قالت إن روايتها الأخيرة «حوادم» تعني أن حواء وآدم يساويان الإنسان الكامل - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

كتب

قالت إن روايتها الأخيرة «حوادم» تعني أن حواء وآدم يساويان الإنسان الكامل

الروائية بهيجة إدلبي
الروائية بهيجة إدلبي
الروائية بهيجة إدلبي

الإبداع بالنسبة للشاعرة والروائية بهيجة إدلبي ليس حالة طارئة على الذات، وإنما حالة متوحدة مع الذات.. هذا ما تؤكده في حوارنا هذا، فهي تقول ذاتها في كل ما تنتج، وهي ترى أن المبدع حين يقول ذاته يصبح الإبداع كينونته التي يعيشها كل لحظة. وعن عملها الروائي الأخير «حوادم» تقول: «في رواية (حوادم) التي تنتشل الكائن من لحظة الحاضر التي يحاصرها الدم والموت والحروب، تكون الرواية هي أسطورتي الذاتية في انفتاحها على أسطورة العالم الأولى وهو يتشكل في غربته عن فردوسه؛ ليس من أجل استعادة هذا الفردوس فحسب، وإنما لإقامة فردوسه الأرضي عبر التماهي بين ذاته والوجود، في لحظة وجد صوفية تزيح الحدود بين الكائنات، ليصبح الكائن الإنساني (حوادم) هو جوهر الماقبل والحاضر والمابعد».

* لنبدأ من عملك الروائي الأخير «حوادم».. تقولين: (حوادم في حساب الحروف.. حواء+آدم= الإنسان الكامل).. لماذا؟

– لأن صبغة الكائن التي فطر عليها، هي البحث عن كماله، لأن إدراكه هذا الكمال لذاته في التصور الصوفي، هو الذي يجعله يبرأ من الخطيئة التي أنزلته من فردوسه، ليحل في قلق السؤال. فقبل أن ينتبه الكائن لوجوده، وقبل أن يتهيأ هذا الكوكب، كان ثمة حلم، فرواية «حوادم» هي لحظة انتباهي للذات المنبثقة في الوجود، كي تستدرج حلمها الذي هاء لها منذ كانت لحظة الهبوط الحزينة. ولا شك أن الرواية في هذا الحساب هي بحث عن كينونة الرجل والمرأة، التي لا تكون إلا بالتكامل، ولهذا التكامل أسراره وخفاياه التي لا تدرك إلا إذا انتبه كل كائن إلى أسرار الكائن الآخر، وهذا ما استدرجه الحساب الكينوني الذي ينهض على رؤية الإنسان الكامل.
وفي الرواية استدرجت الرؤية الإنسانية الكامنة في هذا النحت اللغوي، الذي يكشف عن النحت والتشكيل الداخلي للكائن الإنساني وهو ينبثق من الكائن اللغوي، لأنه كان بالكلمة، وما زال يحلم بالكلمة.. فكانت «حوادم».

* عن أسطورة الوجود تتحدث هذه الرواية.. هل كان من السهل الكتابة عن موضوع عميق وشائك تعددت بشأنه الحكايا والأساطير؟

– الإبداع بشكل عام هو الوقوف على حافة القلق الممتد إلى ما لا نهاية، فما بالك إذا حلَّ الإبداع في حمأ القلق ذاته كي يؤول مرايا الرؤية التي تنجلي في لوح ذاته، قبل أن تنجلي في لوح النص، حينئذ ينذرئ النص في لا نهائية التأويل.
ولعل هذا التعدد في تأويل هذا الموضوع، إنما يكمن فيه الإغواء الذي يستدرج الذات المبدعة، لأنها تبحث عن تأويل مختلف، وعن كينونة جديدة. ولأن الإبداع نسبة إلى الذات هو خصوصيتها واختلافها عن أي ذات أخرى، فإن الاختلاف في النص ينشأ على خلفية هذا الاختلاف الذاتي، وهنا تكمن الصعوبة والسهولة، الصعوبة لأن الموضوع شائك ومتعدد الرؤى، والسهولة لأن الذات إنما تكتب ذاتها في تأويل ذلك.

