تراجع سلطة الدولة والتحديات الأمنية وإرهاب نوعي متصاعد - المجلة
  • worldcuplogo2
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

قضايا

تراجع سلطة الدولة والتحديات الأمنية وإرهاب نوعي متصاعد

الحشد الشعبي
الحشد الشعبي
صعود الميليشيا، منطقًا وثقافة وسلطة، بات أمرًا واقعًا في رقعة كبيرة من الوطن العربي والإسلامي، لا سيما في البلدان التي خاضت تجربة ما عرف بـ«الربيع العربي»، وما تلاها لاحقًا من تهشم سلطات مركزية بدءًا من انهيار سلطة الدولة المركزية وصولاً إلى تفسخ عدد من المؤسسات العسكرية والدينية وتراجع قدرتها على ضبط إيقاع الفضاء العمومي والمجتمعي.

منطق الميليشيا الذي يسود المنطقة الآن، هو أكبر مهدد للدولة الحديثة، فهو منطق مضاد، لكنه ليس مفهوما فوقيًا مفارقًا لها كما هو الحال لجماعات العنف المسلح، التي تتوسل السياسية لتثبيت آيديولوجيتها العقائدية المتطرفة، وبالتالي لا طموح سياسيا لديها، ويمكن تحريكها واختراقها وتوجيهها واستفزازها والتنبؤ بردة فعلها بسهولة، لا سيما من أجهزة استخبارات عريقة في التعامل مع تلك الجماعات.
الميليشيا منظومة متكاملة أكثر تعقيدًا من جماعات العنف، فهي ذات بعد سياسي واضح وقابل للتفاوض، ولذلك كانت فكرة التفاوض مع طالبان ناجحة، بينما تقترب من الاستحالة مع فصائل «القاعدة» التي تعيش حالة من إعادة تعريف ذاتها، بعد انهيار التنظيم العالمي الذي يمثله الظواهري وظهور تنظيمات محلية أو عابرة للقارات، عبر مجموعات جديدة ليس لديها خبرة تنظيمية، ولكن لديها دافع عقائدي خلاصي ورغبة في الموت – الشهادة كنهاية خلاصية وليس لتحقيق مشروع الخلافة.

تاريخ عريق

وجود الميليشيا قديم يرافق وجود الدولة الحديثة، ويحدثنا التاريخ عن أنواع كثيرة من الميليشيات التي كانت تعبّر عن كيانات سياسية، كما أن الواقع اليوم يخبرنا عن تحول جذري واندماج ميليشيات كثيرة في جسد الدولة كالميليشيا الفرنسية في حكومة فيشي، أو الميليشيا الروسية الريفية، التي تحولت إلى جزء من جهاز الأمن الداخلي في الاتحاد السوفياتي، وكانت تجربة الفرق التطوعية من المحاربين القدامى الألمان التي شكلت لاحقا ميليشيا بيد النظام، وعبر التاريخ، كانت الميليشيا البديل الجاهز لمقاومة الاحتلال في حال انهيار الجيش النظامي للدولة، كما هو الحال في تجارب يوغوسلافيا والجيش الشعبي التابع لماوتسي، وربما كانت تجربة تنظيم إيتا الإسباني المثال الأكثر وضوحا عن التطرف المسلح الدنيوي السياسي وليس العقائدي.

حالة الفراغ السياسي الذي يتحمل المجتمع الدولي والولايات المتحدة الجزء الأكبر فيه بسبب قدرتها على التأثير وحشد قرار سياسي دولي – هي ما تخلق ربيع الميليشيات، وتحول مكونات اجتماعية إلى مجموعات مسلحة قادرة على التأثير، وبالتالي فحتى مع التخلص من «داعش» وأخواتها ولو عبر طائرات من دون طيار أو حرب استنزاف، لا يعني نهاية القصة مع بقاء مسببات بقاء العنف بالبحث عن أعذار وحيل لاستمرار النظام السوري الذي تفوق استخباراتيا في لعبة الكراسي بين الميليشيات والقاعديين، وهي حالة كان أيضا يديرها بجدارة النظام اليمني السابق على طريقة الحاوي والثعبان، وهو ما جعل من الصعوبة السيطرة على الحالة المسلحة ومنطق الميليشيا في اليمن بعد رحيله.

