الصَّواف.. عندما يكون عالم الدِّين حزبيا! - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

أحوال

الصَّواف.. عندما يكون عالم الدِّين حزبيا!

محمد محمود الصواف
محمد محمود الصواف
محمد محمود الصواف

ما ظل راسخا في ذاكرتنا أن عالم الدِّين أبٌ للجميع، ويُقابل السيئة بالحسنة، ولا تأخذه العواطف بعيدا عن مهمته في تحبيب الدِّين للناس، وذلك بتعاليه على الصغائر، وكأني أسمع أبا الطَّيب (اغتيل 354هـ) ينشد: «وَتَعْظُمُ في عَينِ الصّغيرِ صغارُها.. وَتَصْغُرُ في عَين العَظيمِ العَظائِمُ».
ما زلتُ أنظر إلى عالم الدِّين بهذا الشعور، فالدِّين ثبات وديمومة والسِّياسة متغير وزوال، مِن طبيعتها أنها في كلِّ آن بشأن، وهذا ليس إنقاصا مِن أهلها، إنما هذه هي طبيعة السياسة. سنأتي بنموذج من نماذج الإسلام السياسي، مِن كبار شيوخه، وكيف أنه تعامل بروح الحزبي الخصم لا بروح عالم الدِّين الأب، وكيف إذا كان الذين تعامل معهم أبناء وطنه وهم وهو أمسوا خارج الوطن.. بمعنى أن مهمته تتضاعف في تقديم المساعدة لهم، وفي هذه الحالة سيدفعهم تصرفه إلى النَّظر إلى الدِّين مِن خلاله إيجابا أو سلبا.

إن عالم الدِّين الذي أقصده معروفٌ بدوره في حركة الإخوان المسلمين، وقد بايع شخصيا مؤسس ومرشد الإخوان الشيَّخ حسن البنا (اغتيل 1949)، إنه محمد محمود الصواف (ت 1992)، الذي عاد إلى العراق بعد البيعة والانضمام إلى الإخوان، وعمل مدرسا في كلية الشَّريعة بالأعظمية، وعُين مفتشا عاما للمعابد. وأصدر العام 1954 مجلة «الأخوة الإسلامية»، وبعد يوليو (تموز) 1958 منح امتيازا لإصدار «صدى الأخوة الإسلامية». ترك العراق 1960، بعد تولي مسؤولية المراقب العام للإخوان المسلمين العراقيين، ثم اختلف معه أتباعه، ولم يخرج مِن «الإخوان» ككلٍّ، ولو عاش إلى هذه اللحظة لربَّما احتل زعامة التَّنظيم الدولي الإخواني.

بعد العِراق هاجر إلى الحجاز، وعمل مدرسا في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بالمدينة المنورة، ومستشارا في وزارة المعارف بالمملكة العربية السعودية. ذهب إلى أفغانستان وارتدى اللباس الأفغاني مع المجاهدين، حسب ما ظهر في الصور خطيبا، وتوفي في صالة مطار إسطنبول خلال عودته إلى المملكة العربية السعودية (السَّامرائي، تاريخ علماء بغداد).

كنا نسمع بالعراق عن قضية الأساتذة الذين عملوا في جامعة الملك سعود بالرِّياض (1963 وما بعدها)، وهم مِن كبار الأساتذة العراقيين، وكنا نسمع أيضا عن الدَّور الإيجابي لوزارة المعارف معهم، وهو أمر شائع بيننا، لكن لم أكن أتوثق منه إلا بعد أن أخبرني الأديب والأكاديمي العراقي عبد الإله أحمد (ت 2007)، في لقاء معه بأربيل (أبريل/ نيسان، 2006)، وهو من الذين عاشوا تلك الفترة وأسهموا في أحداثها، وعندها ربطتُّ قصة محاولة الاستغناء عن خدماتهم بتمسك المعارف السُّعودية بهم.

