دول وعصابات وجماعات متطرفة قامت بشرعنة الخطف مقابل الفدية - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

قضايا

دول وعصابات وجماعات متطرفة قامت بشرعنة الخطف مقابل الفدية

فتاتان من أقرباء العسكري اللبناني علي العبد الذي قتل على يد مجموعة ارهابية في  سوريا - ديسمبر 2014(غيتي)
فتاتان من أقرباء العسكري اللبناني علي العبد الذي قتل على يد مجموعة ارهابية في سوريا – ديسمبر 2014(غيتي)

كشفت خبيرة في الأمم المتحدة، عن حصيلة ما غنمته جماعة داعش الارهابية في العراق ما بين 35 و45 مليون دولار كفدى مالية اثر خطف رهائن خلال العام الماضي. وقالت يوتسنا لاليي خلال اجتماع للجنة مكافحة الإرهاب التابعة لمجلس الأمن حول عمليات الخطف الإرهابية التي تنفذ للحصول على فدى مالية: إن الجماعات الإرهابية حصلت على فدى مالية تقدر بنحو 120 مليون دولار ما بين 2004 و2012.وأوضحت لاليي، أنه في السنوات الأخيرة جعلت القاعدة والمجموعات الارهابية المنبثقة عنها من عمليات الخطف “الأسلوب الجوهري في الحصول على إيرادات”.

وأشارت إلى تسجيل صوتي لزعيم القاعدة أيمن الظواهري في تشرين الاول 2012 يحرض فيه المتشددين في جميع أنحاء العالم على خطف الغربيين.وبينت لاليي أن تنظيم القاعدة في شبه جزيرة العرب، والذي ينشط في اليمن حصل على 20 مليون دولار كفدى ما بين 2011 و2013، والقاعدة في المغرب والتي تنشط في شمال أفريقيا جنت 75 مليون دولار خلال السنوات الأربع الماضية.أما جماعة بوكو حرام في نيجيريا والشباب في الصومال فقد “جمعتا الملايين من الدولارات خلال السنوات الماضية”.وحصلت جماعة أبو سياف الناشطة في الفلبين على “1.5 مليون دولار” وفقا للخبيرة.

ضحايا (داعش)

قضى آري، البالغ من العمر 15 عاما، 4 أشهر تحت رحمة (داعش) أخطر تنظيم إرهابي في العالم.. نبرة صوته وتردده في اختيار كلماته خلال الحديث، يظهران أنه ما زال أسير فظاعات وأفعال إجرامية.. لم تتح له طفولته إمكانية الحكم على تجربته والتحرر منها بسهولة.
يختصر آري تجربته لـ«المجلة» قائلا: «كنا نقضي اليوم في الصلاة ودروس الفقه الإسلامي، وخضعنا لامتحان بعد انتهاء الدورة الشرعية التي استمرت شهرين، ولكن لم يتم إطلاق سراحنا كما وعدونا، وبقيت لـ4 أشهر إلى أن قالوا لنا يمكنكم الذهاب».

وحول ظروف اختطافهم يقول: «في 29 – 5 – 2014 انتهينا من أداء امتحانات الصف التاسع (شهادة التعليم الأساسي) في مدينة حلب، وفي طريق العودة إلى كوباني (عين العرب)، في المنطقة الواقعة قبل جسر قوزاق (جسر يصل مدينة كوباني بمنبج)، هاجمتنا مجموعة مسلحة من (داعش)، كنا 250 طالبا وطالبة، وبعد ساعات من احتجازنا وسائقي الحافلات، أمروا سائقي حفلات الإناث وعددهن 100 طالبة، بالعودة إلى حلب، في حين اقتادونا الذكور إلى مدينة منبج»، متابعا: «احتجزونا فور وصولنا إلى منبج، كنا نحو 150 طالبا، في مسجد الفتح، وفي اليوم التالي تم اقتيادنا إلى مدرسة في المدينة نفسها، وهناك قضينا الـ4 الأشهر، إلى أن حررونا».
وبعد محاولات جاهدة من «المجلة» في جعل آري يبوح ببعض التفاصيل كشف قائلا: «كان من يقوم بتدريسنا، إضافة إلى السوريين، أردنيين وتونسيين، وكانوا يستخدمون الخراطيم والكابلات الكهربائية في ضربنا خاصة لمن كان ضعيفا في دروس الفقه»، مستدركا: «الضرب والعقاب كانا مركزين في الشهر الأول»، مضيفا: «وكان علينا مشاهدة أفلام تتضمن مشاهد عن هجمات (داعش) على بعض المناطق وقطع الرؤوس والتعذيب وإعدام الأسرى، ومن يرفض المشاهدة كان يعاقب».
ويكشف آري عن «مواساة بعض من المسلحين الدواعش لهم، وتطمينهم بأنه سوف يتم تحريرهم عما قريب، وإخبارهم أنه بمجرد تسليم القوات الكردية أسرى (داعش) سيتم الإفراج عنهم، وأن عدم تحريرهم مسؤولية جماعة (ypg/ قوات الحماية الشعبية)، وكان بعضنا يحصل على زيارات ومكالمات هاتفية مع أهلنا، وقد زارتني أمي مرتين»، مضيفا: «كانوا يضعون لنا أفلاما عن لاعبين في كرة القدم مشهورين أعلنوا مبايعتهم لـ(داعش)».