الحفاظ على مكون الدولة مهمة صعبة وتحتاج إلى تفهم ودعم دولي، وفي نفس الوقت بحاجة إلى فهم المكونات السياسية لا سيما المعارضة في فهم ما سيحدث حال انهيار الدولة، هذا الفهم والتفهم غائب في مواقع كثيرة من دول ما بعد الربيع العربي، لكنه الأخطر والأكثر قتامة في «أم الدنيا» حيث ينزلق منطق الدولة إلى الميليشيا، وتساهم المعارضة في تقويض الدولة ذاتها عبر مثاليتها السياسية.

كانت تونس شرارة الثورة الأولى الأقل سوءا من نظيراتها التي تشهد الآن «ربيع ميليشيات» بما تعنيه الكلمة، بعضها دخل مرحلة تقويض الدولة كما في اليمن وليبيا، والآخر يحاول خلق هذا المشهد لولا قوة الجيش وليس تماسك المكونات السياسية كالأحزاب والدولة الناشئة، كما هو الحال في مصر التي إذا لم تختر بإرادتها الذاتية الانتقال إلى مفهوم الدولة ومنطقها، فستتحول بفضل الضغط المتواصل للقواعد الشعبية للإخوان إلى ربيع ميليشيات، رغم أن المؤشرات تسير باتجاه تفوق منطق الجيش على منطقي الدولة الوليدة والميليشيات البديلة بفضل الدعم الشعبي.

ما بعد القذافي

تموقع الميليشيا كمنطق بديل للدولة يتجلى في الحالة الليبية التي تبدو مشدودة للفوضى التي تنتجها الميليشيا وتعيق أي نقاط التقاء بين القوى السياسية التي تحاول إعادة صوت الدولة، ويدفع الشعب الليبي الثمن غاليًا بعد أن ساهمت قوى المجتمع الدولي في بداية الثورة بمساعدته في خلع النظام السابق المتجسد في القذافي، لكنه وفي تكرار لتاريخ التدخل على طريقة الوجبات السريعة ذات الطابع الأميركي تركه بلا دعم سياسي ولا خطة إنقاذ ولا مؤسسات دولة، وهي الحالة الملائمة لصعود قوى الميليشيات المتجذرة في الحالة العربية، التي تملك مقومات نشأة وقوة، وتضخم منطق الميليشيا بما تملكه من قوة.

في سوريا يبدو الوضع مختلفًا، حيث نشهد حالة تداخل بين الميليشيا وجماعات العنف المسلح، والقوى الإرهابية، والمجموعات الشعبية التي تقاتل النظام، هذا التداخل سبب حتى أخطاء كبيرة على مستوى تحليل الظواهر السياسية كما هو الحال مع «داعش» بين اعتبارها صنيعة النظام أو دخيلة على سياق المعارضة السورية المسلحة التي كان يمثلها الجيش الحر أو حركات سياسية ذات طابع بدائي في تكوينها وطريقة عملها، وبالتالي من السهولة إدارتها من قبل طهران، وكلها احتمالات لا تغير من الواقع، بل قد تزيده إرباكا، ذلك أن فهم دوافع ومنطق الميليشيا السياسية مختلف عن فهم نشأة ودوافع الميليشيا العقائدية، كما هي حال «القاعدة» وأخواتها مثل «داعش» التي يمكن التأثير عليها استخباراتيا بشكل غير مباشر، وبالتالي يمكن القول إن الميليشيا في سوريا استفادت من المجموعات الجهادوية والعكس بالعكس، حيث تأثرت تنظيمات إرهابية بخبرة الميليشيا في إدارة معاركها.

وفي التفاصيل لا يقتصر منطق الميليشيا على النماذج العنفية السنية، بل نشأت حالة مشابهة في التكوّن والملامح، ولكن بأهداف مضادة أنتجت ميليشيات شيعية لا تقل تطرفًا عن نظيراتها السنية بسبب مآلات التردي للحالة العراقية ثم السورية، وهناك اليوم أكثر من ستين تنظيما ميليشيويا شيعيا في سوريا والعراق، يستهدفون – حسب رأيهم – تمدد تنظيم داعش، لكن اللافت أن تلك التنظيمات ليست مستقلة عن خلفياتها السياسية، بل تعبّر – وهنا مكمن المفارقة والخطورة – عن أحزاب سياسية مشاركة في الحياة السياسية العامة، بحيث تصبح هذه الأحزاب المحرّك الشرعي والواجهة النظامية لدعم أهداف الميليشيات، بينما تُطور جماعات سياسية أخرى هويتها الخاصة دون أن يكون لها ميليشيا تعبر عنها.