قصة ذلك: أن الشَّيخ الصَّواف كان وراء الوشاية بالأكاديميين العراقيين المذكورين، على خلفية الموقف السِّياسي منهم أوان 1959. وكانوا قد وصلوا إلى الرِّياض متعاقدين مع جامعتها بعد انقلاب 8 فبراير (شباط) 1963 القومي – البعثي، وصدور قرار بطردهم من الجامعة وعشرات مِن خيرة علماء العراق، نَفذه فيهم زميلهم رئيس الجامعة آنذاك واحتفظ بصورة طبق الأصل منه.

وهم: اللغوي محمد مهدي المخزومي (ت 1993)، صاحب «مدرسة الكوفة ومنهجها في دراسة اللغة والنحو» و«الخليل بن أحمد الفراهيدي». وكبير النُّقاد علي جواد الطاهر (ت 1996) صاحب «الشعر العربي في العصر السلجوقي»، وثلاثين كتابا آخر في شتى مجالات الأدب. والأديب باقر سماكة (ت 1994)، صاحب «التجديد في الأدب الأندلسي». والفنان والأكاديمي خالد الجادر (ت 1988) صاحب «التصوير العراقي في القرون الإسلامية الوسطى» ومؤسس أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد. وعالم النفس نوري جعفر، الذي تغرب إلى ليبيا وقُتل هناك في حادث مؤسف (1991). وآخرون لا تحضرني أسماؤهم. ولما طالبت بهم الحكومة العراقية بحجة أنهم مطلوبون لها سياسيا لم تستغن المعارف السعودية عنهم.

كان جواب وزير المعارف السعودي آنذاك الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ، وكان على مستوى مِن الموضوعية والتَّواضع: «هل لديكم آخرون من هؤلاء؟!». أكد لي قضية تورط الصواف في مثل هذا العمل أكاديمي سعودي كان يكن احتراما وتقديرا للناقد علي جواد الطَّاهر، الذي ترك في مكتبة جامعة الملك سعود كتابا ألفه ليكون مرجعا لطلاب الجامعة «معجم المطبوعات العربية في المملكة العربية السُّعودية» (1417 هـ) ثلاثة مجلدات.

قال «إن الشَّيخ الصَّواف ألح كثيرا على وزير المعارف، بخصوص طرد هؤلاء العلماء، وبعد أن تيقن الوزير من أن هؤلاء نوابغ في تخصصاتهم، وليس لهم تدخل في السياسة، وليسوا متظاهرين بأي انتماء حزبي أو فكري أو سياسي على العموم، ولبلاده فائدة جمة من وجودهم، فإنه لم يأخذ إلحاح الصواف بنظر الاعتبار وأهمله.. وصور المخزومي والطاهر ما زالت معلقة على لوحة الشرف بالجامعة المذكورة»، وبالفعل ذهبتُ إلى هناك ورأيتها بعيني. بعدها سمعتها برواية الدكتور نوري جعفر، وأن الصَّواف لم يترك الأمر إنما أوصله إلى الديوان الملكي، على اعتبار أنه كان مستشارا، والتقى الملك فيصل بن عبد العزيز بالأساتذة، وأظهر لهم الترحيب، ولم يفتح معهم الموضوع، وظلوا يمارسون التَّدريس حتى فسح لهم المجال ببلادهم وعادوا إلى العِراق.

لا نكتب هذا للتشهير، فالشيخ والعلماء رحلوا جميعا، بل عِبرة لمَن اعتبر، فلو لم يكن الشَّيخ الصَّواف إخوانيا سياسيا لنظرها مِن زاوية أرحب، يلعب فيها دور الأب، لا دور النّد. رحم الله الجميع، وفي المقدمة حسن آل الشَّيخ لموقفه النَّبيل هذا.

Previous ArticleNext Article
رشيد الخيّون
باحث عراقي متخصص في الفلسفة الإسلامية. من كتبه "100 عام من الإسلام السياسي بالعراق".

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.