* من خلال استحضار الماضي البعيد عبر هذا العمل ودمجه مع الحاضر بمآسيه؛ هل من رسالة قصدت إيصالها هنا؟

– لا يستوي الإبداع الحقيقي في مرآة ذاته والعالم، إلا إذا كان ثمة رسالة فضّض مرآته على خلفيتها، سواء أكانت رسالة موضوعية، أم رسالة آيديولوجية، أم رسالة إبداعية، أم رسالة جمالية، وإن كنت لا أميل إلى إدخال الأدب في عنق القصد الموضوعي، لأن ذلك يُخفت نوره الداخلي، ويخدش مراياه المصقولة، ولعلي أميل إلى أن أترك للقارئ تحديد ذلك، لأن الرسالة التي يسعى إليها هذا النص رسالة مفتوحة، كما النص ذاته، فهي رسالة عابرة للقصد كما النص عابر للتأويل.

* في هذا العمل نقرأ الشعر والنثر والتاريخ والأسطورة والخيال والواقع.. ما كل هذا التنوع؟

– هذا التنوع هو تنوع الذات في تلقيها للعالم، فقد أردت أن أكتشف سر الوجود عبر أجناس أدبية مختلفة، حيث يكون لكل جنس مرآته التي تتقابل مع المرآة الأخرى، وهنا يأخذ المعنى تعدده، ويُخرج الرواية من كونها حكاية، إلى كونها تجربة في الحكاية.

* الحالة الشعرية كانت قابضة بقوة على أجواء هذا العمل.. هل تعمدت أن تخرج هذه الرواية بهذه الصورة؟

– أنا أكتب الرواية بروح القصيدة، فثمة انتباه إلى حلول الخطاب الشعري، في الخطاب الروائي، سواء في فصل «ترانيم»، أو من «رسائل التيه»، أو «مزامير»، لتكون الرواية في كثافة المعنى محفوفة بكثافة الرؤية الشعرية التي هي أكثر مناسبة لهذا التشكيل الوجودي للكائن.. ولأنني أردت للشعر أن يكون السبيل إلى شد رؤى الوصل بين الرجل والمرأة ليكون العالم ممهورا بتوحدهما ويكون طافحا بحلمها وليكون البحث الكامن في ذاتيهما هو بحث عن الوجد الإنساني.. الوجد الذي لا ينتهي.

* هل يصلح أن يصنف هذا العمل في خانة الرواية إذا ما نظرنا للصورة التي خرج بها؟

– هذا الأمر يتصل بمفهومي للرواية بوصفها جنسا إبداعيا لا يُعرَّف، وكتابا معرفيا، فالرواية لدي ليست سردا حكائيا فحسب؛ وإنما هي جنس مفتوح على التجريب، شأنه شأن الأجناس الأخرى، إلا أن الرواية أكثر استجابة لهذا التجريب، فهي الجنس الوحيد الذي يستوعب كل الأجناس الأخرى، وهو الذي يستطيع أن ينهض عبر أي شكل؛ فالشكل الروائي هو ألا يكون له شكل نهائي، وأنا أنطلق في كتاباتي من هذا الحس التجريبي.

* ألا تربكك كل هذه الغزارة في إنتاجك الأدبي؟

– لا أعتقد أن ثمة إرباكا لذاتي في هذه الغزارة، لأن الفطرة التي أنشئت عليها ذاتي الإبداعية كامنة في سر هذا التعدد وهذه الغزارة، فالإبداع لدي ليس حالة طارئة على الذات، وإنما هو حالة متوحدة مع الذات، فأنا أقول ذاتي في كل ما أنتج، وحين يقول المبدع ذاته يصبح الإبداع كينونته التي يعيشها كل لحظة، ومن هنا يمكن أن يستغرب الآخرون من هذه الغزارة، إلا أن إدراك السر الإبداعي في الذات يخلخل هذا الاستغراب ويدخله في يقين المعنى.

* إذا كنا نريد إيصال ما نريد قوله من خلال الكتابة، فما الذي تبقى لديك ولم تعبري عنه مع كل هذا الإنتاج الغزير ما بين المسرح والشعر والرواية والقصة القصيرة وأدب الطفل؟

– تبقت لدي الحياة بغامضها اللامنتهي، فكلما انجلى جانب أشكل جانب آخر، فكل ما أنتج من أساطير وخرافات وكتابات مختلفة منذ بدء التشكيل الأول للكلمة حتى الآن لم يستطع أن يجلو جانبا بسيطا من هذا الغموض، وما زال السؤال مفتوحا أمام الكشف، والتأويل.. ومن هنا، إذا كان الوجود سؤالا، فثمة كثير من المحاولات للإجابة عن هذا السؤال. وهذا ما يجعل التجربة في الذات، هي المساحة المفتوحة لإبداع ما هو جديد دائما.

