• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

الرأي

علاج روحاني

وصفت الولايات المتحدة المفاوضات مع إيران بشأن برنامجها النووي في جنيف بأنها المفاوضات الأكثر جدية وصدقا. وقال دبلوماسيون غربيون إن طهران لمحت إلى أنها مستعدة لتقليل أنشطتها النووية في مقابل تخفيف العقوبات.
بالنسبة للولايات المتحدة، كانت دائما المشكلة مع إيران تتعلق ببرنامجها النووي فيما تجاهلت لفترة من الزمن الدور المتنامي لإيران في المنطقة والتهديدات التي تمثلها لأمن عدد من الدول مثل سوريا ولبنان والعراق والبحرين واليمن. ومن ثم، يجب ألا تتجاهل الصفقة مع إيران الدور المتنامي الذي يتزايد إشكالية لإيران في المنطقة.
وعلى الرغم من تهديدها السابق بمحو إسرائيل من على الخريطة، ونعت الولايات المتحدة بالشيطان الأعظم لعدة عقود، لم تنظر إيران أبدا إلى إسرائيل أو الغرب باعتبارهما المهدد الرئيس لها فقد كانت دائما ترى التهديد الرئيس كامنا في دول الخليج. ولا يمثل برنامجها النووي هدفا في ذاته بل أداة لتحقيق الهدف الحقيقي للسياسة الخارجية الإيرانية وهو أن تصبح اللاعب الرئيس في المنطقة.

وعلى الرغم من وجود إشارات على حدوث تغيرات داخلية مثل التصريحات الأخيرة المهدئة للأجواء التي أصدرتها كبرى القيادات الإيرانية بالإضافة إلى نقل الملف الأمني من وزارة الدفاع إلى وزارة الخارجية، فإن تلك الإشارات لا تعد دليلا على الالتزام أو على وجود تغيرات استراتيجية جدية.
وفي ظل ذلك الدليل الخفي على التزام إيران، يستعد حلفاء أميركا في مجلس التعاون الخليجي لاحتمال أن تتخلى عنهم أميركا بعد 70 عاما، وهو ما يمكن أن يدفعهم لمعالجة الأمور بأنفسهم خاصة فيما يتعلق بالمف السوري.
وهناك إحساس عام بخيبة الأمل من الطريقة التي أدارت بها الولايات المتحدة التحول من توجيه ضربة عسكرية إلى سوريا إلى صفقة بين الولايات المتحدة وروسيا ثم مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران؛ حيث يتزايد الإحساس بفقدان الثقة فى السياسة الخارجية للولايات المتحدة على نحو مضطرد بالإضافة إلى الخوف من صفقة محتملة ربما تدفع بدول الخليج للتعامل مع الأمور على نحو مختلف ودون الرجوع إلى الولايات المتحدة.
وقبل أن نقفز إلى النتائج علينا فهم السياق مليا؛ فهناك رغبة من كلا الطرفين الآن في التوصل إلى صفقة أكثر من أي وقت مضى، وهو ما يثير المخاوف بشأن احتمالية التسرع في التوصل إلى صفقة دون التفكير العميق وتقييم كافة المخاطر المترتبة على تلك الصفقة. وذلك حيث ترغب القوى الست الكبرى في التوصل إلى صفقة نظرا لقلقهم بشأن احتمالية أن تتمكن إيران من تطوير الأسلحة النووية في أقل من عام. ومن جهة أخرى، تسعى إيران لعقد اتفاق يخفف من العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة والدول الأوروبية عليها والتي أضرت باقتصادها وزادت من عزلتها الدولية. فقد بلغ التضخم في إيران ما يزيد على 40 في المائة. ووفقا للبنك المركزي الإيراني فإن 65 في المائة من الإيرانيين تحت خط الفقر. فهل يمكن أن يؤدي ذلك إلى ثورة اجتماعية في إيران؟ ربما لا، ولكن الإيرانيين لا يرغبون في المخاطرة بذلك. فمما لا شك فيه أن رفع العقوبات عن إيران سوف يعمل على تحسين الأوضاع الاقتصادية.
بالإضافة إلى أن سوريا أصبحت تمثل إشكالية بالنسبة لإيران سواء ماليا أو سياسيا. فعلى الصعيد المالى، تنفق إيران التي تعاني من صعوبات اقتصادية إثر العقوبات أكثر مما تستطيع تحمله على التدخل في سوريا بالإضافة إلى دعم نظام الأسد اقتصاديا وعسكريا. وعلى الصعيد السياسي، أصبح الأسد يمثل عبئا على إيران حيث أصبح الرأي العام الدولي والإقليمي ينظر إليه باعتباره قاتلا ومجرما. وقد تسبب ذلك في مشكلات تتعلق بالمصداقية سواء بالنسبة لإيران أو لحزب الله ليس فقط في الشارع العربي ولكن كذلك داخل المجتمعات الشيعية في المنطقة. فعلى سبيل المثال، تقلص التأييد الذي كان يحظى به حزب الله إلى حد كبير منذ أن تدخل في سوريا.

