• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

عروض

قراءة في كتاب «أطفال الجنة.. الصراع على الروح في إيران» للكاتبة لورا سيكور

إيرانية تناصر الفريق الإيراني
«الحركة الخضراء» التي اجتمعت احتجاجا على نتائج الانتخابات الرئاسية في عام 2009
«الحركة الخضراء» التي اجتمعت احتجاجا على نتائج الانتخابات الرئاسية في عام 2009

نيويورك: إرفاند أبراهاميان*

• إرث مفكرو الستينات والسبعينات يشكل السياسة الإيرانية ومن أبرزهم عالم الاجتماع، علي شريعتي والناقد الاجتماعي جلال آل أحمد
• تخلى الخميني عن المؤسسين لقواعد الثورة و أسس دستورا جديدا يعتمد على مفهوم «ولاية الفقيه» الذي يمنح رجال الدين الحق المقدس في الحكم.
• بعد تعينه في لجنة مسؤولة عن تنفيذ «ثورة ثقافية» إسلامية أدرك عبد الكريم سروش أن رجال الدين ليست لديهم نية لمشاركة السلطة مع الإصلاحيين والمفكرين
• يزعم منتظري في مذكراته أنه كتب سرا إلى الخميني احتجاجا على أول مجموعة من الإعدامات ضد السجناء المتهمين بمقاومة النظام

bookJumbo

غالبا ما تتصدر إيران عناوين الأخبار في إطار صراعها مع غيرها من الدول الأخرى، فيما لا يحظى صراعها مع نفسها بنفس القدر من الاهتمام وهو الصراع الذي ما زال قويا رغم مرور نحو 40 عاما على اندلاع الثورة التي أسست الجمهورية الإسلامية. وعلى الرغم من صورة المجتمع الأحادي القمعي المتدين التي تمثل إيران في وسائل الإعلام الغربية، تعد البلاد، في الحقيقة، مسرحا لجانب كبير من الجدل السياسي والآيديولوجي.
وفي كتابها الجديد «أطفال الجنة»، تقول لورا سيكور: «ليس لدى إيران ثقافة المواطن السلبي رغم جهود حكامها سواء في الماضي أو الحاضر لخلق ذلك المواطن».

قدمت لورا سيكور ،مؤلفة كتاب «أطفال الجنة»، بانوراما حية لإيران المعاصرة وعرضا تاريخيا، وثقافيا وسياسيا عميقا للعقود الأربعة الماضية من تاريخ البلاد. كما تروي قصص الرجال الذين كانوا يمسكون بمقاليد السلطة وقصص الرجال – والنساء – الذين كانوا يعارضونهم: النشطاء، الصحافيون، المحامون، طلاب الجامعة والمواطنون العاديون الذين خاطروا بحياتهم لتحدي السلطة.
تعج إيران التي تتجلى من خلال رواية سيكور بالتناقضات والتعقيدات والمفارقات. وعلى الرغم من أن الكتاب يحتوي على موضوعات متنوعة ومتباينة فإنها ترتبط معا من خلال خطاب حول تطور النخبة: تحول المعارضة، من المفكرين الثوريين الذين ساعدوا على إسقاط الشاه إلى الإصلاحيين الذين سعوا لاحقا إلى جعل الثيوقراطية الإيرانية أكثر ليبرالية، والجيل المعاصر من النشطاء الذين تحدوا مباشرة الحكم الديني للملالي ودفعوا ثمنا باهظا لذلك التحدي. وبصفة عامة، يلفت الكتاب النظر إلى كيف تعامل كل جيل مع المفاهيم التنويرية للحقوق والمساواة بالإضافة إلى رغبة البعض في الحفاظ على الشرعية الدينية. وما زال نشطاء وإصلاحيو الوقت الراهن يجاهدون للتوفيق بين المعتقدات الأصولية للإسلام والمفهوم التنويري المتعلق بالمساواة بين الناس كافة بغض النظر عن المعتقد وتمتعهم بالضرورة بحقوق متساوية. ومن جهة أخرى، يعاني المحافظون الذين يديرون البلاد من تلك المعضلة، فهم متمسكون بأن المؤمنين فقط هم من يحق لهم المشاركة في المناصب السياسية الرفيعة ويصرون على أنهم وحدهم يستطيعون أن يحددوا من الذي يمكن اعتباره مؤمنا حقيقيا.

