• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari
بروفايل

فلاديمير بوتين..الرئيسُ الذي يَتَقَيْصَرُ زمن الإرهاب

photo

كتب: منصف المزغني

1 – لم يكن الرئيسٰ الروسي المستقيلُ «بوريس يلتسين» في نهاية القرن الماضي شبيهًا من قريب أو بعيد، بـ«بابا نويل».
– ولكنه قدّم هدية من العيار الثقيل في اليوم الأخير من السنة الميلادية الأخيرة التي انقلبت أرقامها الأربعة: 1999 لتصبح في اليوم الموالي أرقامًا أربعة أخرى: 2000.
– ولم تكن الهدية غير: تسليم مقاليد الرئاسة، بالوكالة، إلى بوتين.
– ولم تكن هدية رأس السنة تلك بلا ثمن، فقد تمّ اتفاق شفوي رجولي بين الطرفيْن:
يتمّتع بوتين بالرئاسة، ويتمتع يلتسين بالحصانة وعدم المتابعة القضائية له من جهة بوتين.
2 – لقد كانت فترة حكم يلتسين تعجّ بالفضائح التي لا يعرف تفاصيلها غير «بوتين» مالكِ أسرار المطبخ الرئاسي، والعالمِ بكل مكونات الطبخة في الطنجرة، وأصابع بوتين وحدها هي القادرة على الوضع أو رفع الغطاء، فهو ابن شرعي شرس وناعم من أبناء المخابرات الروسية (كي جي بي)، وهو العارف بتفاصيل الجميع: من الملاك إلى إبليس وصولا إلى الرئيس بوريس.
3 – أمسك بوتين برئاسة روسيا الاتحادية مرتيْن متتاليتيْن في انتخابات 2000 و2004. وحين اشتهى أن يمدّد الإقامة في الكرملين، اعترضه الدستورُ، فاخترع لعبةَ الكرّ والفرّ، واحترم الدستور، وعمل في حزبه (روسيا الموحدة) على مساندة مرشح الحزب «ديمتري ميدفيديف» في انتخابات سنة 2008، ليصير الأخير رئيسًا للدولة حتى ينصّب بوتين رئيسًا للحكومة.
– هكذا حفظ مبدأَ المقايضة، وحافظ على فروسية التعامل اللائقة برجالات المافيا والعصابات.
4 – ولكن في حياة «بوتين» يوجد «بوريس» آخر غير «يلتسين». إنّه العدوّ المعارض «بوريس نمتسوف» وهو يحتلّ واجهة المعارضة.
– في عرف الديمقراطية، كما يفهمها بوتين: يوجد المعارضون والصحافيون والقضاة ونواب الشعب في البرلمان مثل بضاعة في السوق، ويخضعون للبيع والشراء. وإذا استعصى أحد المعارضين على بوتين، فمن المحتمل أن يلقى حتفه على أيادٍ مجهولة كما هو الحال مع «بوريس نمتسوف» الذي أهدر دمُهُ أمام مبنى الكرملين، ولم يسكت بوتين عن الفعلة، وفتح فمه منددا بالاغتيال، وأمر بالتحقيق في الحادثة، وخرج الشارع ضد بوتين الذي اتهم بقتل الغريم السياسي، ثم طوت الأيام الملفّ، والعدالة أخذتْ مجرى الصمت.
5 – إنّ عوامل مثل: الدهاء المبَرْمَج، واللحظة التاريخية، وَاليانصيب المخابراتي والحظّ السياسي تحالفتْ كلّها لتجعل أنظار العالم تلتفت إلى بوتين حتى يصير أهمّ رجل في العالم. وَتحتلّ صورتُهُ أغلفةَ المجلات الكبرى.
6 – المعروف عن بوتين أنّه متمرّس بحسه المخابراتي العالي على تطويق الوقائع بستار عازل، ويده مبسوطة على وسائل الإعلام.
– وقبضته مرفوعة فوق القضاء للقضاء على القضاء.
– وولاعته كافية لإحراق ملفات أسرار علاقاته، ونفقاته، وصفقاته، فهو مثلا، يطلّق زوجته متى يريد هو، وليس متى تريد صاحبة الجلالة: الصحافة.
7 – والمعروف أيضًا عن بوتين أنه نجم في رياضة الجيدو، وطيار فـ١، وصياد حيتان كبرى. والمعروف أنه من مواليد 1952، ونشأ في أسرة فقيرة، ودرس الحقوق، ولكن ثروته المالية والعقارية وأسطول سياراته وطائراته عصية على الحصر والحسبان، فهي بحسب الأوساط المالية كثيرة، وتنام موزعة بين سويسرا والعقارات وأرقامها تدوّخ خيال الفقراء، فقد أكد «بيل براودر» لقناة «سي إن إن»: «السنوات العشر الأولى لحكم بوتين تميزت بنهب المال». وهو صاحب أسهم في كبريات شركات الغاز والنفط، و «ثروة بوتين تبلغ 200 مليار من الدولارات»، ويتجاوز «بيل غيتس»، ولكن، لا أحد يقدّرها بالضبط، وفي المقابل، فإنّ ثروته المعلنة رسميا لا تتجاوز شقة محدودة الأمتار في موسكو، واستوديو ودولارات معدودة في رصيده البنكي.
8 – حين غربت شمس 31 ديسمبر (كانون الأول) 1999، تذكّر بوتين أنه تسلم الرئاسة هدية من بوريس يلتسين.
– وقبل أن تغرب الشمس الأخيرة في سنة 2015، انتشر عطر جديد في أسواق روسيا اسمه: «فلاديمير بوتين».
– ولكن الأخير يُصابُ بحساسية في الأنف حين يتذكر رائحة البارود والصواريخ الروسية في الأرض العربية السورية، ويتشمّم رائحة احتراق طائرتين روسيتين: الأولى مدنيّة في سماء مصر متجهة إلى موسكو، والثانية عسكرية، أسقطها إردوغان في سماء تركيا.
– ونهاية عام 2015، هي أيضًا، تذكير بأن طموحات فلاديمير بوتين قيصرية في زمن جديد، وبعيدة جدًا عن «بابا نويل المسيحي» فـ«بابا نويل» الروسي ليس هاشّا باشّا بالأطفال في سوريا، أو أوكرانيا، وبصماته الأخيرة في ضمّ القرم إلى روسيا واضحة في إشعال الحرب الأهلية في أوكرانيا، وجنود روسيا في سوريا بعنوان الحرب على الإرهاب.
9 – قد يبدو القيصرُ في ثياب «بابا نويل»، يرنو إلى الحرب، ولا يهتم بالحب، ويكافح الإرهاب المعارض لنظام بشار الأسد، ويوهم بسطاء العرب بأنّ روسيا تبقى صديقة أصيلة، ولا حديث للقيصر الجديد إلا عن نيات السلام الطيبة، وصدّ الإرهاب.
– وأما مطامعه الغازيّة، ومنافعه النفطية، والجيوسياسية فتبدو غير خافية حتى على الأطفال الذين أصيبوا بالشيب من هَوْل الحرب.
– وهل لبابا نويل الروسي لغة أخرى غير لعبة الصواريخ؟
– ها هو ينسق مع نتنياهو للتحرك في سوريا، ويمارس الحرب على الإرهاب.
– ومن الممكن – إذا اقتضى الحال، وتأكدت المصلحة – أن يتخلّى عن النزال والقتال، وقد ينادي «داعش» رسميا إلى طاولة التفاوض والسلام!.

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.