• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

أحوال

بريدة.. بين مدرستين.. التشدد والضد

wpid-برج-مياه-بريدة.jpg1

استمعت إلى محاضرة دعا إليها مركز الملك فيصل بالرياض (17 فبراير/ شباط 2015)، ضمن برنامجه في عقد الندوات البحثية المصغرة، وكانت تحت عنوان «أثر المشايخ على هوية المدينة وشخصيتها… بريدة كحالة»، قدمها الأكاديمي عبد السّلام الوائل، وكانت مناسبة أن ألتقي من يصعب اللقاء بهم خلال زيارة قصيرة، ومنهم رئيس الجلسة الباحث سعيد الصويان، صاحب كتاب «ملحمة التطور البشري»، الذي فاز بجائز ة الشيخ زايد للكتاب بأبوظبي.

قرأت وسمعت عن مدينة بريدة، عاصمة إمارة القصيم، على أنها رافد التشدد الديني، وفي الوقت نفسه خرج منها الأكثر انفتاحا أو تمردا، وشباب كثيرون الآن يحبرون المقالات ويصنفون الكتب، لكنه التمرد غير المتجاوز، إنما الغالب منهم تخلص مِن شباك الإسلام السياسي، بما عُرف بالصّحوة والسرورية والإخوانية و«القاعدة» إلى غير ذلك من عناوين. أتى المحاضر بشهادات الرّحالة الذين مروا بالمدينة، وواجهوا التشدد الديني، حتى قال فيلبي: «ذقت المر قبل أن أذوق الحلو». وقال فيلبي أيضا في وجود بريدة وسط نجد: «في الحقيقة يظن الفرد أنها شُيدت وفق خطة مدروسة محكمة». لكنها نشأت هكذا عبر سوق تُقام بأطرافها على شكل مخيم، ووجود ماء آبار سهل الاستخراج، وهي تعتبر ريفا من المفروض أن يكون بعيدا عن التشدد وبيئته الصحراوية، مثلما هو متعارف.
تحدث المحاضر عن تاريخ عاش البريديون أحداثه في القرن السادس الميلادي، فالدنيا قد تغيرت، يوم كان السفر إلى بلاد يحكمها العثمانيون بأنها دار شرك لا يجوز شد الرّحال إليها، ثم يجد المحاضر سببا للتكفير آخر، وهو حسب الموقف السياسي، أي تحالفات المشايخ أنفسهم. فإن بريدة انقسمت إلى قسمين آنذاك، المتشددون وهم المعروفون بالمغاليث، والمنفتحين، عرفوا بـ«الضّد».

كان أساس المتشددين أو المغاليث، وهو لقب ما زال معروفا بالمنطقة، ويحملها شباب منفتحون ليس لهم صلة بما حدث سابقا، أو ما يعنيه لقب المغلوث، هم أسرة آل سليم، وكان انتصارهم انتصارا لما يُعرف بإخوان بريدة. أما «الضد»، فكان يمثله شخصيات مثل إبراهيم الجاسر، أو ابن جاسر، مثلما تكرر على المحاضر. حتى إن هناك مناطق وسط نجد كانت متشددة جدا تعيب على بريدة انفتاح ابن الجاسر، مع أن الرجل لا يختلف كثيرا عن المغاليث إلا ببعض الفتاوى، ومنها فتوى تكفير المسافرين إلى أرض أخرى، وأكثر من هذا مَن مات ببلاد الكفار لا يُعد مسلما عندهم.
طُرحت مجموعة أسئلة، وسألت بدوري عن مصائر مدرسة «الضد»، أو لنسمها، قياسا أيضا، «الانفتاحيين»، هل تابعها المحاضر؟ كنت أحسب أن عبد الله بن علي القصيمي (ت 1996) مثلا كان امتدادا لتلك المدرسة، لكنّ المحاضر فهم قصدي وقال: «إن حالة القصيمي لا تنسجم مع الطرفين، فالمغاليث والضد معا لو عاشوا توحدوا ضده، ولا توجد صلة رحم بين ابن الجاسر وابن علي».

كيف لمدينة حياتها على التجارة والزراعة تصبح مركزا للتشدد والبعض من أهلها ما زال حتى اليوم يرفض مظاهر الحياة العصرية، من وسائل النقل والكهرباء؟ لكن وجود مثل هذه الجماعة على الأراضي الأميركية، وديانتهم مسيحية، قد تُبطل العجب. فمن أين جاء التشدد ورفض مظاهر الحياة العصرية إلى جماعة «أميش»، الذين بتوجيهات دينية متشددة استطابوا العيش في العزلة؟ وقد عزي ذلك إلى اضطهاد ديني وقع عليهم فيما مضى فاستمروا معتزلين، وإذا هناك شخص، أو شخصان، بعرض الصّحراء وطولها لا يعتقد باستخدام الكهرباء وكل المصنّعات، فإن «الأميش» عددهم يبلغ نحو ربع مليون نسمة وهم بأميركا لا بنجد، حتى تحوّل سلوكهم الغريب إلى مُتحفٍ، وهم يعيشون هكذا حتى اليوم منتظمين على التشدد جيلا بعد جيل؛ فالبيئة وإن تكن مؤثرة في سلوك الإنسان، لكن في أحيان غير قليلة تأتي بنتائج مغايرة للمتعارف عليه. لذا أجاب المحاضر عن وجود التشدد وإدامته بسبب العامل المعرفي، وبالتالي إلى الدراسة الدينية المنتظمة على المنوال القديم نفسه.

كانت فرصة أن أتعرف على بعض تاريخ هذه المدينة، التي احتج بعض الحاضرين على تشخيص ارتباط تاريخها بالتشدد مع وجود بلدات أخر ربما اعتبرت بريدة منفتحة قياسا لها. ربما يفيدنا سبب عزلة الأميش وتشددهم، بأنه كان لاضطهاد أو حرب جرت عليهم، فإن آل سليم، وهو الفريق المتشددة، وردوا إلى بريدة هروبا من حملة إبراهيم باشا على الدّرعية، فحملوا ما كان معهم وحاولوا حفظه والتشدد به.

Previous ArticleNext Article
رشيد الخيّون
باحث عراقي متخصص في الفلسفة الإسلامية. من كتبه "100 عام من الإسلام السياسي بالعراق".

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.