التسامح.. دينيا وفطريا أيضا - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

أحوال

التسامح.. دينيا وفطريا أيضا

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وتواضروس الثاني بابا الكنيسة القبطية الأرثوذكسية
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وتواضروس الثاني بابا الكنيسة القبطية الأرثوذكسية
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وتواضروس الثاني بابا الكنيسة القبطية الأرثوذكسية

عندما يُحَن إلى الماضي، القريب أو البعيد، بما أشعر به ويُشعر غيري، فقل: إن الحاضر فيه مِن البؤس ما يكفي تمني الرُّجوع بالزَّمن إلى الخوالي مِن الأيام. معنى هذا ليس لدينا ما يُعتشى به كي نتذكر الماضي لوقته لا نتمناه أن يكون البديل. فمِن المعلوم أن الزَّمن يجري إلى الأمام، لكنه كثيرا ما يتقهقر إلى الوراء وبقوة. صحيح أنه يُنقل عن البابليين القدماء أن الماضي لديهم بمثابة المستقبل، لكن ليس لدي تفسير لما قرأته في ذلك التاريخ غير أنهم حريصون على ما شيدوه مِن حضارة، إلى درجة فُهم أنهم حلوا الماضي محل المستقبل، وهذا تبريرٌ مني لا أكثر.

كنت مضطرا لهذه المقدمة، كي لا يستغرب القارئ مِن استعانتي بالماضي لحث شباب هذا الوقت على تقبل الآخر، والتشجيع على العيش بإنسانية خالية، إلى حدٍّ ما، مِن التمايز الديني والمذهبي، وهذا لا يتحقق إلا عن طريق الاعتراف بالآخر، والتعامل على أساس الأخوة في الإنسانية «لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِي دِينِ». نقول هذا لأن هناك في ماضينا البعيد مِن ميز الأخوة على أساس الإنسانية، قبل أن تعلن «وثيقة لندن الجماعية (1783م)» في قضية تحرير العبيد، أو تحريم الاتجار بالأفارقة السُّود بأوروبا، والتي عُرفت بـ«قضية رفاقنا في الخليقة: الأفارقة المقموعين» (ديلبيانو، العبودية في العصر الحديث).

قبل صدور هذه الوثيقة بنحو ألف عام ويزيد نجد الخليفة الرَّاشدي الرَّابع علي بن أبي طالب (اغتيل 40هـ)، أوردها في كتابه أو وصيته لابن الأشتر (اغتيل 37هـ)، عندما بعث به واليا على مصر، وعلى الأرجح كتبها إما بالكوفة أو بصفين، حيث المعركة الشهيرة في التاريخ الإسلامي، قال يوصيه بالمصريين بلا تحديد، سيدهم وعبدهم قويهم وضعيفهم: «فإنِّهم صنفان: إما أخ لك في الدِّين وإما نظير لك في الخلق» (نهج البلاغة، شرح محمد عبده).
كانت التغريدة التي ذكرت فيها حكاية والدتي مع جيراننا الصابئة المندائيين، وهم سكان المنطقة القدماء أيضا، عندما كانت ترسل بيدي طبقا مِن فطورنا في رمضان إلى جيراننا المذكورين، وكنت على حداثة سني لا أعرف مِن أي دين هم ولا كيفية عبادتهم، فالنَّاس آنذاك لا تسأل هذا السؤال، الكل يعيش على ما يشتهي. لكني تجرأت وسألتها عنهم في يوم مِن الأيام، فردتني وبعدم ارتياح: «دينهم لهم».

وجدت أن هذه التغريدة قد أعاد بثها أكثر مِن 5 آلاف متابع، مِن غير الذين تابعوا بتفضيلها، وهم نحو ألفين، وما زال بثها يتجدد، يختلفون في المستويات الفكرية والاجتماعية، ذكورا وإناثا، ويجمعهم، مِن الأسماء، دين واحد ألا وهو الإسلام، والواضح أنهم متفقون على الفكرة التي جسدتها الآية الكريمة: «لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِي دِينِ».
كانت والدتي وما زالت لا تعرف القراءة والكتابة، مع أنها حاولت كثيرا وحاولنا معها، وهي الآن تخطت الخامسة والثمانين وربُّما أكثر، فليس لدينا ما يؤكد دقة ميلادها، كبقية النَّاس مِن أهل الأرياف، ولا أظنها كانت حافظة الآية عن ظهر قلب، وإذا تليت عليها فليس لديها تلك الحافظة الشَّديدة، فما تحفظ مِن القرآن موجبات الصلاة، وما يرد الشَّر عنها وعن أبنائها، لذا أحيل جوابها إلى الفطرة السَّليمة، وهي الأخرى ليست بمعزل عن قوامة دينية، في حال مِن الأحوال.
ناهيك عن أن أولئك الصَّابئة المندائيين لم يخطئوا في حياتهم تجاه المحيط، ولديهم ملاك اسمه «ششلام ربه» أي ملاك السَّلام، والكل يعرفهم أنهم يعبدون الله جل وعلا بطريقتهم، وحسب لغتهم: «الحي الأزلي» أو «الحي القديم»، يختلفون بعلاقتهم مع الماء الحي في عبادتهم، لذا تجدهم يسكنون، منذ القِدم، على شواطئ الأنهر، ومنطقتنا كانت على حد وصف ابن بطوطة (ت 779هـ) منطقة كثيرة الماء «حتى اشتاقت إلى الظمأ» (الرِّحلة).

لا أقول: إن الماضي كان تسامحا تاما، فهذا لا يصح إلا على أرض ومجتمع مثاليين، كجمهورية أفلاطون أو مدينة الفارابي الفاضلة، والأخيرة متأثرة بالأولى، وكلاهما جاء لضرب المثل والحث على الحصول على السَّعادة. كان ماضينا مملوءا شوائب شتى، لكننا حين ننظر مِن أعلى الجبل لا نرى الشوك والأحراش إلا قطعا خضراء، هكذا عندما يبتعد الزَّمن نتوهم أننا قد خسرناه.

مع ذلك إذا أجرينا مقارنة بين زمننا الذي يتصدره الإسلام السِّياسي، أحزابا ومنظمات، وأوصلنا إلى «داعش» والخلافة التي يدعيها ، ومِن قبلُ طالبان وإمارتها، لا ننظر لأشواك الماضي إلا بمنظر الورود، فإذا كنا نعاني التشدد والتعصب، مِن قِبل أشخاص، فالآن المعاناة مِن جيوش مسلحة، هتكت عذرية تلك الفطرة التسامحيَّة التي كساها الدِّين بمسحة قدسية.

لقد فارقتُ والدتي، ولم ألتق بها إلا بعد نحو 30 عاما، وكلمتها «لهم دينهم» ظلت في الذَّاكرة، ووجدتها ما زالت حيَّة على لسانها، ولكن حمى التعصب وسطوة الإسلام السياسي العابث بالفطرة والدِّين، بعد الثمانينات، من القرن الماضي، لم يترك مسلما يشارك بفطوره مِن أهل دين آخر، إنما لم يُبق لنا جيرانا مِن غير دين أو مذهب. فلكم تصور حنيننا إلى ذلك الماضي، يوم كان الدِّين يسند الوطن.

Previous ArticleNext Article
رشيد الخيّون
باحث عراقي متخصص في الفلسفة الإسلامية. من كتبه "100 عام من الإسلام السياسي بالعراق".

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.