وبإزاء مقارعة تنظيم داعش من قبل الميليشيات الشيعية التي تشكلت سريعًا على طريقة «الحشد الشعبي» لكنها أكثر نموًا ونفوذًا بحكم مرجعياتها السياسية، فإن هناك أهدافا أخرى لتلك التنظيمات التي تتداخل وظائفها وغاياتها مع مسؤوليات الدولة، بحيث باتت في بعض المناطق دولة ميليشيات بسبب وجود أجندة سياسية مستقلة كما هي الحال مع «كتائب الإمام علي» التي ترفع شعار تهديد مصالح الولايات المتحدة شعارًا لها وليس محاربة «داعش» فحسب.

الانهيار الأمني

ظهرت «كتائب الإمام علي» مع تفاقم الانهيار الأمني في العراق وتتبع «حركة العراق الإسلامية»، وهي حركة شيعية وليدة يتميز أفرادها بارتداء زي خاص بهم، وبحمل السلاح في مناطق عديدة، أبرزها آمرلي وطوز وديالى، وهي تحارب إلى جانب ميليشيات شيعية عراقية أخرى، تعمل كلها بتفويض إيراني، ويعتبر شبل الزيدي الأمين العام لكتائب الإمام علي الذي كان أحد الأسماء البارزة في جيش المهدي التابع للزعيم مقتدى الصدر، وقد أطلق سراحه في عام 2010، ويبرز أيضا ضمن التنظيم أبو مهدي المهندس، وهو أحد قادة فيلق الحرس الثوري الإسلامي التي تعمل ضمن خطة إيرانية مشتركة منذ بداية 2003، وهناك الكثير من الوثائق العراقية التي تشرح العلاقة بين فيلق بدر ومنظمة بدر الحزب السياسي الصاعد بعد سقوط صدام حسين، كما نصت التقارير على أن هناك عددا كبيرا من الميليشيات الشيعية مرتبطين بسياسيين عراقيين رغم عدم قانونية عملهم على الأرض، وكثير منهم متورط في قضايا تصفية ذات بعد طائفي.
وتقود منظمة بدر كل الميليشيات التي جاءت لاحقًا، لا سيما بعد إطلاق يد الولايات المتحدة لليد الشيعية، وهو ما يفسر تضخم وصعود الميليشيات، لا سيما كتائب علي التي انضمت لها قيادات سابقة في منظمة بدر، ويعد أبو زهرة الغفاري أحد أهم الرموز المقاتلة التي يجتمع عليها الفكر المليشوي الشيعي.
ولم يتوقف الدعم الإيراني لحلفائه في العراق على مقتدى الصدر أو المجلس الأعلى للثورة في العراق، بل شمل ميليشيات كأجنحة عسكرية ناشئة، ومنها جيش المهدي وفيلق بدر، كما أن تجربة حزب الدعوة وقوة القدس ساهمت في خلق بيئة خبرة قتالية وإدارة لمعارك الشوارع، وبالتالي مقارعة أي قوى سنية صاعدة في العراق ممن تضررت بسبب الممارسات الطائفية التي دشنها عهد نوري المالكي.
ولإظهار وحدة مصير وأسلوب عمل مشترك تم إنشاء كتائب حزب الله في العراق في تقليد مشابه لحزب الله اللبناني الذي يتمتع قادته العسكريون بعلاقات وثيقة بقادة هذه المنظمات التي تعمل في العراق.

هذا التحالف غير المعلن بين الحزبين يفسر وضع الولايات المتحدة الأميركية كتائب حزب الله على اللائحة السوداء في يوليو (تموز) 2009 بسبب الخطر الذي شكلته الكتائب على قوات التحالف وقوات الأمن العراقية، وبسبب دعمها للمتمردين والجماعات المنشقة التي يقوم عناصر حزب الله بتدريبهم على حرب العصابات واستخدام المتفجرات وأسلحة متنوعة ضد قوات التحالف.