* مع التحولات التي شهدها الوطن العربي على الأرض.. إلى أي مكان سينقل النتاج الأدبي العربي برأيك؟

– ما حدث من تحولات أربك الكائن والمكان والزمان، وبالتالي أربك الحياة، ولأن الإبداع هو الحقل الأكثر استجابة لهذه التحولات، فثمة كشف جديد، وثمة رؤى مختلفة، ليس في مجال التعبير عما يحدث، ولا الدخول في قلق تلك التحولات على اختلاف مراميها، ورؤاها، وإنما لأن هذه التحولات أيقظت في الإبداع حركة فعل جديدة، ونبهته إلى مفازة العتمة التي كانت تستدرج المعنى إلى لحظة الاختناق.

* ماذا عن تأثيره على نتاجك بشكل خاص؟

– المبدع لا يستطيع أن يعيش عزلة لا نهائية، وإن كانت العزلة مساحة للصفاء والكشف، إلا أن ثمة مساحات أخرى يكتشف خلالها المبدع ذاته، وحضوره، وأثره، وأثر العالم في إنتاجه، أي إن المبدع يعيش عزلتين؛ عزلة عن العالم، وعزلة في العالم، وبين هاتين العزلتين يستدرج العالم إلى ذاته، كما تحل ذاته في العالم، لذلك فثمة أثر كامن في إنتاجي، ولا أقول واضحا لأنني لا أميل إلى التعبير المباشر عن أي تحول أيا كان، وإنما أميل إلى منح النص فرصة للتأمل، وفرصة لبصيرة في فهم ما يدور في العالم الموضوعي، وبالتالي قد لا ينجلي للقارئ هذا الأمر بالسهولة التي يتوقعها، وإنما يحتاج الأمر إلى معرفة تفكك النص حتى تنجلي أسراره وخفاياه، وهذا ما يمكن قراءته في رواية «حوادم» التي تنتشل الكائن من لحظة الحاضر التي يحاصرها الدم والموت والحروب، لتكون الرواية هي أسطورتي الذاتية في انفتاحها على أسطورة العالم الأولى وهو يتشكل في غربته عن فردوسه ليس من أجل استعادة هذا الفردوس فحسب؛ وإنما لإقامة فردوسه الأرضي عبر التماهي بين ذاته والوجود، في لحظة وجد صوفية تزيح الحدود بين الكائنات، ليصبح الكائن الإنساني (حوادم) هو جوهر الماقبل والحاضر والمابعد.
وكذلك الأمر يمكن قراءة ذلك في مجموعتي الأخيرة التي صدرت مؤخرا «ياقوتة الصمت» التي تفتح القصيدة على صمتها، كما تفتح الصمت على القصيدة.

غلاف حوادم
غلاف حوادم
الكاتبة في سطور:

– شاعرة وروائية وناقدة سورية -إجازة في اللغة العربية من جامعة حلب – دبلوم في التربية وعلم النفس.
– حصلت على جائزة الألوكة للرواية (جائزة أفضل نص مسرحي) السعودية، وجائزة الإبداع في الشارقة، وجائزة الصدى للرواية العربية – دبي، وجائزة دار الفكر للرواية العربية، وجائزة ناجي نعمان الأدبية – لبنان، وجائزة المزرعة للقصة القصيرة، وجائزة طنجة في المغرب العربي، وجائزة عكاظ للشعر.
– ترجم كثير من قصائدها إلى لغات مختلفة (الفرنسية – الإنجليزية – الإيطالية – البولونية – الرومانية).
– لها كثير من الكتابات الدرامية للتلفزيون والإذاعة.
– اختارها منتدى الصحافة العالمية بين أفضل الكتاب على مستوى العالم لعام 2009.
– صدر لها في الشعر عدة أعمال من اهمها: «في ساعة متأخرة من الحلم» – «أبحث عنكَ فأجدني» – «على عتبات قلبكِ أصلّي» – «خدعة المرايا» – «قالت لي السمراء» – «السمراء في برج الحداد» – «امرأة من خزف الروح» – «إشراقات الروح».وفي الرواية: «رحلة في الزمن العمودي» – «ألواح من ذاكرة النسيان» – «أبو زيد المبالي».وفي المسرح: «أوسع من الحب» – «مسرحية الرماد» – «المقهى» – «حكاية مدينة».ولها كذلك أعمال في النقد وأدب الطفل.

Previous ArticleNext Article
سجا العبدلي
صحفية عراقية مقيمة في لبنان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.