قصف مستشفيات «حلب» دفع الأطباء لنقل المرضى إلى «أعشاش الدجاج» - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

مجتمع

قصف مستشفيات «حلب» دفع الأطباء لنقل المرضى إلى «أعشاش الدجاج»

صبي سوري يتلقى العلاج في مركز صحي مؤقت بمدينة درعا بعد أن أصيب في رأسه بشظايا خلال هجوم صاروخي لقوات نظام بشار في 25 أبريل الماضي على الجزء الذي يسيطر عليه الثوار من المدينة (غيتي)
صبي سوري يتلقى العلاج في مركز صحي مؤقت بمدينة درعا بعد أن أصيب في رأسه بشظايا خلال هجوم صاروخي لقوات نظام بشار في 25 أبريل الماضي على الجزء الذي يسيطر عليه الثوار من المدينة (غيتي)
صبي سوري يتلقى العلاج في مركز صحي مؤقت بمدينة درعا بعد أن أصيب في رأسه بشظايا خلال هجوم صاروخي لقوات نظام بشار في 25 أبريل الماضي على الجزء الذي يسيطر عليه الثوار من المدينة (غيتي)

كولورادو (الولايات المتحدة): بيتسي جوزيه*

أكدت جوان ليو، رئيسة منظمة «أطباء بلا حدود»، خلال الخطاب الذي ألقته أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 3 مايو (أيار) أن «تقديم الرعاية الصحية لا يجب أن يتحول إلى حكم بالإعدام». فقبل ذلك بعدة أيام، كانت القنابل قد انفجرت في مستشفى القدس في حلب؛ مما أسفر عن مقتل آخر طبيب أطفال بالمدينة، وبعدها تم استهداف مستشفى ولادة تابع للحكومة السورية. وصوت مجلس الأمن بالإجماع لصالح إصدار قرار يطالب بتقديم المزيد من الحماية للعاملين في مجال الرعاية الصحية ومرضاهم ومستشفياتهم. ووفقا لما قاله الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون: «في معظم الأحيان، لم تكن الهجمات على منشآت الرعاية الصحية والعاملين بها عمليات فردية أو حوادث غير مقصودة، ولكنها كانت أهدافا عمدية للمقاتلين»، وأضاف: «هذا عار وغير مقبول».
لا يقتصر الاستهداف المتعمد للمستشفيات ولأطقم العمل الطبية على الحرب السورية، بل إنه يمتد إلى جنوب السودان وسريلانكا . وفي الحقيقية، فإن المشكلة عميقة للغاية لدرجة أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر قد بدأت مشروعا جديدا تحت عنوان «الرعاية الصحية في خطر»؛ لكي تعزز الوعي بتلك المشكلة المنهجية.
ولكن الموقف في سوريا غير مسبوق على نحو ما. فوفقا للمنظمة الأميركية «أطباء من أجل حقوق الإنسان» فإن «مدى وحشية الهجمات على المنشآت الطبية السورية والعاملين بالرعاية الصحية غير مسبوق»، وذلك خلال الثلاثين عاما التي تم توثيق الهجمات على الرعاية الطبية فيها. ويؤيد مايكل فان روين، مدير مبادرة هارفارد الإنسانية، ذلك قائلا: «لقد كانت سوريا هي أبرز وأهم نموذج» على الاتجاه المتنامي للهجمات المتعمدة على مؤسسات الرعاية الصحية. وتزايد الوضع سوءا إلى حد أن العاملين في الرعاية الصحية والمنظمات غير الربحية اضطروا إلى تقديم الرعاية في أماكن غير متوقعة، مثل المصانع والكهوف وأعشاش الدجاج.
وعلى الرغم من أن الوفيات والإصابات الناجمة عن الهجمات على المستشفيات تعد أمرا مأسويا، فإن الآثار بعيدة المدى ربما تكون أكثر ضررا؛ نظرا إلى أنها ستؤثر في توافر الرعاية الصحية الروتينية التي تقدم لمعالجة الأمراض التقليدية، ومن ثم فلا عجب أن استهداف البنية التحتية لمؤسسات الرعاية الصحية يعد جريمة حرب وفقا للقانون الدولي الإنساني.