في مواجهة الغرب

بدأت سيكور بمقدمة سهلة للغاية حول الراديكاليين الإيرانيين في الستينات والسبعينات الذين ساعدوا على إرساء قواعد الثورة – المفكرون الذين ما زال إرثهم يشكل السياسة الإيرانية ولكنهم غير معروفين في الغرب، حيث ركزت على عالم الاجتماع، علي شريعتي، والناقد الاجتماعي، جلال آل أحمد، اللذين كانا من بين أبرز المفكرين التواقين لنشر رؤية مناهضة للإمبريالية وللغرب ولكنها رؤية معاصرة تماما لإيران كمجتمع شيعي ثوري. كان الشاه قد تحالف مع الولايات المتحدة وفتح البلاد أمام النفوذ والأموال الغربيين وهي الخطوات التي نتجت عن وسرعت مما يصفه هؤلاء المعارضون بأنه «التغريب» الذي دفع النخب الإيرانية إلى تبني المثل والتقنيات الغربية ببساطة. وعقب ذلك، حاول كتاب مثل شريعتي وآل أحمد أن يستعيدوا الهوية الإيرانية ويعيدوا تفسير العقيدة الشيعية كآيديولوجيا سياسية ثورية بالإضافة إلى النظر إلى الإمام الشهيد الحسين – ينظر إليه الشيعة باعتباره الوريث الشرعي للرسول محمد (ص. ويؤكدون أن الروحانيات «الشرقية» ترتقي دائما على المادية «الغربية» وأن الغربيين لا يمكنهم فهم إيران، حيث ستظل ثقافتها المتفردة دائما تمثل أفكارا غريبة بالنسبة للعقول الغربية.

حكم الشاه

جدير بالذكر أن معظم هذه النخب من المعارضين الدينيين (في ظل حكم الشاه، تم اعتقال شريعتي عدة مرات ثم مات في المنفى)، فيما كان هناك يساريون آخرون متعاطفين مع الماركسية، وبعض المحافظين المؤيدين لنظام الشاه. ولكنهم جميعا كانوا يشتركون في شيء واحد: رفض المبادئ الأصولية للتنوير. بالنسبة للمثقفين المؤيدين للنظام، كان مفهوم التنوير في ما يتعلق بحقوق الأفراد يضع قيودا غير مقبولة على الدولة. بالنسبة للماركسيين، كانت الحاجة إلى الوحدة الوطنية في مواجهة طغيان الشاه والنفوذ الأجنبي لها أولوية على المزاعم المتعلقة بحقوق الأفراد. وبالنسبة للمعارضين الدينيين، يستبدل التفكير التنويري الله بالإنسانية ومن ثم يفتح الباب أمام المادية، والإلحاد والتسامح مع «الانحرافات» الدينية مثل البهائية. فعن ذلك قال شريعتي إنه اختار أن يحتمي بالمسجد لحماية نفسه من الضوضاء وبريق التنوير الذي يعتقد أنه سيقود البشرية إلى طريق خاطئ.

مؤلفة الكتاب ، لورا سيكور أستاذة جامعية تُدرّس الصحافة في مجلس العلوم الإنسانية في جامعة برينستون، وتكتب عن إيران وتراسل كل من «ذا نيويوركر» و«نيويورك تايمز» و« فورين أفيرز».
مؤلفة الكتاب ، لورا سيكور أستاذة جامعية تُدرّس الصحافة في مجلس العلوم الإنسانية في جامعة برينستون، وتكتب عن إيران وتراسل كل من «ذا نيويوركر» و«نيويورك تايمز» و« فورين أفيرز».