وحول سؤالنا له عن خوفه في البوح عن المزيد من التفاصيل يختم حديثه لنا: «لم يبقَ شيء أخاف منه».
آري كان من بين 250 طالبا كرديا الذين اختطفهم مسلحو «داعش» في 29 مايو (أيار) من العام الماضي، فرّ نحو 50 من الأولاد أو أُطلِق سراحهم في الفترة بين يونيو (حزيران) وسبتمبر (أيلول)، كما جرى تبادل نحو 15 منهم مقابل مقاتلين من «داعش» تحتجزهم مجموعة وحدات حماية الشعب الكردية، وأطلق «داعش» أواخر سبتمبر 75 من الصبية المتبقين، بمن فيهم آري، وقد أعطوهم 150 ليرة سورية (دولار أميركي واحد) وقرصا مدمجا (دي في دي) يحتوي على مواد دينية.
تركه «داعش» في شوارع منبج ليعود إلى كوباني التي هجرها أهلها بمن فيهم والداه بسبب القتال، ويشق طريقه إلى سروج على الحدود التركية في مخيم للنازحين.

خطف جنائي

سيمون تيدوري، مسيحي (27 عاما) مصفف شعر من مدينة حلب، اختطف من قبل مسلحين تابعين لـ«لواء شهداء بدر» بقي مختطفا لشهرين وحرر مقابل فدية نقدية.
يروي سيمون تجربته المروعة لـ«المجلة»، والتي تبدأ بعد أن يقرر السفر إلى إقليم كردستان العراق للعمل هناك، ويقول سيمون «قصدت (كراج الحجز) في حي بستان القصر، المعبر الذي يفصل بين القسم الشرقي من حلب الخاضع لسيطرة المعارضة المسلحة، والقسم الغربي منها الذي لا يزال خاضعا لسيطرة النظام، ورغم معرفتي المسبقة بخطورته فإنه كان المعبر الوحيد الذي بقي صالحا لانتقال المدنين والمؤدية إلى الطريق السريع حلب – دمشق»، مضيفا: «صعدنا مع أحد السائقين في المعبر، والذي قصد طريقا يحوم حوله الموت، لأنه لا يمكننا الاعتراض أو إظهار استيائنا، وبمجرد وصولنا لدوار الكاستيلو اعترضنا حاجز تابع لـ(لواء شهداء بدر)، (يتبع لخالد حياني)، وكنت سمعت عن تعاملهم مع المدنين وعمليات السلب والابتزاز مقابل السماح بالعبور، وطريق الكاستيلو يعتبر من أهم الطرق التي يستخدمها القادمون من معبر باب الهوى، خصوصا وهو الطريق الأسهل الذي يمر فيه الناس تحاشيا لطريق دوار الليرمون الأخطر، وهذا يجعل الصراع محتدما بين الكتائب والمسلحين والمتطرفين للسيطرة عليه، فمن لا يريد المرور بـ«حاجز الكاستيلو» عليه بالطريق الذي يمر بالقرى والبلدات المحيطة، وهو طويل وشاق».

