رواية تعيد طرح سؤال الآخر الاعتقادي والحضاري مستعيدة ذكرى لقاء تاريخي - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

كتب

رواية تعيد طرح سؤال الآخر الاعتقادي والحضاري مستعيدة ذكرى لقاء تاريخي

حاخام يحمل العلم فلسطيني
حاخام يحمل العلم فلسطيني
حاخام يحمل العلم فلسطيني

الكتاب يتناول في قالب روائي قصة لقاء تاريخي بين القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني (1131 – 1199م)، وهو الرجل الثاني في دولة صلاح الدين الأيوبي، والفيلسوف اليهودي الأكثر شهرة موسى بن ميمون (1135 – 1204م). ويرسم صورة لهذه الحقبة التاريخية التي رسمت الحروب الصليبية أهم ملامحها، مستفيدا من مذكرات الرحالة العراقي عبد اللطيف البغدادي، وشهادته أحد المصادر النادرة التي توثق أهم أحداث الفترة، وهو أحد المصادر النادرة التي توثق انتشار أكل لحوم البشر بسبب مجاعة حدثت آنذاك.

واللقاء حدث على خلفية اضطرار الفيلسوف اليهودي إلى الهجرة من الأندلس إلى مصر، التي توفي ودفن فيها. وكانت هجرته بعد استيلاء الموحدين على قرطبة بالأندلس وتخييرهم غير المسلمين بين الإسلام والهجرة. وقد عاش ابن ميمون آنذاك فترة قصيرة يظهر الإسلام ويبطن اليهودية، فلما استقر في مصر أظهر يهوديته فلجأ البعض إلى القضاء لتطبيق حد الردة عليه فأنقذه القاضي الفاضل من الموت، استنادا إلى بطلان الإكراه على اعتناق الإسلام.

وقضية «عقيدة ابن ميمون» مثارة في الدراسات الإسلامية، فمثلا، حين وضع المفكر اليهودي المصري إسرائيل ولفنسون كتابه الشهير «موسى بن ميمون حياته ومصنفاته» عام 1936، كتب الشيخ مصطفى عبد الرازق مقدمة للكتاب جاء فيها: «إن موسى بن ميمون يعدُّ من الفلاسفة المسلمين»، ثم أدلة تؤيد ذلك. وبالنظر إلى مؤلفاته نجد أنه تأثر بالعقيدة الإسلامية، واستخدم كتابات المعتزلة، وعلم الكلام، وفلسفة ابن رشد في تصحيح مسار العقيدة اليهودية، وتنقيتها من أفكار وثنية شوهتها على مدى عصور. وهذه الحقيقة دفعت الحاخامات لترديد جملتهم الشهيرة: «بين موسى وموسى، لم يظهر موسى». ويقصدون أن نبي الله موسى أتى بالتوحيد، ثم حرف الحاخامات كلماته، إلى أن ظهر الفقيه موسى بن ميمون في العصر الوسيط، واستعان بالعلوم الشرعية الإسلامية ليعيد الديانة اليهودية إلى مسارها التوحيدي.

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

وقد تلقَى ابن ميمون العلم على يد ثلاثة من علماء المسلمين (ابن الأفلح، وابن الصائغ، وابن رشد)، ويظهر تأثره بأفكار فلاسفة الإسلام، بوضوح، في كتابه الأكثر شهرة «دلالة الحائرين»، وقد تناول هذه الظاهرة بتحليل معمق المفكر العربي الإسلامي الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري في «موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية»، حيث اعتبر ابن ميمون جزءا من التاريخ العربي الإسلامي وليس جزءا من أي تاريخ يهودي عام، ورأى في تأثره بالثقافة العربية الإسلامية ومقولاتها وأدواتها السياق الذي ينبغي أن توضع فيه تجربته، وبخاصة كما يعكسها كتابه المشار إليه.

الحرية جسر للتعايش مع الآخر

ويحمل كتاب «حكاية مسلم ويهودي» رسائل أهمها حقيقة العلاقة بين المسلمين واليهود وإمكانات التعايش بينهما، وكذلك الأهمية الكبيرة لقيمة «الحرية» في الفقه الإسلامي حتى لو تعلق الأمر بـ«الآخر» وحتى في ظل مواجهة عسكرية من أكبر المواجهات في تاريخ المسلمين.
وفي لحظة يشهد فيها العالم مدا كبيرا لثقافة رفض الآخر، وبخاصة في المشرق العربي الإسلامي، تأتي أهمية إعادة اكتشاف بعض لحظات التاريخ التي تتصف بأنها كاشفة، ومنها يمكن استلهام رؤية أكثر تعبيرا عن الطبيعة الفسيفسائية لتاريخ ثقافات عديدة في المشرق العربي الإسلامي تعايشت فيها جماعات متعددة، إما لجهة العرق أو الدين أو المذهب أو.. على قاعدة القبول المتبادل. والرمزان الكبيران اللذان يستعيد الكتاب لحظة اللقاء بينهما لكل منهما مركزيته في سياقه الحضاري، فالقاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني، فضلا عن رمزيته الدينية الكبيرة، كان «الرجل الثاني» في دولة صلاح الدين الأيوبي، فيما كان موسى بن ميمون – في تقدير كثيرين – الاسم الأبرز في تاريخ الفكر اليهودي خلال العصر الوسيط.
والفيلسوف اليهودي موسى بن ميمون، حظي، فضلا عن ذلك، بثقة السلطان صلاح الدين الأيوبي نفسه فجعله طبيبه الخاص، مما يعني أن صلاح الدين الأيوبي لم يتأثر في موقفه منه بما كانت تشهده الحقبة من جولات الحروب الصليبية، كما أنه لم يعتبر أعضاء الجماعات اليهودية – وبينهم ابن ميمون – جزءا من السياق الحضاري والثقافي والسياسي الغربي، الأمر الذي تشهد تطورات العقود القليلة الماضية على غيابه في الفكر السائد في ثقافتنا.

رواية للناشئة

ولعل مما يحسب للكاتب أنه اختار أن يكتبه كـ«رواية للناشئة» (من 15 – 18 سنة)، مما جعله يكتبه بلغة هي أقرب إلى السهل الممتنع. والكاتب صدرت له عشرات المؤلفات بدءًا من عام 1993 في القاهرة وبيروت وعمان ومسقط والشارقة والرياض وواشنطن، فضلا عن مساهمته في تحرير «موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية» لكاتبها الدكتور عبد الوهاب المسيري. أما مترجم الكتاب، الباحث المصري محمد الأنصاري، فيعد رسالة الماجستير في الفكر الإسلامي في جامعة ماكجيل الكندية. والكتاب باكورة إصدارات دار «CULTURAL BRIDGES» الأميركية للنشر، وراجعته جيلان الإتربي.

Previous ArticleNext Article
المحرّر الثقافي

يتابع الشأن الثقافي ويرصد الحركة الثقافية في الوطن العربي والعالم. الثقافة عند المحرّر الثقافي ليست معارض وكتبا فقط بل تتعداها الى كل مناحي الحياة.. كل شيء لا يحمل ثقافة لا يصلح أن يكون مادة جديرة بالقراءة أو المتابعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.