ولكن شريعتي وآل أحمد ونظراءهما من المثقفين كانوا إلى حد كبير انتقائيين بشأن معارضتهم للغرب: فقد كانوا يسارعون في اتهام خصومهم بالمستغربين فيما يمتدحون في الوقت نفسه الفكر التنويري الغربي الذي تأسس على يد مفكرين مثل مارتن هيدجر، وميشال فوكو ويرغبون في تطبيق أفكارهم في السياق الإيراني. وبالفعل، بدأ الفيلسوف أحمد فرديد الذي ابتكر مصطلح التغريب وأصبح بعد ذلك أحد المدافعين عن الإسلامية الإيرانية كهيدجري يميني مناصر للنظام الملكي. وربما أصبحت تلك التوترات في الفكر الثوري الإيراني أكثر وضوحا بعدما غادر الشاه إيران وعاد خصمه الرئيسي، آية الله روح الله الخميني من المنفى وحول ملكية الشاه إلى نظام ثيوقراطي يرأسه بنفسه.

أخطاء رجال الدين

بعدما وصل الخميني للسلطة، سرعان ما أقصى اليساريين والعلمانيين الذين كانوا منضمين لصفوف الإسلاميين في معارضة نظام الشاه. وسرعان ما اتضح أنه في ظل الخميني، لن تشهد الجمهورية الإسلامية حكم النخب المثقفة كما كان شريعتي وغيره من المثقفين يأملون ويتوقعون، حيث أسس الخميني دستورا جديدا يعتمد على مفهوم «ولاية الفقيه» الذي يمنح رجال الدين الحق المقدس في الحكم.
وفي التسعينات، كان بعض الشباب المثقف الذين شاركوا بحماس في الثورة قد تحرروا من الأوهام بعدما أحكم رجال الدين وقوى الأمن قبضتهم على المجتمع والسياسة الإيرانية. وبدأت هذه المجموعة من الثوريين السابقين الابتعاد عن الخطاب القديم والبحث عن لغة جديدة للتعبير عن مطالبهم ومظالمهم على أمل أن يكون ذلك هو الخطوة الأولى صوب إصلاح النظام. وأصبح المفكرون والنشطاء الذين كانوا من قبل يروجون لأفكار مثل التغريب، والجذور، والشهادة والوحدة، يتبنون مصطلحات مثل الحرية والمساواة وحقوق الإنسان والمجتمع المدني والمواطنة. وأصبح هؤلاء المفكرون يعرفون «بالمفكرين الإسلاميين الجدد» ويمثلون تحولا جذريا عن الخط السابق للفكر الثوري: أحدهم هو أكبر غانجي، الذي قال إن أعمال شريعتي يجب أن يتم وضعها في المتحف.

ويعد عبد الكريم سروش من أبرز المفكرين الإسلاميين الجدد. في السبعينات، كان سروش أحد الشباب المعجبين بشريعتي وكان يدرس الكيمياء والفلسفة بالمملكة المتحدة. ثم لفتت كتاباته حول العلوم والدين انتباه الكثير من الثوريين والمعارضين مثل الخميني نفسه. بعد ذلك، عاد سروش إلى إيران بعد الثورة في 1979 وسرعان ما عينه الخميني في لجنة مسؤولة عن تنفيذ «ثورة ثقافية» إسلامية في التعليم العالي (تحاكي في جانب منها الحملة التي كان ماو تسي تونغ قد استهلها في الصين) بهدف تخليص الجامعات الإيرانية من النفوذ الغربي. ولكن سروش سرعان ما أدرك أن رجال الدين ليست لديهم أية نية لمشاركة السلطة مع الآخرين خاصة مع الإصلاحيين والمفكرين ومن ثم أسرع في تغيير اتجاهه بعيدا عن الإسلامية الراديكالية وباتجاه رؤية أكثر ليبرالية. وفي أواسط التسعينات، كان قد أصبح هدفا للمحافظين الراديكاليين، ففي إحدى المحاضرات التي كان يلقيها، اعتدى عليه المتشددون بالضرب بمشاركة عدد من الجمهور. وأغلقت السلطات مجلة «كيان» التي أسسها، كما حرمته من المناصب الأكاديمية واستجوبته الوكالات الاستخباراتية بعدما انتقد علانية المرشد الأعلى لإيران،علي خامنئي. ولم يكن أمام سروش خيار آخر سوى الهروب للخارج حيث تولى في النهاية عددا من المناصب الأكاديمية في الولايات المتحدة.