مظلة إيرانية

نمت الميليشيات الشيعية بشكل عنقودي متصل بالأحزاب السياسية التي تمثلها، وبمظلة إيرانية مباشرة، وهو ما جعل تحركاتها مرتبطة بالمتغيرات السياسية في المنطقة، لا سيما في الساحة العراقية، وترفع هذه الميليشيات شعارًا يلقى قبولاً في الأوساط السياسية الغربية، وهو محاربة «داعش» ومحاولة إفشال مشروعها ببناء دولة راسخة في المنطقة، لكن هذا الشعار لا يحظى بمصداقية حقيقية بسبب إطلاق العديد من الميليشيات لمشاريع تهدد أمن منطقة الخليج وتحاول تقويض حالة الاستقرار فيها.
تهديدات هذه المنظمات من حزب الله إلى الأحزاب الشيعية ضد دول الخليج ترتكز على تذكية الطائفية والعمل على أجندتها الخاصة، وإن كانت تخالف أهداف قوات التحالف أو الاستقرار الإقليمي ومصالح الدول المستقرة في الخليج.

ولم تقف حدود وشره الميليشيات الشيعية العراقية عند نقطة معينة، بل وسعوا تأثيرهم إلى خارج العراق، ودخلوا في تحالفات كبيرة مع نظام الأسد في سوريا منذ بدايات عام 2013 كان من آثارها إرسال مقاتلين وتجنيد آخرين لصالح الحرب والدفاع عن نظام الأسد ومحاولة قطع الطريق على «داعش» في إحداث فارق هنالك، كما أن آخرين نقلوا من سوريا إلى العراق مجددًا بسبب تقدم تنظيم داعش.

وتشير التقارير الصحافية الميدانية إلى تمركز لواء أبو الفضل العباس، الميليشيا الشيعية في سوريا، وتجنيدها لمقاتلين أجانب بهدف تقوية نظام الأسد، وتفرع عن لواء أبو الفضل العباس لواء ذو الفقار، وفتح مقره في اللاذقية شمال سوريا، وهو ما يعني محاولة هذه الفصائل الشيعية إحداث فارق في المناطق التي فقدها النظام.
وبإزاء لواء أبو الفضل العباس هناك منظمة لواء ذو الفقار التي تنشط في مناطق العلويين وتنشر عشرات المقاتلين لحماية المنطقة، وهناك عشرات المناشير التي توزع على مناطق سورية تدعو إلى الانضمام إلى الميليشيات الشيعية المتحالفة مع إيران.

ويرى المحللون أن قوة وانتشار هذه الميليشيات، لا سيما أبو الفضل العباس، ساهمت في تأخير سقوط نظام الأسد رغم العديد من الصعوبات التي يمرون بها، لكنهم استطاعوا بفضل تركيزهم على مقاتلة «داعش» الحصول على الدعم من قبل إيران، وربما الصمت والتجاهل، على عكس فوضوية «داعش» من قبل المجتمع الدولي.

وربما كان الإعلان عن وفاة مقاتلين ينتمون لميليشيات ومنظمات شيعية متطرفة هو مفتاح البحث والسؤال لدى العديد من الباحثين والصحافيين عن الظاهرة، لتنهال التقارير حول وجود منظمات عديدة فقدت كوادر نوعية لها في العراق وسوريا، منها منظمة بدر وعصائب أهل الحق، وكثير منهم كان يرتدي شارات الجيش العراقي، بل وشعار قوات الأمن الداخلي وقوات التدخل السريع، وعكست الملصقات التذكيرية بالشهداء بروز شخصيات كان لها دور فعال في القتال، ومن أولئك قاسم جميل السلمي، وحسن هادي المرياني اللذان تصدرا لوحات كبيرة وتعلو فوق صورهما صورة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في إشارة رمزية تلخص القصة المتجاهلة للحضور الشيعي ضمن الميليشيات التي تعمق خرائب المنطقة على كل المستويات.

Previous ArticleNext Article
يوسف الديني
يوسف عبدالله الديني - كاتب صحفي من السعودية يكتب حالياً في جريدة الشرق الأوسط درس مبكراً الإسلاميات ثم تخصص في العلوم السياسية يهتم بظاهرة الإسلام السياسي والحالة الدينية المعاصرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.