اللجنة الدولي للصليب الأحمر

إذن لماذا ما زالت ترزح تحت وطأة العنف؟ بعيدا عن كثير من العوامل المتعلقة بالنزاع ذاته، فربما يلعب القانون الدولي الإنساني ذاته دورا في ذلك، وذلك حيث إن الرعاية الطبية خلال النزاع ترتبط ارتباطا وثيقا بتاريخ القانون الدولي الإنساني المدون. فكان هنري دونان، مؤسس اللجنة الدولي للصليب الأحمر، قد تأثر تأثرا شديدا بحالة الجنود المصابين لدرجة أنه أنشأ تستهدف وضع قوانين دولية تعمل على حمايتهم. وسرعان ما تم توسيع قائمة الأشخاص الذين يحظون بالحماية ليتضمن العاملين بالرعاية الصحية والمستشفيات التي تقدم رعاية غير منحازة لجميع المقاتلين والمدنيين المصابين.
ولكنَّ نظام الحماية ما زال غامضا فيما يتعلق بعدد من المفاهيم الرئيسية، فعلى سبيل المثال، فإن القانون ليس واضحا تماما فيما يتعلق بالقواعد التي تجعل الوحدات الطبية مؤهلة للحماية التي توفرها. فوفقا للبروتوكول الإضافي الثاني الملحق باتفاقيات جنيف، تحظى الوحدات الطبية بالحماية «إلا إذا كانت تستخدم لارتكاب أفعال تتنافى مع وظيفتها الإنسانية للإضرار بالعدو». ومن جهتها، ذكرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر: «إن القانون الدولي الإنساني لا يحدد مفهوم «أفعال تضر بالعدو»، كما لم يحدد عواقب محددة لعدم حصولها على الحماية أو المدة التي ستخسر فيها تلك الحماية»، فعلى سبيل المثال، فإذا شاركت مستشفى في «أفعال تضر بالعدو»، هل تصبح بالضرورة هدفا عسكريا مشروعا أم أنها تستعيد وضعها المدني؟

النزاعات الدولية المسلحة

ومن جهة أخرى، فإن البروتوكول الإضافي الأول، الذي ينظم النزاعات الدولية المسلحة، يقدم بعض المساعدة من خلال وضع قائمة بالأنشطة التي لا تحرمها من الحماية بما في ذلك تسليح الأفراد لحماية المنشأة، والحصول على حراس، ومعالجة أفراد القوات المسلحة أو غيرهم من المقاتلين. ولكن البرتوكول الإضافي الثاني الذي يتعلق بالنزاعات المسلحة غير الدولية، وهو التصنيف الذي ينطبق على سوريا وفقا لبعض الأكاديميين القانونيين، لا يتضمن مثل تلك الفقرات.
ولا تقتصر هذه اللغة الغامضة على المناقشات الثقافية الأكاديمية؛ حيث إن له عواقب في العالم الحقيقي، فعلى سبيل المثال، وبعد الهجوم على مستشفى القدس، أصدر النظام السوري تصريحا يحتج فيه قائلا: «إن المتمردين الجهاديون يهيمنون على أجزاء كبيرة من الشرق بما في ذلك جبهة النصرة ذات الصلة بتنظيم القاعدة… ومن ثم فإن المستشفيات الخاضعة لسيطرتهم تعد أهدافا مشروعة. ويتفق هذا الموقف مع مرسوم أصدره النظام في الأيام الأولى للنزاع يجرم تقديم الرعاية الطبية في المناطق التي يهمن عليها من يعدون إرهابيين.

مدير مبادرة هارفارد الإنسانية : سوريا أبرز نموذج لوحشية الهجمات المتعمدة على المنشآت الطبية

وفي تقرير صدر في عام 2015.توصل الأكاديميون القانونيين البارزون داستن إيه لويس، وناز كيه موديرزاده، وجابريلا بلوم إلى أن سياسة الأمم المتحدة تعتبر أيضا تقديم الرعاية الطبية لأعضاء تنظيم القاعدة أمرا غير مسموح به على الرغم من أن القانون يدعو إلى عدم الانحياز في تقديم الرعاية الطبية: «تشير تلك المراجع إلى أن لجنة العقوبات، وبالتالي هيئتها الاستشارية – مجلس الأمن نفسه – تنظر إلى الرعاية الطبية والموارد الطبية باعتبارها شكلا من أشكال الرعاية غير المسموح تقديمها لتنظيم القاعدة والجماعات التابعة له.
إذن ما الذي يمكن عمله بعيدا عن إنهاء النزاع أو على الأقل توفير مناطق إنسانية آمنة؟ أمام المجتمع الدولي خيارات محدودة. يجب عليه أن يستمر بقوة في إدانة مثل تلك الأفعال كما فعلت الأمم المتحدة وعدد من الدول والمنظمات غير الحكومية بعد الهجمات على المستشفيات والأطقم الطبية في سوريا. فعلى الرغم من أن الجماعات الرئيسية التي تعمل على القضية قد تحدثت بصراحة عن القضية، أعرب ليو وبيتر ماورير، رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر، عن إحساسهم بالخطر تجاه ما يرونه القاعدة الجديدة: «هناك حالة خطرة من الطمأنينة الزائفة لدرجة أن مثل تلك الهجمات أصبحت تبدو أمرا عاديا. وأصبح استهداف المدنيين والمنشآت المدنية جزءا أساسيا من نسيج النزاعات المسلحة الحالية.. وأصبحت المنشآت الصحية جزءا من (اللعبة العادلة)».
كما ذكرا أن الجنة الدولية للصليب الأحمر وثَّقت في الفترة بين 2012 و2014 نحو 2400 هجوم ضد منشآت الرعاية الصحية في 11 دولة فقط، ومع ذلك مرت تلك الحالات دون أن يشار إليها، حتى من قبل الأمم المتحدة؛ حيث لم تقر الجمعية العامة للأمم المتحدة بحدة الهجمات ضد المؤسسات الطبية والعاملين بها في النزاعات في جميع أنحاء العالم حتى عام 2014. على أية حال، فأن تصل متأخرا خير من ألا تصل أبدا، ولكن الصمت على انتهاك القوانين لا يضعف فقط هذه القوانين، ولكنه يوفر أيضا المساحة لحدوث انتهاكات أخرى ربما أكثر خطورة.