الأمم المتحدة: الجماعات الارهابية غنمت 120 مليون دولار من خطف الرهائن

ويتابع: «الحاجز كان يدقق بشكل كبير في الهويات التابعة للمناطق الغربية الخاضعة لسيطرة النظام، الفرقان – المحافظة – الشهباء – الموكامبو.. إلخ، وعندما أظهرت بطاقتي الشخصية وعلموا أني مسيحي وأعيش في منطقة تحت سيطرة النظام طلبوا أن أترجل وأقف جانبا، وسمحوا للسائق بالمرور»، مضيفا: «اقتادونا أنا و4 آخرين إلى سجن الحياني، وهو عبارة عن معمل استولى عليه مسلحو لواء بدر، يحتجز فيه من يختطفهم، وكانوا نحو 70 شخصا، بينهم المسيحي والأرمني والكردي، وأيضا من السنة، وهناك كان يحقق معهم، إضافة إلى التعذيب»، مشيرا إلى أنه «يعرض لمختلف أساليب التعذيب الوحشية، الكرسي الكهربائي وبساط الريح (دولاب الهوا) والرافعات»، مضيفا أن «غالبية الخاطفين كانوا من الأرياف من حيان وحريتان وأتارب، وهم في الأصل قطاع طرق ولا يعرفون طبيعة حتى المجتمع الحلبي، هم يظنون أن كل مسيحي ثري، وأن كل من يقطن في منطقة الفيلات هو من الأغنياء».
ويكشف سيمون عن أنه علم فيما بعد، أن «السائق الذي أقله وسائقين آخرين متعاونين مع مجموعة الحياني مقابل عمولة يحددها سعر الراكب الذي معهم، وهم عادة من يخبرون الحاجز بوجود ركاب مسيحيين أو علويين أو كرد أبناء أثرياء أو طلبة.. إلخ».

وسطاء

الوسيط يعتبر ركنا أساسيا لإتمام صفقة الاختطاف، وهو عادة ما يكون معروفا لدى جميع الأطراف وعلى اختلاف انتماءاتهم الاجتماعية والسياسية والطائفية، ويفيد سيمون بهذا الخصوص قائلا: «كان هناك شخص يطلقون عليه تسمية (الشيخ) وكانت مهمته تطميننا وجعلنا نثق به، هو مرن جدا عكس الآخرين، ورويدا رويدا، يقنعا بأن خلاصنا هو دفع الفدية المطلوبة، تبدأ الاتصالات مع الأهل، ويبدأ الأهل برحلة البحث عن الوسطاء».
أضاف: «أبي اتصل بأكثر من 3 وسطاء، وكان يختلف معهم عن العمولة، فمنهم من طلب 100 ألف ليرة سورية، وآخر 50 ألف ليرة وآخر سعر مقابل أن يقوم بالوساطة. هم طالبوا بـ15 مليون سوري، وبعد المفاوضات قبلوا بـ800 ألف سوري».
ويبدأ فصل المفاوضات بطلب عدد معين من رشاش الكلاشنيكوف، مقابل تحرير المخطوف، وبالتأكيد أهل المخطوف يبدو الأمر بالنسبة لهم مستحيلا، فيتم طلب ثمن العدد المطلوب من السلاح، ليبدأ الفصل الآخر من المفاوضات حول المبلغ، وتنتهي فصول المسرحية بتسليم المبلغ إلى الوسيط، وهو بدوره يتكفل بإيصال المخطوف إلى نفس المكان الذي اختطف فيه.

عبد الجبار العكيدي
عبد الجبار العكيدي

وحاليا، نشر المدعو «حياني» حواجز في حيي الأشرفية والشيخ مقصود، وفرض إتاوات على أصحاب المشاغل، مهددا بحرقها حال رفضهم دفع المال، حسب تنسيقيات معارضة.
وخالد سراج علي بن حج أحمد مواليد 1979، ولقب بخالد الحياني نسبة إلى مسقط رأسه حيان، وهو متهم بجريمة جنائية، التحق بالمسلحين بعندان. وشكّل خالد حياني ما سمي «كتيبة المهام الخاصة»، وضم إليها نحو 50 عنصرا هم خلاصة لصوص المنطقة، ثم قام لاحقا بتأسيس لواء شهداء بدر، وبدأ يخطف كل صاحب معمل يأتي ليطمئن على معمله ويطالب بفدية لإطلاق سراحه مع تهديده بإحراق معمله، وعندما استنفد هذه الأمور بدأ بفك آلات المعامل وبيعها إلى تركيا.
سلوكه دفع الناشطين لإطلاق حملة على مواقع التواصل الاجتماعي إلكترونية حملت اسم «معا لمحاسبة جزار حلب» وصفوها بأنها دعوة للمجالس العسكرية الثورية وقيادات الجيش السوري الحر إلى محاسبته، مستنكرين قبول رئيس المجلس العسكري في محافظة حلب العقيد عبد الجباري العكيدي انضمام الحياني وعناصره للمجلس العسكري، بالإضافة إلى كونه مطلوبا للهيئة الشرعية.
ويعتبر احتجاز الرهائن جريمة حرب بموجب القانون الإنساني الدولي (قوانين النزاع المسلح). وتعرف جريمة الحرب المتمثلة في التعذيب، بموجب القانون الإنساني الدولي، بإلحاق ألم بدني أو عقلي شديد أو معاناة لأغراض مثل الحصول على معلومات أو على اعتراف أو العقاب أو التخويف أو الإكراه.

