• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari
مدوّنات

مظاهرات العراق.. انطلاق الوعي المخبوء

قوات الامن العراقية
قوات الامن العراقية
قوات الامن العراقية

كانت القوى والأحزاب الدِّينية، داخل العراق، تظن أنها نجحت في الاستغفال؛ وقدمت شعارات الإمام الحسين على أنها الشَّاغلة عمَّا يعاني العراقيون مِن سوء الحال؛ وأن هذا هو الحاضر والمستقبل الممتد معكوسًا مِن ماض مكتوب في الدَّفاتر، وعلى الأجيال العراقية أن تكتفي بقراءتها وتمثلها غذاءً للأرواح والأبدان، ولو أحصينا شعاراتهم التي قدموها في مواسم الانتخابات، ما وجدت واحدة منها خالية مِن عبارة: «طريق الحسين»، مع أنه ليس العراقيون وحدهم، إنما المسلمون كافة، لهم رأي غير أن الحسين قُتل مظلومًا، والفرق ليس الجميع يجيد توظيف تلك المظلومية، وتحويلها إلى أداة رزق، وسلم في السياسة.

غير أن هذه الظّنون ما هي إلا أوهام، فالزَّمن، الذي يعتقدونه ساكنًا قد تحرك، حتى جعلهم فاغري الأفواه، تحرك بحناجر شباب ولدوا في زمن الحروب والحصارات والاجتياحات، ولم يروا ظل دُنيا، مثلما يُقال، سوى أنهم صبروا ففاض بهم الكيل، وانتفضوا في السَّاحات ورفعوا شعارات كانت مفاجأة للقوى الطَّائفية والدِّينية، فمِن شروط المشاركة مع الألوف المؤلفة، وبالمحافظات وبغداد، أن لا يُرفع علم غير راية العراق، وتلك غريبة ومستغربة بل ومستهجنة مِن قبل القوى التي تعدت على اسم العراق كلَّ التعدي، ولم تترك لهؤلاء الشَّباب طريقًا غير الانفجار.
أما الشَّرط المتحضر الآخر فهو أنها «سلمية سلمية».. تجمعوا في الساحات لا يحملون غير لافتات كتبوا عليها مطاليبهم، وأولها محاسبة الفاسدين، على كلِّ فلسٍ أخذوه مِن غير وجهة حق، ومحاسبتهم على كل دم أُريق مِن دون حق.. محاسبتهم على تسليم رأس العراق «الموصل» لعصابة «داعش» في ليلة دهماء.. إعادة الأمن والاستقرار، وضع العراقي المناسب في المكان المناسب، تنظيف السُّلطة القضائية مِن الفاسدين، وعلى رأس هؤلاء رئيس القضاء، الذي ساهم بفعالية خلال السنوات الثماني في الفواجع.

لا نقول حصل تحول في الوعي العراقي، بل نهض الوعي المخبوء مِن عقول وصدور هؤلاء الفتية، وهم ينظرون إلى واقعهم الأليم.. تتحكم بهم أيدي اللؤماء باسم الدِّين، فانطلوا بالشعار هاتفين: «باسم الدين باكونا (سرقونا) الحرامية»! وما هي إلا لحظات ويظهر المعممون، مِن الذين استفزهم هذا الشّعار، فقال أحدهم وبسذاجة غير عادية: «لا تقولون (باكونا باسم الدين)، قولوا: (باكونا باسم الوطن)». خرج ناصحًا مِن دون أن يعلم أن القوى الدِّينية الحاكمة لم تذكر الوطن بشيء، إنما كانت تلهج بالدين والمذهب. قال هذا، وكأنهم لم يرفعوا شعار الدين، ولم يظهر أحد معتمري العمائم السياسية ليقول: «هؤلاء المتظاهرون.. يريدون دولة علمانية، لا يريدون الضبط الديني». تراه يتحدث بدولة دينية مطبقة غير معلنة.
ظن كثيرون أن العراقيين تخدروا بالشَّعار الطَّائفي، وسُيطر عليهم باسم الدِّين والحسين، وما أن خرجوا في ربيع 2011 حتى اتُهموا بالبعثية ومعاداة الدين، ونهشتهم القوى الأمنية، في ظل حكومة نوري المالكي، وانتهى الأمر، وإن ظهروا بالمناطق الغربية، فالطائرات جاهزة للقصف! كل هذه الممارسات انتهت، لم تعد صالحة، فالمتظاهرون لم يعطوا فرصة كي يتهموا ببعثية أو معاداة مذهبية، إنما شعارهم العراق، ولا يقبلون بينهم مَن يعتدي ويتجاوز على شعارهم المدني «سلمية سلمية».

حتى إيران أصبحت حائرة حرجة، كان يمكنها حماية أزلامها تحت ذريعة حماية الطائفة والعتبات المقدسة، وإذا الطائفة نفسها، بقضها وقضيضها تخرج هاتفة: «إيران برا برا.. بغداد صارت حرة». إنه وعي مخبوء لم يفارق العراقيين يومًا مِن الأيام، إلا أن الإرهاب والقوى الشريرة، من انتحاريين وقتلة، كأنهم تضامنوا مع الفاسدين، فما عاد العراقي يأمن الخروج في مظاهرة، وهو المحاصر بين عشائر الإسناد، التي أسسها أمين حزب الدعوة، والجماعات الإرهابية، لهذا سكتوا طول هذه السنوات، حتى جاء الصَّيف الساخن ليحرك فيهم روح المغامرة بمظاهرات شبابية، وكانت مظاهرات الكهرباء، وتجمعت الحشود لتتسع المطالبات إلى محاكمة الفاسدين، واجتثاث الفساد، ولن يحدث هذا دون الإطاحة بالرؤوس الحامية له.

ظن كثيرون أن العراقيين لا تنفع معهم ديمقراطية، ولا يعرفون الاحتجاج لتحسين أحوالهم، وابتعدوا عن طريق الوطنية، حتى غالى البعض وتطرف بالقول: «لا ينفعهم إلا الحجَّاج بن يوسف الثقفي»، (ت: 95هـ). لقد كَذَّبت انتفاضة الشَّباب تلك الادعاءات وفندتها على أرض الواقع؛ باحتجاجات أخذت تتسع وتتكرر في أيام الجمع، فبعد نزول الشَّمس، وقُبيل وقت الغروب، لتجنب الحر اللاهب، تلتهب القلوب وتتكاثف الجموع لتتحول إلى عاصفة بوجههم. وظُن أن هذا السُّكوت عدم اكتراث بما يحصل للمواطن والوطن، لم يكن سكوتًا، بل تأهبًا واستعدادًا واكتمالا للنضج، على ما قاله الشَّاعر النَّجفي محمد باقر الشَّبيبي (ت: 1960)، بما ينبيك أن حضارة وتاريخ هذه البلاد لا تذهب هباءً، تجد لها بين حين وآخر ظرفًا مناسبًا فتخضر أوراقها. قال الشَّبيبي:
أما العراق فإن في تاريخه
شرفًا يضيء كما يُضيء الفرقدُ
ليس السُّكوت مِن الخنوع وإنما
هذا السُّكون تجمع وتحشدُ
(عزُّ الدِّين، «الشّعر العراقي الحديث»).
إنها لحظات كانت منتظرة يعيد بها الفتية إلى عراقهم الهيبة والمكانة؛ بعد أن خطفتهما منه كائنات الطَّائفية والمحاصصة.

Previous ArticleNext Article
رشيد الخيّون
باحث عراقي متخصص في الفلسفة الإسلامية. من كتبه "100 عام من الإسلام السياسي بالعراق".

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.