وعلى الرغم من أن سروش كان غائبا عن إيران منذ سنوات بعيدة، تضعه سيكور على رأس التحولات الثقافية التي شهدتها البلاد خلال العقدين الماضيين، حيث أصبح يمثل بالنسبة للجيل الجديد من النشطاء والمفكرين ما كان شريعتي يمثله للحركة الثورية الأصلية. وعمل سروش مستوحيا أفكاره من أعمال الفيلسوف النمساوي البريطاني كارل بوبر، خصوصا «المجتمع المفتوح وأعداءه» على تقليص الفكر الإسلامي وتحويله من تلك الآيديولوجيا المنتفخة التي أصبح عليها في ظل حكم الخميني إلى دين يتمحور حول الرحمة والأخلاق التي تتعلق بعلاقة الفرد بربه. وكما قال سروش لأحد محاوريه في عام 1997، فإنه يسعى لتنقية الدين: «لكي يصبح أخف وأكثر حيوية.. وأنحف من خلال غربلته وإزاحة الطبقات غير الضرورية عن وجه التقوى».

ما بعد الإيمان

تبدي سيكور تعاطفا مع سروش وغيره من المفكرين الإصلاحيين من جيله، ولكن ذلك التعاطف دفعها للتقليل من شأن عاملي ضعف أساسيين في حركتهم. أولا، اكتشف الكثير من الإصلاحيين مناحي حقوق الإنسان بعدما فقدوا النفوذ أو تم إقصاؤهم من النخبة الحاكمة، وغالبا كنتاج للخلافات الشخصية أو الصراعات على السلطة وليس بسبب خلافات فلسفية حقيقية مع النظام. فنأخذ على سبيل المثال، آية الله حسين علي منتظري، الذي يجله الإصلاحيون باعتباره أكبر مدافع عن حقوق الفرد. لقد كان منتظري الذي توفي في عام 2009، نائبا للخميني حتى 1989، والذي وفقا للإصلاحيين ابتعد عن النظام إثر حظر إقامة أحزاب سياسية واحتجاجا على مساعي «تصدير» الثورة الإيرانية إلى الخارج من بين عدة قضايا أخرى. ولكنْ هناك متشككون يعتقدون أن الدائرة المقربة من الخميني كانت قد بدأت تقصي منتظري بعدما تم القبض على أحد أقاربه وهو يسرب معلومات إلى وسائل الإعلام حول الصفقات الأميركية الإيرانية السرية مما أحرج النظام. ويؤكدون أن منتظري بدأ يعبر صراحة عن معارضته لبعض القضايا الموضوعية بعدما أيقن أنه لم يعد مفضلا لدى النظام.
ثانيا، وعلى الرغم من أن الإصلاحيين الإيرانيين كانوا يدافعون عن تحسين حقوق الأفراد، فإنهم لم يتبنوا قيم التنوير بصفة عامة. فكانوا يستخدمون بحرية لغة «المعاصرة» فيما يتجاهلون وجود أنواع أخرى من المعاصرة بما في ذلك الستالينية، والماوية، والفاشية، والنازية.