مجرد تجاوزات

القيادي في الجيش السوري الحر العقيد عبد الجبار العكيدي والرئيس السابق للمجلس العسكري للثورة في محافظة حلب نفى أن يكون احتجاز المدنين اختطافا، موضحا أن الطريق العام حلب – دمشق يمر من إدلب، وفي بدايات الثورة كانت هناك عمليات اعتقال وليست عمليات خطف بمعنى الخطف، وتستهدف كل المجندين في جيش النظام حتى لا يعاود القتال مع جيش النظام وتسهيل انشقاقهم عن جيش النظام، وفيما بعد كانت هناك حوادث لاختطاف ناشطين أو إعلاميين من قبل عصابات سطو، كانت تختبئ وراء مظلة الجيش الحر أو ستارة الكتائب الإسلامية.

خليل ابو اري وابنه في مخيم لنازحين سروج
خليل ابو اري وابنه في مخيم لنازحين سروج

ويقول العكيدي لـ«المجلة» من مقره في هاتاي التركية: «نحن لا ننكر وجود تجاوزات من قبل الحياني وغيره، ولكن لا ننسى أن الثورة كانت شعبية غير منظمة ليس لها قيادة واحدة، وليس لها رأس واحد، وبالتالي كانت هناك بعض التجاوزات، ونحن لا ننكر ذلك، ولكن أغلب من كان يتم اعتقالهم، وليس خطفهم، إما شبيحة وإما موالون للنظام، ويتم طلب فدية من أهاليهم مقابل تحريرهم بالتأكيد كان يترافق ذلك مع أخطاء وتجاوزات ولا ننسى أن شبيحة النظام أنفسهم كانوا يشكلون كتائب تحت اسم الجيش الحر»، مضيفا: «تدخلنا أكثر من مرة لتحرير مختطفين عندما يتم إبلاغنا عن معتقلين أبرياء، وكانت تتم الاستجابة لنا من منطلق السلطة الأخلاقية أكثر مما هي حقيقة أو سلطة فرض الأمر، وشاهدنا حالات من اختطاف صحافيين أجانب من قبل عصابات بهدف الكسب وتم بيعهم للأطراف المتشددة مثل (داعش)».
ويشير القيادي العسكري البارز في الثورة السورية إلى أن «موضوع خطف الناشطين والصحافيين إثر سلبا على الثورة السورية، وأن موضوع الخطف مقابل الفدية انتشر مع تمدد (داعش) التي بدأت تختطف أصحاب معامل وتجارا وناشطين وصحافيين»، مستدركا أن «تمدد (داعش) كان خارج عن السيطرة تماما بالنسبة للجيش الحر وما زال».
وحول دور الهيئات الشرعية في شرعنة سيطرة «داعش» لاحقا وفرض نظم إسلامية على المجتمع والحكم على المدنين وتشريع الاختطاف يرى العكيدي الذي في فترات سابقة وصف «داعش» بالإخوة، أن «الهيئات الشرعية هي تجربة من تجارب الثورة لربما كانت فاشلة في مراحل معينة ونجحت في مراحل أخرى، ربما كانت هناك أخطاء بسبب تمدد (داعش)، وشعبنا شعب بسيط لم يكن لديه الفكر الخبيث الذي يوجد لدى (داعش)، ما كان يهمهم أن هؤلاء لديهم أجندة ومشروع، السوريون ظنوا أن هؤلاء قدموا ليناصروا ثورتهم ويقدم المؤازرة والمساعدة لهم وإسقاط النظام فيما بعد ظهر وبات واضحا للسوريين العكس تماما».