أطباء بلا حدود

وثانيا، يجب على المجتمع الدولي أن يحاسب من ينتهكون القوانين والأعراف، فقد انسحبت مؤخرا منظمة «أطباء بلا حدود» من القمة العالمية للعمل الإنساني، وأطلقت عليها «ورقة توت تخفي العورات تحت ستار من النوايا الطيبة»؛ وذلك نظرا إلى أنها لم يكن لديها خطة جدية للتعامل مع منتهكي القانون الدولي الإنساني سواء كانت الدولة أو غير الدولة، كما أن الإدانات، على رغم ضرورتها وأهميتها، لا تستطيع سوى الحفاظ على نظام الحماية.
وثالثا وعلى المدى البعيد، يحتاج المجتمع الدولي إلى أن يوضح ما هو غامض في القوانين لمنع بعض المعتدين المحتملين من إخفاء جرائمهم تحت عباءة الشرعية. كما يحتاج النظام القانوني الذي ينظم النزاعات المسلحة غير الدولية إلى عناية خاصة؛ حيث إنه أقل تطورا من النظام الذي ينظم النزاعات المسلحة الدولية. وهو ما يرجع في جانب منه إلى أن السيادة أصبحت أهم من حماية المدنيين في النزاعات الداخلية.

رئيسة منظمة «أطباء بلا حدود»: القانون الدولي أخفق في سوريا

ورابعا يجب أن يمنح الأكاديميون والممارسون المزيد من الوقت للبحث في انتهاكات القانون الإنساني. فوفقا ليونارد إس روبنستاين، من كلية جونز هوبكنز بلومبرج للصحة العامة، وميلاني بيتل من معهد السلام الأميركي: «لا توجد تقارير منهجية حول الهجوم على المؤسسات الطبية في النزاعات المسلحة، ولا تحدث مراجعة شاملة لنطاق المشكلة» منذ سنوات بعيدة. ومن دون تقدير ما الذي يحدث على الأرض، لا يستطيع المراقبون أن يفهموا حجم وأسباب هذا النوع من جرائم الحرب، كما يمكن أن يساعد هذا النوع من البحث أيضا في تحديد الطريقة المثلى لتحسين القوانين الإنسانية الدولية. وعلى الرغم من أن الجهود المماثلة لمشروع الرعاية الصحية في خطر التابع للجنة الدولية للصليب الأحمر تعد خطوة ضرورية في الاتجاه الصحيح، فإن هناك المزيد الذي يجب عمله.
ولا توجد مبالغات في أهمية حماية المنشآت الطبية والعاملين بها؛ حيث كان يجب إنقاذ طبيب الأطفال محمد وسيم معاذ الذي ظل في منطقة النزاع لتقديم الرعاية الصحية الضرورية. ويجب أن يكون لموته، وجرائم الحرب المشابهة في جميع أنحاء العالم، عواقب. ومن جهة أخرى، سيرسل اتخاذ موقف واضح في سوريا الآن إشارة قوية للمعتدين في النزاعات الأخرى. وكما ذكر ماورور في الأمم المتحدة «فإن الهجوم على مستشفى أو تهديد طبيب، أو إجبار ممرضة على تقديم معاملة خاصة للمقاتلين المسلحين واختطاف سيارات الإسعاف واستخدام المرضى كدروع بشرية، لا تعد أضرارا جانبية؛ فهذه ليست حقائق مؤسفة يجب علينا اعتيادها، لكنها جرائم يجب محاربتها وتوجهات يجب ردعها، فالآن أصبح على العالم الانتباه.

*أستاذ مساعد في العلوم السياسية في جامعة كولورادو – دنفر

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.