لقد كان حزب الله دائما يطرح نفسه كحركة مقاومة ضد إسرائيل وسواء كنت توافق على وجود جماعة مسلحة داخل الدولة أم لا، فقد كانت دائما هناك حجج بأن حزب الله يقاتل إسرائيل في الأراضي اللبنانية المحتلة، وهو ما تغير إثر قتالهم إلى جانب الأسد في سوريا؛ فلم تعد المقاومة مبررة بغض النظر عن مدى الجهد الذي يبذلونه لجعلها مبررا لأنشطتهم داخل سوريا. بالإضافة إلى أن نقل المعركة من كونها معركة ضد الاحتلال الإسرائيلي إلى معركة ضد السنة في سوريا قد أضاف منحى طائفيا خطيرا للعوامل الديناميكية الإقليمية، فلم يكن الصدع السني الشيعي أكبر مما هو عليه الآن من قبل.
فمن جهة، ترغب إيران في أن تتأكد من أنها لن تخسر نفوذها الإقليمي في سوريا خاصة الصلة بين لبنان ودمشق والساحل عبر القصير وحمص. ومن ثم، فإنهم كانوا وما زالوا مستعدين لكي يدفعوا ذلك الثمن الباهظ للحفاظ على هيمنتهم في سوريا والتي سوف تستخدم كبطاقة مساومة خلال المفاوضات للوصول إلى صفقة أفضل. والآن وبعد أن أكدت الولايات المتحدة أن الغرب لن يتدخل لخلع الأسد، تزايدت قوة إيران التفاوضية إلى حد كبير ومن ثم فإن عقد صفقة بشأن برنامجها النووي وهيمنتها الإقليمية فى هذا التوقيت سوف يكون في مصلحتها.
ومن جهة أخرى، هناك قوى إقليمية أخرى مشاركة في سوريا مثل قطر والمملكة العربية السعودية وتركيا. ومن ثم فإن تقديم أية تنازلات في سوريا لإرضاء إيران لن يكون له أثر طيب على باقي أنحاء المنطقة.
وترجع المشكلة الرئيسة فى المباحثات الأميركية الإيرانية حول الدور الإقليمي لطهران إلى أن هذه المباحثات ليست إقليمية بل ثنائية؛ فلم تجري دعوة أي من القوى الإقليمية إلى تلك المباحثات كما لم تتشاور الولايات المتحدة مع أي منها، وهو ما ينظر إليه العديد من العرب باعتباره إهانة لدورهم ومكانتهم في المنطقة، ويمكن أن يسفر عن تداعيات خطيرة.
وعلى صعيد الحدود، يجب أن يجري الربط بين المباحثات مع إيران والجهود الدبلوماسية الأخرى في المنطقة خاصة القضية السورية والقضية الإسرائيلية – الفلسطينية. كما يجب أن تتضمن استراتيجية أوسع وأكثر تماسكا مشاركة كافة الأطراف وأصحاب المصالح في المنطقة.
فمن جهته، حذر وزير الخارجية السعودي، الأمير سعود الفيصل، خلال الشهر الماضي من أن اللجوء إلى الدبلوماسية لعلاج الأزمة السورية سوف يسمح للأسد بممارسة المزيد من القتل. وبالمثل، سوف يدفع التقارب الأميركي الإيراني دول مجلس التعاون الخليجي إلى إعادة النظر في موقفها من سوريا. وربما تبدأ دول الخليج في تقديم المزيد من الأسلحة المتطورة للمعارضة السورية لكي تغير توازن القوى على الأرض.

