خادم الحرمين في المشهد الثقافي السعودي والعربي - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

ثقافة

خادم الحرمين في المشهد الثقافي السعودي والعربي

خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز
خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز
خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز

كان الملك المؤسس عبد العزيز (15 يناير/ كانون الثاني 1876 – 9 نوفمبر/ تشرين الثاني 1953) ضليعا جدا بتاريخ الجزيرة العربية، عارفا بأحوالها وعارفا خارطتها الاجتماعية والسياسية، وكانت خبرته الواسعة في أحوال القبائل والجغرافيا السياسية لهذه المنطقة، سبيله لخوض معركة التوحيد بكل مهارة واقتدار. وفيما بعد أصبحت هذه الخبرة رصيده المكين في التعامل مع فسيفسائها القبلية بكثير من الحكمة والمهارة.

وأصبح الملك عبد العزيز المصدر الرئيسي للكثير من الأحداث المتسارعة التي شهدتها البلاد منذ عودته من انهيار الدولة السعودية الثانية، ومغادرة أسرته إلى الكويت ثم عودته منها وفتح الرياض، وحروبه العديدة لإخضاع أجزاء الجزيرة العربية، ونقل عنه المؤرخون سرده لأحداث الحروب والمعارك بشكل تفصيلي يستحضر فيها أسماء الأشخاص وألقابهم وصفاتهم.

وضع الملك سلمان بصمة واضحة في المشهد الثقافي السعودي والعربي، ليس من خلال بنائه واحتضانه للصروح الثقافية والأدبية والتاريخية الكبرى، ولكن أيضا باحتضانه تطلعات مواطنيه واستيعاب همومهم وفتح الباب للتحاور معهم

بالنسبة للملك سلمان فهو الآخر يمثل مرجعا مهما وموثوقا لتاريخ شبه الجزيرة العربية، والسعودية على نحو الخصوص، وهو مرجع في أنساب القبائل، وكما أنه قارئ نهم للتاريخ، هو أيضا متابع للدراسات والتحقيقات، ويذكر زين العابدين الركابي، في كتابه: «سلمان بن عبد العزيز.. الجانب الآخر»، (من إصدارات العبيكان)، أن الملك سلمان بن عبد العزيز ورث عن أبيه «حظا موفورا من الخصائص والمواهب، كالذكاء المتوقد وسرعة البديهة، وقوة الإيمان، وقوة الذاكرة التي لا غنى عنها لكل قائد ناجح». «ومن الخصائص المشتركة المهمة أيضا، ذلك الشغف المعرفي والنزوع إلى تحقيق تنوع ثقافي متعدد المصادر، فهو يقرأ في الدين والتاريخ والسياسة والاقتصاد وعلم الأنساب والاجتماع»، كما أنه «صديق صدوق للكتاب (…) ولعل مكتبته المنزلية خير شاهد على مستوى اهتمامه بالجانب الثقافي إذ تحتوي رفوفها على ما يزيد على 60 ألف مجلد تغطي 18 ألف عنوان متنوع يشمل مختلف حقول المعرفة وميادين الثقافة».

خير شاهد على اهتمام الملك سلمان بالجانب الثقافي مكتبته التي تحتوي رفوفها على ما يزيد على 60 ألف مجلد تغطي 18 ألف عنوان متنوع يشمل مختلف حقول المعرفة وميادين الثقافة

اهتمامه بسرد الأحداث التاريخية، جعل خطابات الملك سلمان طوال فترة تسلمه إمارة الرياض (1954- 2011) حافلة بسرد الأحداث التاريخية التي شهدها، أو تلك التي رويت له وتحقق منها، فمثلا محاضرته التي ألقاها في جامعة أم القرى ونشرتها «الدارة» في إصدار خاص، روى مجموعة من القصص منها، ما قاله: «كان الملك عبد العزيز لم يقبل أن يطلق عليه لقب (الإمام) في حياة والده، تأدبا، وتوقيرا له. وكان يلقب بالسلطان ثم الملك إلى أن توفي الإمام عبد الرحمن سنة 1346هـ، وأصبح عبد العزيز يلقب بالإمام بعد ذلك إلى جانب كونه ملكا».
يروي كذلك، علاقة الملك المؤسس بشقيقته الكبرى «نورة» التي شاركته شقاء الاغتراب وصعوبة الحياة وعسر الحال كما كانت تشحذ همته وعزيمته لاسترداد بلاده. يقول الملك سلمان، عن والده الملك عبد العزيز «كان يزورها يوميا – رحمهما الله – ويستشيرها في مشكلات القصر الداخلية، وهي مَودع أسراره فلا ينقطع عن صلتها إلا بسفر أو لظرف طارئ، ومن شدة حبه لها ووفائه لها وتقديره لشخصيتها كان – رحمه الله – يعتز بها فيقول: أنا أخو نورة».

مرجع للتاريخ

وهو لا يتوانى في ردّ الشبهات بأسلوب علمي رصين، فمثلا؛ حين ذكرت إحدى القنوات التلفزيونية العربية من خلال برنامج كانت تبثه في أبريل (نيسان) 2008 معلومات رآها الملك سلمان مغلوطة، وتتعلق بنسب آل سعود، بعث برسالة صيغت بعناية ودقة تحتوي على سيل هائل من المعلومات الموثقة عن نسب آل سعود، كما صححت معلومات رآها خاطئة بشأن اعتماد الدولة السعودية في قيامها على السيف، والعصبية القبلية.
في تلك الرسالة، «الوثيقة»، حرص الملك سلمان أن يمهرها بتوقيع يحمل صفة المثقف، وليس الأمير المسؤول والقيادي في الدولة، فوقعها بصفته رئيس مجلس إدارة دارة الملك عبد العزيز.