خطف على الانتماء

واختلطت الجرائم الجنائية بالعنف الطائفي الذي يمارس في المناطق المختلطة، ولا سيما في حمص والحسكة، درعا، إذ تكررت حالات الإفراج عن بعض المختطفين في المناطق السنية والعلوية، الدرزية والمسيحية والكردية.. إلخ، وذلك بعد دفع مبالغ وفدية مالية للجهات الخاطفة، سواء كانت من كتائب المعارضة المسلحة أو مجموعات الشبيحة، أو من سكان المنطقة.
نائب رئيس اللجنة الوطنية لحماية السلم الأهلي والثورة، عبد الباري عثمان، يؤكد على أن انتشار ظاهرة الاختطاف هو أكبر تهديد السلم الأهلي، وأن تشكيل لجنتهم كانت استجابة لدواعي الوقوف في وجه تنامي خطر الصراع الطائفي والعرقي، محاربة ظاهرة الاختطاف كانت إحدى مهام اللجنة.
ويكشف عثمان لـ«المجلة» من مقره في غازي عنتاب التركية عن أن «حالات الخطف في كثير من الأوقات كادت تؤدي إلى قيام نزاع مسلح بين الإخوة في الوطن في منطقة رأس العين (سري كانييه) التي عاشت آلاف السنين في حالة توافق ووئام لم تعرف الطائفية ولا العصبية العرقية عبر التاريخ إلى أن جاء هذا النظام الذي عبث بمكونات شعبنا ومنها العرقية والطائفية، وتحديدا في المناطق التي تشهد تنوعا عرقيا ومذهبيا في محاولة خبيثة مجرمة تذكي الصراع وتفجره في المناطق السورية»، مضيفا أن «النظام عمد ومن خلال الفئات الرخيصة على زرع فتنة في مناطق مختلطة من خلال إشعال حرب تمهد لنزاعات إقليمية ليس لشعبنا وثورتنا مصلحة فيها وتبقى حالة الصراع العسكري في المنطقة إلى ما لا نهاية بأجندات لا وطنية، وبالنيابة عن أطراف إقليمية ودولية يهمها نقل معاركها إلى أرض تعتقد أنها مهيأة لذلك فراحت تذكيها بشكل خفي وخبيث وبما يتوافق مع أهداف النظام ويصب في مصلحته النهائية».
ويكشف عن أن «اللجنة قامت بوساطات في حوران بين كتائب الجيش الحر وجبهة النصرة والدروز واستطاعت اللجنة لعب دور الوسيط والتوصل إلى تفاهمات حول قضايا المخطوفين والأسرى من الأطراف المتصارعة»، مستأنفا: «وتوسطنا لتحرير مختطفين لدى مسلحين في حلب، وتدخلت اللجنة للصلح في النبل والزهراء والمحاصرين فك الحصار، ولكن بعض الأطراف السياسية لم تق

صورة لاري ورفاقه بعد تحريرهم
صورة لاري ورفاقه بعد تحريرهم

ويؤكد أنه «كانت هناك دائما استجابة لبعض الدعوات لتحرير المدنيين، حيث إننا كنا ندعو قيادات وشخصيات وطنية لها سلطة أخلاقية على الكتائب في الجيش الحر، وكان من السهل التواصل معهم»، مشيرا إلى أن «جبهة النصرة اختطفت حافلة لمدنين كان فيها 45 راكبا في دير الزور واحتجزوا الركاب مدة 24 ساعة وتدخلنا واستطعنا أن نطلق سراح الركاب وأعادوا إليهم حافلتهم، فهناك مصالح لجبهة النظرة تجبرها أن تكون لينة في بعض المواقف مع المواطنين لكسبهم وتكوين حاضنة شعبية لهم هناك»، مستدركا: «لكن بعد سيطرة (داعش) على مناطق الجيش الحر أصبح التواصل صعبا، خاصة أن الكثير من الكتائب بايعت (داعش)، معروف أن (داعش) ملتوون لا يفون بالوعود، ولا يلتزمون بالاتفاقات، ما يجعل التعامل معهم صعبا جدا، فهم مناورون، وعادة لا يهتمون بالمال، بل استعادة أسراهم»، مشيرا إلى أنه «حاليا، انحسر موضوع الاختطاف لدى الفصائل الأخرى مقتصرا على (داعش) وجبهة النصرة وميليشيات موالية للنظام وهناك تفاهمات وتنسيق بين هذه العصابات والنظام لاختطاف أشخاص ثوريين أو حتى مدنيين لهم أقرباء في المعارضة لغايات الضغط وأخذ المعلومات واستبدالهم مع أسرى للنظام لدى المعارضة، وعادة تتم من تحت هذه الصفقات من تحت الطاولة».
وفي ختام حديثه يذكر الناشط السياسي، أن «اللجنة وبالتعاون مع فصائل من الجيش الحر ومن فصائل كردية استطاعت أن تساهم في تحرير الكثير من المختطفين الأجانب، ومنهم الصحافيان الفرنسيان وعشرات النرويجيين والفرنسيين ممن انضموا إلى (داعش) وقرروا الانشقاق عنه، وأخيرا مساعدة الأب ديمتري بونتنيك في استعادة ابنه من أيدي (داعش)».