كما رفضت المملكة العربية السعودية المقعد الذي حصلت عليه لأول مرة بين الأعضاء غير الدائمين فى أكبر هيئة أمنية دولية إلى جانب تشاد وتشيلى وليتوانيا ونيجيريا. وبعد يوم واحد من الانتخابات فى الجمعية العمومية للأمم المتحدة والذي حصلت خلاله السعودية على المقعد، أعلنت السعودية رفضها قائلة إن الهيئة لا تستطيع التعامل مع النزاعات الدولية. وفي بداية الشهر الحالي، أحجم الأمير سعود الفيصل عن إلقاء الخطاب السنوى أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة لأول مرة. وينظر إلى هاتين الواقعتين باعتبارهما رسالة قوية إلى الغرب بشأن الطريقة التي يعالج بها المباحثات مع إيران. وليست المباحثات في ذاتها هي ما يقلق المملكة العربية السعودية ودول الخليج بقدر ما يقلقهم تجاهل الولايات المتحدة الأميركية لهم. وعلى الرغم من عدم صدور أية تصريحات رسمية بذلك الصدد فإن العديد من المسؤولين بالخليج ووسائل الإعلام الخليجية أكدوا تلك الرؤية.
ومن جهة أخرى، فإن عقد صفقة مع إيران سوف يعزز من نفوذها في سوريا ويمنح الجمهورية الإسلامية وحرسها الثوري الفرصة للمزيد من الوجود في المنطقة والقدرة على الوصول إلى قلب المشرق. كما سوف يمنح حزب الله الفرصة للمزيد من فرض هيمنته على مؤسسات الدولة اللبنانية والمزيد من القدرة على توجيه سياستها الخارجية، بالإضافة إلى تعزيز دور إيران في العراق. كما لن تسمح إسرائيل بوجود إيران على أعتابها، وهو ما يمكن أن يدفعها لأن تحاول حل مشاكلها بنفسها مما يطرح الحرب كخيار أكثر من أي وقت سابق.
ففي عشية اجتماع جنيف، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن العالم يخاطر بارتكاب خطأ تاريخي إذا ما خفف الضغط على إيران. كما كان قد لمح من قبل إلى احتمالية شن ضربة استباقية أحادية الجانب على إيران. وقد قال مسؤول إسرائيلي عسكري سابق لصحيفة «جيروزاليم بوستون صنداي» إن رئيس الوزراء لم يكن يناور، مضيفا: «إنه يعتقد أننا نعيش في الثلاثينات. فالإيرانيون هم الألمان والتاريخ يستخف بوجود ستة ملايين يهودي الآن فى إسرائيل».
وإذا ما كان ذلك هو الحال، أو على الأقل إذا ما كان ذلك محتملا، فهل تستطيع المنطقة تحمل حرب أخرى إذا ما ضربت إسرائيل إيران ولبنان وربما سوريا؟ وهل تستطيع الولايات المتحدة أن تستمر في المراقبة دون تدخل؟ وهل يمكن أن يصمد اتفاق مع إيران في حالة أن تحقق مثل ذلك السيناريو؟ في الحد الأدنى سوف يعمل ذلك على تعقيد كل شيء. وسوف يكون على القوى الدولية الست أن تغير توجهاتها لاحتواء المخاطر الناجمة عن مثل تلك الحرب في حال وقوعها.
فعلى صعيد آخر، هناك إشاعات في الأوساط الإعلامية تفيد بأن الصفقة مع إيران سوف تسمح لها بالاستمرار في تخصيب اليورانيوم شريطة أن تحجم عن تطوير الأسلحة النووية. فمن جهته، يقول علي فايز، محلل الشؤون الإيرانية بمجموعة الأزمات الدولية إنه يعتقد أن المباحثات سوف تسفر عن تعهد الدول الست بالنظر في استمرار إيران في تخصيب اليورانيوم إذا ما عالجت إيران المخاوف الدولية بشأن برنامجها النووي.
