مركز الحوار.. ملتقى ديانات الأرض ومذاهبها - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

أحوال

مركز الحوار.. ملتقى ديانات الأرض ومذاهبها

الإيزيديون محاولة البقاء على قيد الحياة بعيداً عن داعش
الإيزيديون و محاولة البقاء على قيد الحياة بعيداً عن داعش
الإيزيديون و محاولة البقاء على قيد الحياة بعيداً عن داعش

التقى زعماء الديانات والمؤثرون فيها بالعاصمة النَّمساوية فيينا، بدعوة من مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز للحوار بين الأديان، تعرفهم من ثيابهم وعمائمهم وقلانسهم، فقهاء مسلمين ورهبان مسيحيين وبوذيين وأحبار يهود، على مختلف الطوائف، من البلدان العربية والغربية والآسيوية، حضر السُّنة والشِّيعة والدُّروز، حضر الكرد والعرب، وحضر كهنة البوذيين والهندوس. وتستطيع مِن خلال اختلاف العمائم والثياب أن تتأكد أن وجهاء أغلب الأديان والمذاهب قد حضروا وتحاوروا واتفقوا على أن العنف ليس من رسائل الأديان وكتبها، وأن ما يحدث من تطرف وغلو وقَتل وتهجير لم يكن مسؤولية ديانة بذاتها، مثلما حدث في الماضي البعيد وتبنت جماعات عديدة الإرهاب بالبلدان الأوروبية والآسيوية وغيرها، واتضح أنها ليست من الدين بشيء، وهذا ما ينطبق في الوقت الحاضر على ما تفعله الجماعات الإرهابية، وما قدمه الإسلام السياسي من نماذج العنف وتوظيف الدين لأغراض حزبية ضيقة.

حضرتُ ندوات مركز الحوار، ليومين كاملين، والتقيتُ بمختلف رؤساء الطوائف والأديان، والسؤال الأول الذي طرحوه وأجابوا عليه: ما هو مستوى التعاطف بينهم ضد العنف، وفي سبيل حياة أفضل للإنسان، فالكلُّ أجمعوا على أن الدِّين جاء مِن أجل الإنسانية، وكلما يبقى الدين بعيدا عن السياسة المباشرة والحزبية الضيقة استطاع أن يلبي حاجة الإنسان الروحية، ويخفف مِن الاحتقان بسبب شدة الأزمات، لكنه كلما نفذت إليه السياسة صار مشكلة، وهنا يحول دون تأثيره على الضمير كأخلاق تعايش أساسها التوادد والمحبة.

كان موضوع ملتقى مركز الحوار لهذا العام، والذي عُقد في 18-19 نوفمبر (تشرين الثَّاني)، هو مأساة النازحين العراقيين والسُّوريين عن ديارهم، وعيشهم في مخيمات بحاجة إلى دعم ورعاية دوليين. فأولئك مِن مسيحيي العراق ومسلميه ومِن الإيزيديين، حتى اتضح أن جماعة داعش قامت ببيع النِّساء كجوارٍ، وعلى وجه الخصوص الإيزيديات، لكن مقابل ذلك كشف المتحدثون في المؤتمر أن أحد الميسورين المسلمين قد تقدم لفك أسر عدد من النسوة بما طلبته جماعة داعش ليعيدهنَّ إلى أهليهنَّ، وبالفعل حصل ذلك. لا يبدو هذا الموقف غريبا على المنطقة، ومِن قديم الزَّمان، فمَن يقرأ قصة جد الشَّاعر المعروف الفرزدق (ت 110 هـ)، كيف كان يشتري المراد وأدهنَّ لينقذ حياتهنَّ. والوأد، مثلما اشتهر، عادة مورست قبل الإسلام بين بعض القبائل، ووقف ضدها الإسلام بحزم، فالآية تقول: «وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَي ذَنْبٍ قُتِلَتْ»(8-9 التكوير). أقول هذا لأن هناك مَن ربط بين الممارستين، مع العجب مِن عدم الاتعاظ بالزمن، فكم مرَّت مِن مئات السنين، وكم مِن أجيال ولدت وهلكت، لتعود بنا «داعش» وأخواتها إلى الماضي البعيد، وكأن الزمن لا حراك فيه؟
وأنا أراقب وصايا المركز للمتحاورين، تذكرت ما قرأته عن مجالس المناظرات في زمن الخليفة عبد الله المأمون (ت 218 هـ)، فقد فرض على المتحاورين، وهم مِن مختلف الديانات والمذاهب، من المسلمين والمسيحيين واليهود إلى المانوية وغيرها، ألا يُرفع صوت المتحاور على مقابله، ولا يُظهر الفرح في انقطاعه أو انتصاره عليه، ولا يضرب على فخذه أو يُصفق بيده، إلى غير ذلك مما لا يتوافق مع روح الحوار، وهذا عُلق أمام المتحاورين في مركز الحوار، مثل: التركيز على الفكرة لا على الشخص، ولا يشار إلى ديانة أو مذهب بسوء، وأن يُكبت الغضب، مع الالتزام بالموضوعية، وعرض الأفكار بوضوح، والبعد عن الأحكام تجاه الآخرين، وعن التعصب. وخلاصة هذه الوصايا للمتحاورين وردت في العبارة الآتية: «لا يهزم العنف والتَّطرف إلا الحوار». عُلقت هذه الوصايا أمام المتحاورين، ووزعت على ورشات العمل أيضا.

لقد تحدث المسيحيون والإيزيديون عن مأساتهم بعد اجتياح الموصل، بحرية متناهية وبوضوح، فتضامن معهم المتحدثون كافة، وتوصلوا إلى أن إزالة غير المسلمين مِن مناطقهم، وهم الأصلاء، لا يقبله الإسلام ولا أي دين آخر، لذا جرى الحديث عن متابعة كيفية التخفيف عن النَّازحين وإعادتهم إلى ديارهم، وقد قدمت التجارب والخبرات في هذا المجال، للاستفادة منها، ومعلوم أن مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز تشترك فيه نحو 25 دولة بمختلف أديانها ومذاهبها.

اتفق المتحاورون على عدة نقاط مفصلية ضد العنف والتعصب الديني والمذهبي، ومنها:
الالتزام باعتماد أسلوب الحوار في حل النزاعات والخلافات كنهج أساسي في بناء السلم الأهلي وتعزيز المواطنة.
إعلان التضامن مع جميع المظلومين وخصوصا النازحين المشردين من بيوتهم وأوطانهم.

رفض استغلال الدين في الصراعات السياسية واستعمال رموزه من قبل المتطرفين كوسيلة للتفرقة.
التشديد على تجارب العيش المشترك الإسلامي المسيحي، مع التمسك بالأمل وعدم الوقوع في اليأس أو التوقف عن السَّعي مِن أجل السَّلام.
إن وجود مثل هذا الحوار، ولقاء القيادات والزعامات الدينية، بتراثهم المتنوع، يمثل واجهة ضد العنف، واعتماده في حل النزاعات والاختلافات. سمعتُ آراء مختلفة وموحدة، تأكد لي أن البشر مهما اختلفوا في الطريق إلى الله، في دياناتهم أو مذاهبهم، يجمعهم هدف إعمار هذه الأرض، وهذا لا يتحقق إلا بالسَّلام، والسَّلام لا يتحقق إلا عبر الحوار.

Previous ArticleNext Article
رشيد الخيّون
باحث عراقي متخصص في الفلسفة الإسلامية. من كتبه "100 عام من الإسلام السياسي بالعراق".

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.