قيم التنوير

ولكن المفاهيم الرئيسية التي تمنع الإصلاحيين من الاحتفاء الكامل بقيم التنوير هي مفاهم الحرية العالمية والمساواة. حيث تستبدل قيم التنوير بالسلطة الدينية السيادة الشعبية، وبالواجبات الدينية حقوق الأفراد. ويعد المفهوم الأكثر خطرا هو استبدال الالتزامات تجاه الله بحقوق مطلقة مستمدة من الطبيعة. ووفقا لتقاليد فلسفة التنوير، يتمتع الجميع على حد سواء بتلك الحقوق. ولكن معظم المفكرين الإصلاحيين كانوا مستعدين لقبول مفاهيم الحرية والمساواة عند تطبيقها على المسلمين. فيقسم محمد خاتمي، الإصلاحي الذي تولى منصب رئاسة إيران من 1997 وحتى 2005 والذي ما زال واحدا من الشخصيات النافذة، الإنسانية إلى («نحن» في إشارة إلى المسلمين) و(«هم» في إشارة إلى غير المؤمنين). وحتى سروش، الإصلاحي القريب من مفهوم التنوير يميل إلى تبني فكرة التمييز السياسي بين المؤمنين وغير المؤمنين.

كتبت سيكور أنه بالنسبة لسروش: «لم يكن هناك سبب يمنع المجتمعات المسلمة من الاستفادة من النظريات السياسية لكي تؤسس أفضل دولة ممكنة.. ولكن الشيء المهم كان أن من يعملون بالسياسة في دولة مسلمة يجب أن تكون لديهم قيم إسلامية جيدة. ومن هنا، يمكن الجدل حول كل شيء في الحدود العقلانية». ولكن ذلك الموقف يقتضي أن نحدد ما الذي تعنيه «القيم الإسلامية الطيبة». وكما تعلم سروش بالطريقة الصعبة، فإن من يملكون السلطة في إيران يعتقدون أن «القيم الإسلامية الطيبة» تتطلب الالتزام ليس فقط بالإسلام ولكن بمفهوم ولاية الفقيه وبإظهار الولاء للمرشد الأعلى، وهي المفاهيم التي تتعارض جميعها مع قيم التنوير.

لقد وصمت مشكلة عدم الإيمان الإصلاحيين لعقود طويلة. ويمكننا أن نأخذ في اعتبارنا عملية إعدام المعارضين المحبوسين ومعارضي النظام التي نفذها الخميني قبل فترة قصيرة من نهاية الحرب الإيرانية العراقية في عام 1988. تغطي سيكور بحيوية تلك المعركة الدموية، حيث كانت عمليات الإعدام قد تم تنفيذها بعدما أصدر الخميني فتويين سريتين، تدعو الأولى لقتل السجناء الذين يقاتلون الله، وتدين الثانية المرتدين. وكانت الأولى تستهدف أعضاء منظمة المجاهدين الإسلامية الراديكالية التي يقودها شباب المثقفين والذين شنوا حرب عصابات دامية ضد الشاه وتحدوا نظام الخميني بعد الثورة، فيما تدين الفتوى الثانية اليساريين المناهضين للنظام والقوميين الذين نشأوا في أسر مسلمة ولكنهم لم يعودوا يؤمنون بالإسلام. وأنشأت السجون محاكم تفتيش حيث كانوا يسألون السجناء عما إذا كانوا مسلمين ويؤمنون بالمبادئ الإسلامية الرئيسية (خاصة وجود حياة أخرى)، ويؤدون صلواتهم الخمس ويصومون رمضان. وكانت تلك المحاكم تشنق على الفور من يجيبون تلك الأسئلة بالنفي.

وفي مذكراته، يزعم منتظري أنه كتب سرا إلى الخميني احتجاجا على أول مجموعة من الإعدامات ضد السجناء المجاهدين بحجة أنهم كانوا متهمين بجرائم أقل وأنهم لم يعودوا يشاركون في المقاومة العنيفة.
ومع ذلك تجنب منتظري انتقاد الفتوى الثانية التي تدين اليساريين والقوميين وتجيز إعدامهم ربما لأنه لم يكن يرغب في التورط في مناقشة حول الردة قد تدفعه لأن يحتج بأن غير المؤمنين يستحقون نفس حقوق المسلمين. فمن الواضح أن ذلك كان سيذهب به حيث لا يريد. وحتى إذا كان هناك من يعترض من الإصلاحيين النافذين على الفتوى الثانية، فإنه احتفظ برأيه لنفسه، فحتى الآن، وبعد مرور ثلاثة عقود، ما زال صمتهم مطبقا.