الخطف السياسي

غالبا ما يُتخذ له شعار سياسي بعد حدوثه أو يُغلف بأهداف سياسية، ويستهدف رعايا دول أو أحزاب تؤيد النظام الحاكم وتدعمه اقتصاديا ولوجستيا، أو تتّخذ موقفا سلبيا مناوئا للثورة يصل إلى حدّ مباركة النّظام على نهجه وقمعه الأمني، كإيران وحزب الله، والذي غالبا ما يختلط الموقف السياسي بالدوافع الطائفيّة، والذي ساهمت فيه أجندات دول إقليمية، وتحرير المختطفين يكون عبر وساطات دول إقليمية مؤثرة في الثورة السورية (تركيا – قطر) ومنظمات دولية.
على سبيل المثال اختطاف 7 فنيين إيرانيين يعملون في محطّة جندر الكهربائية في شهر ديسمبر (كانون الأول) 2011، اختطاف 11 حاجا من الحجّاج الإيرانيين في سوريا يوم 26 يناير 2012. اختطاف 11 لبنانيا شيعيا في ريف حلب الشمالي بتاريخ 22 مايو 2012، واختطاف 48 إيرانيا في حافلة كانت متّجهة من منطقة السيّدة زينب إلى مطار دمشق الدولي بتاريخ 5 أغسطس (آب) 2012، وربطت جميع الجهات التي اختطفتهم، مصير المختطفين بتوقّف إيران وحزب الله عن دعم النظام السوري ومساندته، وغالبا ما كان يتم الإفراج عن المختطفين الإيرانيين وحزب الله بعد وساطات تركيّة وقطريّة.

أبو هشام القلموني من لواء النصر ومسؤول العلاقات لكتائب الجيش الحر في النبك، يؤكد أن «الجيش الحر لم يكن يختطف، كان يعتقل عناصر الجيش النظام والمدنيين المتطوعين في الجيش الشعبي، والذين يقفون على الحواجز مع النظام ويتم الإفراج عنهم من خلال صفقات التبادل تبادل الأسرى»، ويضيف لـ«المجلة» متسائلا: «هل يمكن أن نعتبر اعتقالنا لأشخاص يتعاونون مع النظام في الحواجز اختطافا، على سبيل المثال علمنا أن أخطر شخصين منهم سوف يمرون من الطريق العام، نصبنا كمينا لهم وتم اعتقالهم، كانوا شخصين علويين، وأثناء التحقيق معهم وجدنا في هواتفهم الجوالة مقاطع تعذيب للمدنيين سوريين، وعندما علم النظام قام باختطاف 90 مدنيا، دخل على خط التفاوض مستنفعون توسطوا بيننا وبين مسؤول الأمن العسكري في النبك مازن الكنج، في البداية طالب بمبالغ نقدية مقابل إطلاق سراح المدنيين، وفاوضناهم على الشخصين العلويين، وتمت الصفقة وتم فك أسر 90 مدنيا مقابل علويين اثنين».

العاملتان الإنسانيتان الايطاليتان اللتان خطفتا الصيف الماضي شمال سورية وأطلق سراحهما  16 يناير الى مطار شيامبينو في روما لحظة وصولهما الى مطار شيامبينو في روما (غيتي)
العاملتان الإنسانيتان الايطاليتان اللتان خطفتا الصيف الماضي شمال سورية وأطلق سراحهما 16 يناير الى مطار شيامبينو في روما لحظة وصولهما الى مطار شيامبينو في روما (غيتي)

