• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari
قضايا

المشاعر الشخصية وخداع الرأي العام الأميركي رسمت معالم شرق أوسط ملتهب

بن رودز نائب مستشار الأمن القومي لشؤون الاتصالات الاستراتيجية في إدارة الرئيس الأميركي يناقش باراك أوباما في مكتبه بالبيت الأبيض (غيتي)
بن رودز نائب مستشار الأمن القومي لشؤون الاتصالات الاستراتيجية في إدارة الرئيس الأميركي يناقش باراك أوباما في مكتبه بالبيت الأبيض (غيتي)
بن رودز نائب مستشار الأمن القومي لشؤون الاتصالات الاستراتيجية في إدارة الرئيس الأميركي يناقش باراك أوباما في مكتبه بالبيت الأبيض (غيتي)

سيرحل أوباما عن البيت الأبيض بعد أشهر قليلة، لكن تركته الثقيلة الخارجية ستبقى عبئا على الرئيس القادم، أما التاريخ فسيسجل عليه وقوفه موقف المتفرج على المجازر التي قضت على أطفال سوريا، في حين كان يمكن أن ينقذ كثيرين منهم.

أفاد مصدر مطلع في البيت الابيض الاميركي أن بنيامين بن رودز، نائب مستشار الأمن القومي الأميركي، يعد الشخص الأكثر التصاقا بالرئيس أوباما منذ لحظة التحاقه بإدارته.
وكشف المصدر ، طريقة إدارة الرئيس وفريقه للسياسة الخارجية الأميركية، وأكد أن المشاعر الشخصية وخداع الرأي العام الأميركي أفضيا في نهاية المطاف إلى رسم معالم شرق أوسط ملتهب، أسقط من خريطته ثلاثة بلدان، وأشعل لهيب حروب فيها من الوحشية ما يفوق الحروب العالمية، ربما لأن التوثيق لها أسهل مع التطور التكنولوجي الحديث.
يقول المصدر – الذي طلب عدم الكشف عن أسمه- إنه بالإضافة إلى كتابة بن رودز خطابات الرئيس، وترتيب رحلاته الخارجية، والتخطيط لاستراتيجية البيت الأبيض للتواصل، فإنه وبحسب كثر من الزملاء الذين عملوا في البيت الأبيض، الأكثر تأثيرا على السياسات الخارجية للولايات المتحدة بعد الرئيس.
رودز لا يملك خبرة سياسية أو عسكرية، أو حتى شهادة في العلاقات الدولية، التي غالبا ما تكون لدى شخص بتلك المهام. هو بدأ حياته كاتب قصص قصيرة. اهتمامه بالسياسة جاء نتيجة الصدمة التي تلقاها في 11 سبتمبر (أيلول) عندما شاهد طائرة تتحطم على أحد برجي نيويورك.
هذه القفزة النوعية من كاتب قصص قصيرة إلى رئيس المدونين للجنة «بايكر هاملتون»، وصولا إلى التأثير على السياسة الخارجية، لم تكن ممكنة من دون شخص آخر – أوباما – لم يكن يملك من الخبرة في الحكم ما يؤهله لأن يصير رئيسا للجمهورية.
يجمع الشخصين على كل الأحوال شعور بالازدراء، الأول – الرئيس – لكل ما تمثله الولايات المتحدة من قوة عالمية، والثاني – رودز – لكل ما تمثله السياسة الخارجية الأميركية.

القيادة من الخلف

التغيير كان عنوانا لحملة الرئيس أوباما، على هذا الأساس انتخب.الباقي قد يبدو تفصيلا: الانسحاب العسكري من مناطق النزاع في الشرق الأوسط، ثم تسليمها إلى إيران ومحورها، والتخلي عن الحلفاء التقليديين، والقيادة من الخلف..
تفصيلا أفضى في نهاية الأمر إلى كارثة إنسانية في بلدان الشرق الأوسط، وإلى فوضى حتى كوندوليزا رايس لم تكن لتحلم بمثلها. الشرق الأوسط وبفضل الرئيس ومستشاره أصبح مرتعا للمتشددين والإرهابيين.
كل هذا لم يكن ممكنا من دون خداع الرأي العام الأميركي والعالمي واستعمال الصحافة والصحافيين، من أجل تمرير الاتفاق النووي الإيراني لدى الرأي العام والكونغرس على حد سواء، وبالتالي تلزيم المنطقة لإيران وحلفائها.