وأضاف فايز أن موافقة أميركا على استمرار إيران في التخصيب سوف تثير انتقادات المعارضين الذين يؤمنون بأن إيران سوف تراوغ وتعمل سرا على تطوير الأسلحة النووية ولكنه أصر على أنه لا يوجد طريق آخر لعقد صفقة نظرا لأن الإيرانيين لن يشرعوا في المفاوضات إلا إذا تأكدوا من أنهم سيكون لهم الحق فى التخصيب.
وحتى إذا كان ذلك غير مؤكد بعد، فإن مجرد احتمالية أن تحاول إيران تطوير الأسلحة النووية سرا سوف يثير سباقا على التسلح النووي في أقل المناطق استقرارا بالعالم. ومن ثم فإن الشفافية هي ضرورة قصوى، وإذا لم يتم إشراك الحلفاء الإقليميين في تلك العملية فيجب إطلاعهم على الأقل على التطورات؛ حيث إن السرية حول تلك المفاوضات واقتصارها على الاجتماعات الثنائية ليس بالأمر الطيب، وذلك إذ إن انعدام الثقة سوف تجري ترجمته إلى تدهور العلاقات ببين الولايات المتحدة والقوى الإقليمية.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة والدول الأوروبية تدركان أهمية إيران في المنطقة فيجب أن يكون واضحا منذ البداية أن إيران لن تستطيع ولن تصبح طرفا استثنائيا فى الشؤون الإقليمية، حيث إن العوامل الديناميكية فى المنطقة تتغير بسرعة ولا يجب عقد صفقة مع إيران دون أن يتم وضع موجة التغيرات في الاعتبار.
كما يجب أخذ عنصر آخر في الاعتبار وهو الأمن والتوازن العسكري. فيجب أن تدرك إيران أنه بغض النظر عن أي شيء، ليس مسموحا لها بالهيمنة على المنطقة ومن ثم فيجب أن تتوقف عن إثارة النزاعات الطائفية والتدخل فى العراق وسوريا ولبنان.
وفى كافة الأحوال، سيكون من السذاجة أن تتوقع إيران حدوث تطورات جذرية في وقت قريب، حيث إن لفقدان الثقة بين الجانبين جذورا عميقة ومن ثم فيحتاج الأمر لأكثر من الحماس لتحقيق نتائج مرضية، فهناك الكثير على المحك. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة ربما ترغب في تقديم تنازلات فإن حلفاءها الإقليميين سوف يفعلون أي شيء وكل شيء لكي يتأكدوا من أن مصالحهم لن يتم تجاهلها في تلك العملية. فسوف يمارسون الكثير من الضغط على واشنطن خلال الأسابيع المقبلة وهو ما يمكن أن يؤدي إلى بطء العملية ويحد من الحماس خالقا مساحة للعقلانية بدلا من الحماس المفرط.

Previous ArticleNext Article
حنين غدار
صحافية لبنانية بدأت مسيرتها في الشأن العام كناشطة في المجتمع المدني لتتحول الى الصحافة ويسطع نجمها فتنشر مقالاتها في أعرق المنشورات الأمريكية على غرار فورن بولسي.. تكتب باللغتين العربية والانجليزية وهي حاليا رئيسة تحرير الطبعة الانجليزية لموقع "ناو ليبانون"

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.