وفي جانب آخر، يؤكد القلموني حرص الجيش الحر على حماية الصحافيين والإعلاميين الذين يقصدون سوريا، وأنه لدى اختطاف الصحافية الألمانية استنفر الجيش الحر في القلمون وطالبوا بتحرير الصحافية، الأمر الذي جعل الجهة المختطفة تمتنع عن أن تكشف نفسها وحتى اليوم لا نعرف المجموعة التي قامت بالاختطاف»، وعند سؤاله عن احتمال بيع الضحية للمتطرفين مثل «داعش» وجبهة النصرة أكد عدم علمه دون أن ينفي.
ويكشف القلموني جانبا من الاتصالات التي كانت تجري لتحرير الراهبات، ويقول بهذا الخصوص، إن «شكيب الريس من مكتب الأخضر الإبراهيمي وسألني عن الراهبات، لأنه كان هناك الكثير من الكتائب تدعي أنها من اختطفت الراهبات، بدوري أكدت له أنهن أسيرات لدى جبهة النصرة وطلب مني أن أؤكد كلامي من خلال صورة أو مقطع فيديو يثبت كلامي، وتواصلت مع أبو عزام. عندها تواصلت مع محتجز الراهبات، أبو عزام الكويتي، نائب أمير التنظيم في منطقة القلمون، الذي قتل لاحقا في أطراف يبرود»، مضيفا: «أبو عزام أرسل لي المقاطع وبدأت المفاوضات التي قام بها أبو عزام وأشرف شخصيا على سير عملية التبادل التي تم الاتفاق عليها مع الجهة الدولية التي تولت الوساطة».
ويتابع القلموني كاشفا جانبا آخر من عمليات الاختطاف السياسي قائلا: «في حادثة أخرى كان هناك مختطفون من حزب الله وبشكل سري طالب الائتلاف أن يكونوا هم المفاوضين الرسميين مع حزب الله، وأن يدفعوا مبلغا ماديا مقابل أن يتولوا هم المفاوضات حول الأسرى، ولكن في النهاية لم ينتج الأمر»، مشيرا إلى وجود «مفاوضات مع جبهة النصرة حول أسرى في سجن رومية بلبنان وأسرى لحزب الشيطان (حزب الله) في جبال القلمون الغربية عن طريق وسطاء لبنانيين مقربين من المعارضة والاتحاد الإسلامي لأجناد الشام، جمعية «البشائر» الموجودين في طرابلس، وشخصيات أخرى يقومون بالوساطات».

الخطف المتطرف

رغم أنه منذ بداية الثورة السورية تميزت على اعتبارها ثورة شعبية مدنية مطالبة بالديمقراطية ودولة القانون عن الحراك المسلح الديني واختلفت عنه تماما، فإنه في النهاية ركبت موجتها تيارات دينية متشددة نشأت قبل الثورة لها مرتكزاتها الآيديولوجية وعقيدتها الفكرية، وقد تقاطعت هذه التيارات مع الثورة في عدائها للنّظام السياسي في سوريا فقط، لكنّها اختلفت في الأهداف (إقامة ما سمي الدولة الإسلاميّة)، والمنهج، ودعت هذه التيّارات في وقت مبكر إلى حمل السّلاح في سوريا، بذريعة أنّ «المظاهرات السلميّة ليست قادرة على إسقاط النظام» ومثّلت «جبهة النّصرة لأهل الشّام» الواجهة الإعلاميّة الأبرز للحركات الجهادية في سوريا وفق نموذج «القاعدة».
لقد غدا العنف الحركي (المتطرف) وفق نموذج «داعش» تهدد الثورة بحراكها السلمي أو المسلّح، وتنتشر حالة من الذّعر الاجتماعي والخوف النّفسي، بات يلاحق المواطن في تفاصيل حياته اليومية ليس فقط في الداخل أو مناطق سيطرة النظام أو المعارضة، بل تعدته إلى مخيمات النازحين والمنافي، فنموذج «داعش» يذكّره بكابوس المشاهد العراقيّة التي أثّرت كثيرا في المزاج السّياسي السّوري ومشاهد التفجيرات والمختطفين والرهائن كل هذا دفعه لنشدان عودة الاستقرار والأمان والتخلي.
المؤرخ عراقي والباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، د. هشام الهاشمي يرى أن «الاختطاف بالنسبة لـ(داعش) هو سلوك، بل نوع من العبادة التي يتقربون بها لله عز وجل، والجماعات المتطرفة التي تعتبر عمق (داعش) التاريخي في العراق منذ بداية التغيير عام ٢٠٠٣، اعتمدت على عمليات الاختطاف لجملة أسباب كان من أبرزها صناعة فوبيا للمجتمع المدني لتلك الدولة التي تشارك أميركا في قتال المتطرفين، وجمع الأموال، وفرض المواقف السياسية، والتنكيل بالعدو، وصناعة أكثرية من المتعاطفين معهم».

