرفًا مضادًا.. ما رأيك؟

آراء بعض النسويات آراء فردية لا تلزم التيارات، ولا أعتقد أنّ العمل النسوي يقفز على الواقع، ولا يعتمد المرحلية؛ والدليل على ذلك أنّ التيارات المغاربية (تونس، الجزائر والمغرب) تعمل منذ سنوات من أجل تطوير المنظومة التشريعية حتى تكون محقّقة للمساواة في مجال العقوبات وغيرها من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، كالتصدي للعنف ضد النساء والاغتصاب، والأجر غير المتساوي، والحقّ في الصحّة… ولكن إلى الآن القوانين لازالت تميّز بين الجنسين مما يثبت طول نفس الحركات واعتمادها التدرج والمرحلية، ولا أظن أن هذه المطالب متطرّفة، وتقابل بتطرف الرجعيين. والطرح -في تقديري- يستوجب الصراحة؛ إمّا أن نؤمن بحقوق الجنسين على حد سواء، ونعمل من أجل تنميتها، أو لا نؤمن بمنظومة الحقوق، ومعنى هذا أنّ المعترضين يبحثون عن حجج واهية، ولا يجدون الشجاعة المطلوبة للتعبير عن أسباب تمسكهم بنظرة دونية إلى المرأة، ورفضهم معاملة المرأة معاملة الكائن البشري المثيل.

كيف تفسرين حالات التحرش التي بدأت تتصاعد بشكل ملفت في دول الربيع العربي؟

لا يمكن أن نتغاضى عن حقيقة مفادها أنّ التحرّش سلوك يشمل النساء والرجال، الكهول والأطفال، ولكن دائمًا يقع التركيز على النساء لارتباط ذلك بقيم رمزية الشرف، العار… من جهة، ولتضخمّ العدد، من جهة أخرى، كما أنّني أذهب إلى وجود حرج في الحديث عن اغتصاب الرجال؛ لأنّه يعري المجتمع، ويؤكد وجود ذكوريات مسحوقة يتسلّط عليها أصحاب الذكورة المهيمنة فيعاملونها معاملة النساء “الضعيفات ” الضحيات المكسورات الجناح… ولكن تحوّل التحرّش الجماعي إلى ظاهرة هو ملفت للانتباه بعد ثورات الكرامة والحرية… وله صيغ مختلفة: التحرّش من أجل تأديب النساء، ومنعهن من المشاركة في الاحتجاجات، بمعنى هو وسيلة ذات بعد سياسي، وهنا لا نفرّق بين التيارات الليبرالية أو اليسارية أو الإسلامية، فقد اعتمدت كلّها هذه الوسيلة موظفة أصحاب السوابق من المجرمين في تصفية حسابات سياسية، ونحن نعلم أنّ الاغتصاب يتجاوز النساء، إنّه تصفية حساب ذكورية بالأساس تمرّ على أجساد النساء، ومعاناتهن.

أمّا التحرش المرتبط بالأيديولوجيا الذكورية فهو ردّ فعل على بروز أدوار جديدة للنساء تُشعر بعضهم بالحرج والإحباط والخوف من فقدان الامتيازات، وهنا لابد من الإقرار بوجود أزمة ذكورية حادّة تمرّ بها هذه الجماعات المحبطة والمهمّشة التي فقدت احترام الذات، والثقة في النفس، وفي إمكانية تغيير أوضاعها، وهي تعتقد أنّ المخرج يكمن في التشفّي من النساء لأنّهن يتفوقّن في الدراسة، ولهن حظّ أكبر في العثور على عمل… ولا يمكن أن نخفي أنّ الظروف الاقتصادية والاجتماعية جعلت المكبوتين ينفجرون معبّرين عن معاناتهم بطرق مختلفة: الإرهاب، السرقة، المخدرات،…

هناك من يعزو سبب انتشار التحرش الجنسي والاغتصاب إلى حالة الكبت والحرمان والفصل بين الجنسين، لتفسير واقعها في العالم العربي، لكن الطرف الآخر المحافظ سوف يجد له حجة لرد هذا الكلام من خلال أرقام التحرش المعترف بها في العالم الغربي “المتحرر”، كيف يمكن حل هذه المجادلة التي لا تنتهي، ولدى كل طرف أدلته وأرقامه وبياناته؟!

التحرّش سلوك مرضي معبّر عن اختلال نفسي، وتربية غير سوية، ولذلك هو موجود في جميع المجتمعات، ولكن بدرجات. ولكن الملفت للانتباه هو أنّه أكثر انتشارًا في البلدان التي تعاني من أزمات متعدّدة: أزمة اقتصادية وأخرى سياسية وأخرى اجتماعية وأخرى فكرية. ولعل ظهور التحرش الجماعي ظاهرة مخبرة عن فشل المؤسسة الأسرية، والمؤسسة التربوية والتعليمية، والمؤسسة الدينية، والمؤسسة الإعلامية، والدولة التي لم تلتزم بالحدّ من هذه الظاهرة. كما أنّ المنظومة الأخلاقية والدينية ما عادت تحصّن الفرد، وتمنعه من الانسياق وراء غرائزه، ولم تتمكّن ثقافة التربية على حقوق الإنسان هي أيضًا على تعويد المرء على احترام غيره، وتهذيب سلوكه وعقلنة مشاعره. وأذهب إلى أنّ الاغتصاب لا يفهم إلاّ في ضوء استشراء جميع أشكال العنف؛ بمعنى أنّ البحث في مختلف أسباب تفشي العنف سيساعدنا على تفكيك هذه المعضلة. أمّا مسألة تبرير الاغتصاب والتحرّش بالاختلاط فإنّه تبرير ما عاد يقنع أحدًا تمامًا مثل الاحتجاج بأنّ الحجاب أو النقاب يحمي المرأة من التحرّش. لقد سقطت كلّ هذه الطروحات. فالذي يجعل الفرد يحترم غيره في الفضاء العامّ هو التنشئة السوية القائمة على احترام الآخر، والالتزام بالتعامل معه وفق مستلزمات العقد الاجتماعي القائم على منظومة قيم العيش معًا وفق الاحترام المتبادل. وإذا علّمنا الأطفال احترام النساء والنظر إليهن على أساس أنّهن كيانات مستقلّة لها حقوق تتساوى مع حقوق الرجال، وغيّرنا برامجنا التعليمية لنخلّصها من الأقوال المأثورة، والأمثال والأحكام المسبقة، والصورة المنمطة التي تتحامل على النساء؛ سنتمكّن من معالجة التحرّش وغيره من الممارسات، خاصة إذا أنجز هذه الإصلاحات أناس يؤمنون بالفعل بهذه الثقافة المساواتية.