حروب إيران ومليشياتها في المنطقة تحصد مئات آلاف الأبرياء وتهجر الملايين

لم يختلف أوباما ورودز عن سلفه في مواجهة معترضيه. فهم إما معه وإما ضده. أقنع أوباما الأميركيين أن المفاوضات مع إيران بدأت مع التيار الذي يمثله روحاني والذي حمله إلى الرئاسة. وهذا ما اتضح أنه خداع للرأي العام. فالمفاوضات بدأت قبل روحاني أو مع من يمثل خامنئي في تلك الأمور المهمة. أوباما أوهم العالم والأميركيين أن انتخاب روحاني قد يؤذن بتغيير في إيران، وقلل من أهمية البرنامج النووي، وفي هذا أيضا خداع. فإيران لم تغير قط من سياساتها الإرهابية حول العالم بعد روحاني. أقنع الأميركيين أنه مع رحيل الأسد، فيما أرسل روبرت مالي ليتفق مع مبعوث بوتين على بقائه.
يقول الكاتب الصحافي ديفيد صامويلز في مقال لـ«النيويورك تايمز»: «استعمل أوباما كل الأسلحة المتاحة ضد معارضيه. سرب للصحافة قضية الرسائل الإلكترونية لوزيرة خارجيته في وقتها هيلاري كلينتون، من أجل حثها على الانتظام في صفوف المؤيدين للاتفاق مع إيران. ثم لمح من خلال قناة الـ«CBS» التي يرأس مجلس إدارتها شقيق بن رودز إلى أن ثمة في الصفحات الثماني والعشرين المحفوظة من تقرير 11 أيلول ما يدين المملكة العربية السعودية، من أجل حثهم على الرضوخ لفكرة نفوذ إيران في المنطقة ولو على حساب أمنهم القومي».
أوباما إذن، لم ينسحب من المنطقة كما اعتقد البعض، بل كان له أثر فيها بشكل أفاد أعداء حلفائه التقليديين. وهو لم يترك للدول العربية تقرير مصيرها، بل أمعن في الوقوف بوجهها بشكل لا يقبل الشك.

انحياز أوباما لإيران

لم يخف يوما الرئيس الأميركي باراك أوباما انحيازه لإيران؛ من التراجع عن معاقبة الأسد، إلى فتح أبواب المتوسط لروسيا، مرورا بمحاربة الإرهاب «السني» حصرا، وصولا إلى اعترافه بوجوب المحافظة على مصالح الإيرانيين والروس في سوريا في مؤتمره الصحافي السنوي الأخير، ومن ضمنها بقاء الأسد لفترة انتقالية غير محددة زمنيا. وبحسب المراقبين،هناك ما هو غير معلن في السياسة المتبعة من قبل إدارة البيت الأبيض، مثل الضغوط الممارسة على تركيا والمملكة العربية السعودية والأردن، من أجل وقف دعمهما لفصائل المعارضة المعتدلة في سوريا، وقد يدخل اغتيال زهران علوش في هذا السياق.
استطاع أوباما أن يحول بفعل انحيازه لإيران منطقة الشرق الأوسط إلى فلوجة أخرى مضاعفة المساحة.
على كل الأحوال الرئيس أوباما استفاد من أمرين اثنين في عهده من أجل تمرير سياسته الخارجية: رفض اليسار الأميركي أي تدخل في حرب جديدة في الشرق الأوسط، وخوف اليمين الأميركي من الإسلام السني خصوصا، وعلى هذا الأساس بنى نظريته الغريبة حول التوازن بين السنة والشيعة بشكل يعترف فيه بنفوذ لإيران يتخطى حدودها وقدراتها. والأهم أنه يضعها في مواجهات كثيرة مع القوى الإقليمية.

تركة أوباما

إذَنْ سيكون إرث الرئيس الذي يقضي أيامه الأخيرة في البيت الأبيض مثيرا للجدل على عكس ما تمناه طوال عهده. فهو يترك العالم أقل أمانا منذ تسلمه السلطة قبل ثمانية أعوام، وهو الذي وعد بالقضاء على الإرهاب، فإذا بنا نرى ازدياده كما ونوعا ليضرب أينما شاء بسهولة وحرية أكبر، من باريس إلى بروكسل إلى تونس إلى مصر.
ينهي الرئيس أوباما عهده فيما ثلاث دول زالت عن الخريطة وأربع حروب قائمة تحصد مئات آلاف الأبرياء وتهجر الملايين، فيما أصبح لـ«القاعدة» سلف أكثر تطورا وأوسع انتشارا، وأكثر دموية وعنف، يجذب الشباب من كل أنحاء العالم الذين يهرعون للانضمام إلى صفوفه.