اختطاف راهبات معلولا
اختطاف راهبات معلولا

ويوضح الهاشمي لـ«المجلة»، قائلا: «إن الخلايا التي تسند لها مهام الاختطاف هي مركبة من الخلايا الأمنية والاستخبارية والشرعية والإعلامية ثم الماليّة.. وهؤلاء في الغالب من خواص هذه التنظيمات الذين يصعب الوصول إليهم بالاختراق أو بالرشى».
وعن دور الوسطاء أو المفاوضين في تحرير المختطفين لدى داعش يقول: «إنه هناك 3 أنواع تم اعتمادها من قبل (داعش) منذ مايو ٢٠١٣، الأول: هم قيادات الفصائل السلفية أمثال محمد يوسف عبد السلام الشهير بـ(أبو عبد العزيز القطري) و(أبو خالد السوري)، والشيخ نظام الرفاعي، والشيخ إسماعيل البدري، والشيخ عبد الرحيم العاني، وهؤلاء غالبا لهم علاقات بجمعيات ومؤسسات إسلامية شبه حكومية. والثاني: شيوخ العشائر والوجهاء والأعيان ممن لهم شفاعة مقبولة لدى قيادة (داعش) أمثال الشيخ رافع الجميلي، شيخ قبيلة الجميلة في العراق، والشيخ علي حماد المحمدي، من وجهاء عشيرة المحامدة.. والثالث: من خلال وسطاء لهم علاقات مخابراتية وحكومية موثوق بهم، وتمت تجربتهم، وهؤلاء عموما هم أعضاء برلمانيين أو تجار كبار من السنة العراقيين أمثال النائب البرلماني السابق محمد الدايني والتاجر العراقي قاسم الراوي».
وعن سؤالنا: هل ينطبق نفس الشيء على سوريا؟ يقول المؤرخ العراقي: «نعم، هي نفس المنظومة يرأسها المدعو فاضل المشهداني أبو عاصم، ويساعده المدعو حسن المصري ومجموعة من المهاجرين العرب والأجانب.. لديهم خبرة كبيرة وتجارب متكررة في هذا الملف!!».
وعما يميز «داعش» عن جبهة النصرة في الاختطاف يرى أنه «لا فرق بينهما سوى أن الاختطاف في (النصرة) غالبا لأغراض سياسية واستبدال الأسرى والسجناء».
ويختم حديثه مؤكدا، أن «ظاهرة الاختطاف لم تأتِ بالسلب تجاه المتعاطفين والمؤمنين بفكر هده الجماعات المتطرّفة، بل جاءت في محل الثناء والمدح.. وهذه الفئة هي المقصودة من رسائلهم الإعلامية التي تتناول ملف الاختطاف».

ضحايا

سيمون ما زال يعيش في الاختطاف، ويقول: «إن أنا شعرت بالذل والإهانة، وما زال الشعور يلازمني، هل هذه سوريا؟ وكيف سوف تتحمل كل هذا العنف؟ تلك التجربة لن تقويني، بل أنا أضعف ألف مرة، كما عليّ أن أقبل أن أهلي ما زالوا هناك، كل شخص خرج من سوريا يتوقع الأسوأ لمن تركهم هناك».
ويختم قائلا: «كلنا مختطفون».
خليل أبو آري يبدو عليه الحزن على ابنه البكر كلما يلمس ما تغير في آري وكيف تحول الطفل الحروك والنشط إلى شخص منزوٍ عيناه تحلقان بعيدا.. يقول خليل، إن «آري كان يحب العزف على البزق، إضافة لعشقه نادي ريال مدريد، كان كتلة حيوية تملأ عليَّ حياتي، أجده اليوم شخصا آخر، كلما يسهو أشعر بأني أفقده وأنه عاد إليهم».
ويكشف عن محاولة آري التواصل مع أحدهم عن طريق عنوان بريد إلكتروني، وعندما سأله خليل رد قائلا: «هم طلبوا منا التواصل معهم، وإن أحد أصدقائه رفض العودة وفضل البقاء معهم إلا أن اشتياقه لإخوته جعلته يعود»، بدا خليل أسير تجربة ومآلات اختطاف آري.
أما آري فوعدنا أن يرسل لنا صورتين تم التقطهما في الخفاء من قبل صديقه، بينما كانوا مختطفين، أرسل واحدة، إلا أن الصورة التي يظهر فيها أمير داعشي لم يرسلها رغم أنه وعدنا ولدى سؤالي له عن خوفه من «داعش» يجيب فورا: «ليس هناك ما أخاف عليه».

Previous ArticleNext Article
كاتبة سورية كردية. عملت في فضائية الحرية. ومحررة في المعهد البريطاني لصحافة الحرب والسلام. واعدت تحقيقيات لعدة صحف دولية، ومجلة الأسبوعية. كما عملت مساعدة مخرج في فيلم وثائقي حول تاريخ الحركة التحررية الكردية في العراق وفي 2010 أعدت وأخرجت فيلما وثائقيا حول دور المرأة في مركز القرار تحت عنوان المرأة والسياسة، ولها كتابات عديدة حول الشأن السوري في عدة صحف دولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.