لماذا تبدو الحركة النسوية في العالم العربي تائهة مشتتة بلا هوية أو جهود.. أو وجود واضح؟

ليست هناك حركة نسوية بالمفهوم العلمي الدقيق الذي يمكّن من التعمّق في دراستها مثلما هو الشأن بالنسبة إلى الحركات النسوية في الغرب التي خضعت لمراجعات تناولت الموجة الأولى فالثانية فالثالثة، ودرست آفاق ما بعد النسوية. وإنما هناك في العالم العربي تيارات، وهي لا تمثّل كتلة منسجمة ومتآلفة، كل ما هناك هو فكر نسوي تتبنّاه جماعة من النساء بطريقة فردية، أو أحيانًا تشتغل بعض الجمعيات وفق أسسه. وبناء على ذلك لا يمكن الحديث عن هوية حركة أو جهود ملموسة، غاية ما في الأمر أنّ الفكر النسوي متحرّك بين مدّ وجزر، ويشهد -في اعتقادي- عملية إحياء بعد الثورات العربية نتيجة التراجع والعنف المسلّط على النساء بما يدفعهن إلى مزيد البحث عن آليات للمقاومة، ومنها الآليات التي تنتجها الفلسفة النسوية المعولمة.

هناك بعض المثقفين يرى بأن الحل الأنجع مع شعوب عاطفية متدينة، يكون من داخل الثقافة الدينية نفسها، عبر دعم وتقديم نماذج وقيادات إسلامية معتدلة هي من تقود التغيير.. ما رأيك؟

هذا طرح يعتبر أنّه لابدّ من الرجوع إلى الوراء: إلى التراث وإلى النماذج القيادية التقليدية وتكون الحلول دائمًا في الركون إلى ما أنجزه القدامى، وكأنه ليس بالإمكان إبداع أحسن ممّا أنجزه السلف، وفي تقديري في بلدان تسيطر فيها العاطفة على السياسة، على الثقافة، على الدين، لا بدّ من إرساء العقلنة بإيلاء الفكر الفلسفي كلّ ما يستحقه. نحن بحاجة إلى تثوير مناهجنا التعليمية، وأدوات تفكيك النصوص، وتحليل المعطيات. نحن بحاجة إلى الإبداع إلى إبراز مدى قدرتنا على مفارقة وضع الاتكال والاستهلاك إلى الإنتاج. فالأجيال الجديدة نشأت في ظل العولمة وما عادت تتأثر -في الغالب- بما يقدّم لها من معرفة تحنّطت منذ قرون، وما عادت قادرة على تقديم إجابات مقنعة عن أسئلة العصر: ما الذي يجعل “المسلمين” يبلغون هذا الحدّ من التوحّش في سوريا والعراق…؟! لماذا يستمتع هؤلاء بالذبح والصلب والرجم والتنكيل بالعباد والتمثيل بالجثث…؟!

تتبعتِ كثيرًا المواقف التراثية في الفكر العربي والإسلامي تجاه تشكيل المواقف تجاه المرأة .. هل تحمِّلين الماضي أوزار الحاضر؟.. كيف يمكن الخروج من أزمة راهنة بجذورها الثقافية المتراكمة دون أن نفقد هويتنا؟!

بطبيعة الحال البنى الذهنية لا تتطور بسرعة، وإنّما تظل فاعلة على امتداد قرون لاسيما إذا كانت تحقّق مصالح المجتمعات التسلطية، وما نراه اليوم من محاولات تبرير تستند إلى التراث يجعلنا ننتبه إلى أنّه لا مجال للتعالي عن الواقع. هناك علاقة -في الغالب- مرضية بالماضي، نقدّسه، ونرفض مراجعته، وإزاحة الحجب عنه. ونحن إزاء معضلة تفضح رؤيتنا للزمن، فنحن نعيش الماضي في الحاضر، ولا نستطيع أن نفكّر باتجاه المستقبل، وبالإضافة إلى ذلك لم نستطع أن نتصالح مع منظومة الزمن. فالبعض يفضّل العيش في زمن افتراضيّ ينقطع عن حاضره، والبعض الآخر يتصوّر أنّه يعيش وفق منظومة عاشها السلف… ويمكن القول إنّنا لم نقطع وصلة الأسر بالماضي، لم نبلغ الرشد، نظلّ نتعلَّق بتمثلات عن الماضي تعلّق الفطيم بأمِّه، ذاك الذي يهاب مواجهة المستقبل الذي يُطالبه بأن يكون راشدًا ومستقلاً ومسؤولاً.. وطالما أنّنا لم نواجه هذه الحقائق فإنّ مواقفنا تجاه قضايا متعدِّدة تبقى مرتهنة.

Previous ArticleNext Article
عبدالله الرشيد
أكاديمي وإعلامي سعودي. Rsheed5@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.