لم يخف يوما الرئيس الأميركي انحيازه لطهران من التراجع عن معاقبة الأسد، إلى فتح أبواب المتوسط لموسكو، مرورا بمحاربة الإرهاب «السني» حصرا

البعض ظن في معرض تحليلهم لسياسات الرئيس أوباما أنه لا يكترث بما يجري من حوله، خصوصا أنه بنى حملته على فكرة سحب الجيش الأميركي من الشرق الأوسط وحروبه. والبعض ظن أن انسحابه من المنطقة سيجعل الدول الشرق الأوسطية تتحمل مسؤولياتها الداخلية والإقليمية، وتواجه مشكلاتها، وتسعى لحلها من دون تدخلات غريبة.
كان يمكن لهذا المنطق أن يستوي لو لم يكن الرئيس أوباما في مقاربته لمشكلات الشرق الأوسط الكثيرة من سوريا إلى العراق إلى اليمن منحازا بالكامل إلى فريق محدد وهو إيران.
فهكذا نكتشف أن الرئيس أوباما نفسه لم يتفاجأ باستعمال الرئيس الأسد السلاح الكيماوي في الغوطة، بل هو أحرج، لأن كل تقارير الاستخبارات التي وصلته أكدت له استعمال الأسد السلاح المحظور قبل مجزرة الغوطة بأشهر. ومع ذلك لم يحرك ساكنا.

والآن نكتشف لماذا وضع الرئيس أوباما في بدايات الثورة السورية «جبهة النصرة» على لائحة المجموعات الإرهابية، ليس لأن «النصرة» تمارس إرهابا أكبر من الإرهاب الذي يمارسه الأسد، بل لمعرفته مسبقا أن «النصرة» مجموعة قتالية جدية تستطيع إلحاق كثيرا من الهزائم بقوات الأسد وحلفائه الإيرانيين.
بل هو ذهب أبعد في الانحياز الكامل لإيران عبر إرساله مرارا مسؤولين في إدارته للضغط على الدول الداعمة للثورة، وحثهم بالامتناع عن تسليح مجموعاتها. هذا ما لمسه الرأي العام عند تعثر ما سمي عاصفة الشمال على حدود مطار الثعلة.
كما لم يسلم الثوار من انتقادات قاطن البيت الأبيض – حتى الذين اعتبرهم معارضة معتدلة – حيث اتهمهم بإفشال اجتماعات جنيف والسعي لإطالة أمد الحرب.

سوريا والعراق واليمن

أرسل أوباما روبرت مالي، مسؤول مجلس الأمن القومي، للاجتماع بالمسؤول الروسي لافرنتييف لوضع مسودة الدستور الجديد المكتوب في دمشق التي تبقي الأسد في سدة السلطة، بعد أن أكد الرئيس مرارا وتكرارا أن لا مكان للأسد في سوريا.
أما في العراق فتحرير تكريت والرمادي وبعض المناطق الأخرى التي يسيطر عليها «داعش» لم يكن ممكنا من دون الدعم الجوي الأميركي الكبير الذي أتاح لوكلاء إيران في التقدم والتفوق على «داعش»، وتشريع منطق الميليشيات بدل منطق الدولة وسيادة قانون الغرائز المذهبية بدل العدالة، ليصبح تدخل أوباما العسكري يصب لصالح إيران أيضا، ويبقى إذ ذاك أسباب الحرب المذهبية قائمة.
ينهي الرئيس أوباما عهده على وقع اتفاق أميركي إيراني يسمح لتلك الأخيرة التخلص من العقوبات الاقتصادية التي أنهكت كاهلها، من دون ضمانة عدم مضيها في تطوير أسلحتها النووية، والأهم الاستمرار في تصدير «ثورتها» من دون أن تقدم لساكن البيت الأبيض أي تنازلات مقابل تلك المكاسب الكبرى التي حققتها من الاتفاق. اتفاق خرق النظام الإيراني بنوده من خلال مضيه قدما بتجاربه الصاروخية الباليستية من دون أن يكترث لردة فعل البيت الأبيض التي تجاهلت الأمر تماما، كما تجاهلت الصور المذلة للبحارة الأميركيين الجاثين على ركبهم كأسرى حرب والمسربة من قبل الحرس الثوري الإيراني.
ووصل حد انحياز أوباما دعوته العالم إلى الاعتراف بمناطق نفوذ لإيران حتى خارج حدودها، وهو ما لم يخفه أمام القادة العرب المجتمعين في كامب ديفيد، وحث العرب على الامتثال لتلك الدولة. عارض دفاع المملكة العربية السعودية عن أمنها القومي عند إعلانها «عاصفة الحزم».