جيل الأمل والحركة الخضراء

حاليا، حل جيل جديد من النشطاء الذين ولدوا بعد 1979 أو خلالها والذين يمكن أن يوصفوا بأحفاد الثورة إلى حد كبير محل المفكرين الإسلاميين، وأصبحوا يمثلون عصب ما يطلق عليه «الحركة الخضراء» التي اجتمعت احتجاجا على نتائج الانتخابات الرئاسية في عام 2009 التي أعادت محمود أحمدي نجاد المتشدد إلى السلطة رغم اتهامه بتزوير الأصوات. وتقدم سيكور صورا حية لهؤلاء المعارضين الشبان: طلاب جامعة وصحافيون تحولوا إلى مدونين، ونشطاء حقوق إنسان يدافعون عن حقوق المرأة أو يقفون ضد عقوبة الإعدام.

ولكن النظام قمع بلا رحمة الحركة الخضراء عبر حملات اعتقال وضرب واسعة واعترافات قسرية. وظلت الشخصيات المعارضة الرئيسية المتحالفة مع الحركة مثل مير حسين موسوي ومهدي كروبي رهن الإقامة الجبرية حتى في ظل حكم رئيس – يقال- انه معتدل نسبيا مثل حسن روحاني الذي خلف أحمدي نجاد في 2013. وعلى الرغم من انحسار آمال الحركة الخضراء، لم تخب الروح الإصلاحية على الإطلاق. ووفقا لما كشفه كتاب سيكور، فإن أحد المناحي المشرقة في نشطاء ومثقفي الوقت الراهن هو أنهم بخلاف المثقفين مثل سروش الذين يسعون لانتقاد ثيوقراطية إيران دون التخلي عن التفكير واللغة الدينية، فإنهم يتجنبون خطاب الإسلام كليا ويستكشفون بدلا منه الخطاب التنويري. ومن هذا المنطلق، يحاكي الإصلاحيون الجدد جيلا سابقا من الليبراليين الإيرانيين: النخبة المثقفة التي وقفت وراء الثورة الدستورية الإيرانية في الفترة 1905 – 1907 والتي كانت تتحدى الملكية القاجارية وأدت إلى تشكيل أول برلمان إيراني. وتجنبت قيادت الثورة الدستورية بوعي صياغة مطالبهم بمصطلحات دينية نظرا لأنهم يدركون أن القيام بذلك سوف يجعلهم يقعون في أيدي رجال الدين الذين سيجعلونهم يخسرون شرعيتهم عبر المطالبة بفحص مدى إيمانهم. وعلى النقيض، فإن جيل سروش، سمح لنفسه بأن ينصهر في الخطاب الإسلامي وهو ما يرجع في جانب منه إلى المزاج الشعبي بعد الثورة ويرجع في جانب آخر منه إلى كاريزما الخميني التي مكنته من الهيمنة على السياسة الإيرانية حتى أصبح من الصعب المشاركة في الجدال دون معالجة الفكر الديني.

ولكن نشطاء وإصلاحيي اليوم ليسوا مضطرين لتحدي شخصية مثل الخميني كما لم يعد قطاع متنامٍ من السكان الإيرانيين مفتونا بمفهوم الخميني المتعلق بأن «الإسلام هو الحل». وبالتالي، وعلى الرغم من أن رجال الدين ما زالوا يهيمنون على اللحظة، فإنه من المستبعد أن يتمكن النظام من تجنب المهمة الصعبة المتعلقة بالاعتراف بالمناحي المركزية للتنوير والاستجابة لها على النحو اللائق.

* أستاذ التاريخ بكلية باروخ – منهاتن.

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.