الملك سلمان بن عبد العزيز يلقي خطابا بعد حصوله على الدكتوراه الفخرية في القانون من جامعة (واسيدا) إحدى أعرق الجامعات اليابانية، تقديراً لاسهاماته البارزة في المملكة والعالم – فبراير 2014(غيتي)
الملك سلمان بن عبد العزيز يلقي خطابا بعد حصوله على الدكتوراه الفخرية في القانون من جامعة (واسيدا) إحدى أعرق الجامعات اليابانية، تقديراً لاسهاماته البارزة في المملكة والعالم – فبراير 2014(غيتي)

في تلك الرسالة أثبت الملك سلمان قراءته العميقة للتاريخ واطلاعه على مختلف المصادر العالمية، فقد أورد ما كتبه المؤرخ الفرنسي مانجان في كتابه «تاريخ مصر في عهد محمد علي»، عام 1239هـ/1823م، إثر سقوط الدرعية، معربا عن توقعه عودة قيام الدولة السعودية قائلا: «ولكن ذلك البلد.. يضم في جنباته بذور الحرية والاستقلال، فما زالت المبادئ الدينية نفسها موجودة، وقد ظهرت منها بعض البوادر، ومع أن أسرة آل سعود قد تفرقت، ومع أن الفوضى تعم بين الزعماء، فما زال هناك أسّ خصب يمكن للزمن والأحداث أن تجعله يتفتح من جديد».

غالبا ما كان يبادر خادم الحرمين بالدخول في حوارات عميقة وذات دلالة مع العديد من رجال الفكر والثقافة والإعلام

علمه في الأنساب جعل الملك سلمان يكتب قائلا: «تناول بعضهم – في البرنامج – مسألة دهام بن دواس ونسبته إلى قبائل أخرى مثل مطير وعنزة بينما ذكر الشيخ حمد الجاسر أن دهام بن دواس من آل شعلان من الجلاليل من بني حنيفة وأيده الشيخ عبد الله البسام استنادا إلى ما ورد لدى عدد من نساب نجد».

هو يقول كذلك موضحا: «تناول المتحدثون نسب أسرة آل سعود، وهناك من قال إنهم من تميم وذلك غير صحيح والذي يجمعهم مع تميم أنهم من نزار بن معد بن عدنان. وناقش بعضهم أن آل سعود من عنزة، ولاحظت أن هناك فهما خاطئا حيال تحقيق نسب الأسرة، وأن القصد هو نفي نسبتها إلى عنزة أو التشكيك في وائلية عنزة، وهذا غير صحيح. فآل سعود وفقا للمصادر المحققة هم في الأصل من المردة من بني حنيفة من بكر بن وائل، وجدهم هو جديلة بن أسد أخو عنزة بن أسد الذي يجمعهم جد واحد هو ربيعة، وبذلك فإن عنزة هم أبناء عمومتهم».
ويكشف الملك سلمان في ختام الرسالة، جانبا مهما من شخصيته على الصعيد الثقافي، فهو ينسب جانبا مما ذكره من معلومات إلى دراسة أعدتها دارة الملك عبد العزيز حول نسب أسرة آل سعود، ويقول عنها: «هي دراسة يشترك فيها مجموعة من الباحثين المختصين بالأنساب، الذين اجتمعت بهم وناقشتهم شخصيا، وستوضح هذه الدراسة تحت إشرافي جميع الآراء ومصادرها من المنظور العلمي، وذلك بهدف التوثيق».

في الصحافة: عين الرقيب «الناعم» وقلب الناقد الخبير

على الصعيد الصحافي، يعرف الصحافيون العرب الملك سلمان، خلال فترة إمارته للرياض، فقد فتح الباب على مصراعيه لرجال الصحافة والإعلام، وجعل مجلسه مكانا يلتقون فيه، وخلال كل هذه اللقاءات كان يفتح الباب للنقاش والحوار في قضايا تمس المنطقة برمتها. لكن جميع الذين التقوه خرجوا بانطباع أنهم أمام رجل يتابع باهتمام وحرص أغلب ما ينشر في وسائل الإعلام، ولديه نظرة ثاقبة وبصيرة بما وراء السطور، وهو لا يتردد مطلقا في محاورة أو مناقشة أو الرد على الآراء التي يرى أنها خالفت المنطق أو قدمت معلومة لا يراها صحيحة.
هنا يبرز جانب آخر من سيرة الملك سلمان، فبمقدار صلته بالإعلام وما ينشر لم يكن يمارس دور «الرقيب» بالمفهوم السائد، فهو لا يتدخل لمنع أو حجب أو الحجر على الرأي المخالف، لكن أي معلومة تمس تاريخ المملكة، أو تتناول الرياض التي بناها وعرف تفاصيلها، لن تفوته، كما أن أي كاتب يجد أنه يستثير نعرات أو يحرض على العصبية سيجد أمامه ناقدا بصيرا هو سلمان بن عبد العزيز. هذا حدث فعلا في رده على مقال صحافي في جريدة محلية تحدث بلغة مناطقية لم يرتضها، فكتب ردا نشره باسمه في صفحة الرأي.
هو أيضا صاحب العبارة الشهيرة «أنا رئيس تحرير ما بعد النشر»، وقوله: «أنا أجل وأحترم كل الصحافيين وأكن لهم كل الاحترام وفي الوقت نفسه أشجعهم وألومهم. إذا أحسنوا شجعت وإن اعتقدت أنهم أساءوا لمت».

Previous ArticleNext Article
كاتب سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.