بن رودز من قاص مغمور إلى الساعد الأيمن للرئيس أوباما

بنيامين (بن) جي رودس (وُلد في عام 1977) هو نائب مستشار الأمن القومي لشؤون الاتصالات الاستراتيجية في إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، وهو مستشار الاتفاقية الشاملة للبرنامج النووي الإيراني. منصبه الرسمي هو «مساعد الرئيس ونائب مستشار الأمن القومي لشؤون الاتصالات الاستراتيجية وكتابة الخطابات». تم تعيين رودس كاتبا لخطابات السياسة الخارجية لأوباما منذ عام 2007.
وُلد رودس بالجانب الشرقي من مانهاتن. والده أسقف من ولاية تكساس، وأمه يهودية من نيويورك. ذهب رودس إلى مدرسة كوليجيات وتخرج في عام 1996. ثم التحق رودس بجامعة رايس ليتخرج في فاي بيتا كابا عام 2000 بعد أن تخصص في اللغة الإنجليزية والعلوم السياسية. بعد ذلك، عاد رودس إلى نيويورك ليلتحق بجامعة نيويورك ويتخرج في عام 2002 بدرجة الماجستير في الكتابة الإبداعية. أما شقيقه، ديفيد رودس، فهو رئيس (سي بي إس نيوز).وفي صيف عام 1997. تطوع رودس للعمل ضمن حملة رودي جولياني في الانتخابات البلدية. وفي صيف عام 2001. عمل في حملة ديانا رينا في انتخابات مجلس مدينة نيويورك.
في عام 2002. قدم جيمس غيبني، رئيس تحرير «فورين بوليسي»، رودس إلى لي هاملتون، العضو السابق في مجلس النواب ومدير مركز وودرو ويلسون الدولي للباحثين، والذي كان يبحث عن كاتب للخطابات. قضى رودس خمس سنوات كمساعد لهاملتون، حيث ساعده في صياغة تقرير مجموعة دراسة العراق وتوصيات لجنة الحادي عشر من سبتمبر (أيلول).
في عام 2007، بدأ رودس في العمل ككاتب خطابات لحملة أوباما للانتخابات الرئاسية التي أجريت عام 2008.
كتب رودس خطاب أوباما الذي ألقاه بالقاهرة عام 2009 تحت عنوان «بداية جديدة». وكان رودس المستشار الذي نصح أوباما بسحب دعمه للرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، مما جعل رودس مستشارًا أساسيا أثناء أحداث الربيع العربي عام 2011. وفي شهر مارس (آذار) عام 2013. رفض رودس التعليق عن دوره في قرارات إدارة أوباما المتعلقة بالسياسات قائلاً إن «وظيفتي الأساسية، التي كانت ولا تزال دائمًا، هي أن أكون الشخص الذي يمثل وجهة نظر الرئيس في تلك القضايا».واعترف رودس بتضليله للصحافيين بشأن الخط الزمني الصحيح للمفاوضات الأميركية مع إيران حول الاتفاق النووي الذي تم التوصل إليه مؤخرا، حيث اعتمد على صحافيين صغار وعديمي الخبرة لاستحداث «غرفة صدى» لترديد المعلومات بهدف التأثير على الرأي العام لتوقيع الاتفاق.في عام 2011، أدرج رودس في قائمة مجلة «تايم» «40 تحت سن الـ40» والتي تضم أسماء الشباب البارزين الأكثر تأثيرا. رودس متزوج من آن نوريس، كبيرة مستشاري السياسة الخارجية للسيناتور باربارا بوكسر.

Previous ArticleNext Article
إيلي فواز
كاتب ومحلل سياسي وباحث اكاديمي ،مستشار في وسائل الإعلام والاتصالات اللبنانية. يكتب عمودا أسبوعيا في "لبنان الآن" و"ديللي ستار".شارك في تأليف كتاب "لبنان: التحرير والصراعات والأزمات في الشرق الأوسط (تحت المجهر)".

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.