• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

تكنولوجيا

دراسة : عالم جديد من المادة.. وبداية لـ «عصر ذهبي» للمعادن

gettyimages-511261354_master

واشنطن: «المجلة»

•نماذج افتراضية يستطيع المعماريون من خلالها أن يجعلوا عملاءهم يتجولون في عرض رقمي للمبنى
• تقنية تتيح اختبار السيارات بصريا في شوارع مختلفة وركنها إلى جانب السيارات المنافسة في مشاهد حية
•خلال شهر نوفمبر الماضي وحده أخبر علماء المادة وسائل الإعلام بأكثر من 100 اكتشاف هام

يقول بول ماركيلي: «يعمل علم المواد على التغيير السريع للطريقة التي تتطور بها صناعة كل شيء، من السيارات إلى مصابيح الإضاءة».
يقول توماس أديسون: «أنا لا أعتمد على الأرقام على الإطلاق، بل أعتمد على إجراء التجارب ثم أصل لنتيجة عبر طرائق لا أستطيع تفسيرها على نحو ما». وبالتالي قام أديسون باختبار 1600 مادة مختلفة بداية من ألياف جوز الهند وخيوط الصيد وصولا إلى شعر مأخوذ من لحية صديقه حتى توصل في النهاية إلى نوع خاص من خشب الخيزران يمكن استخدامه في صورته الكربونية لصنع الخيط الذي استخدم في إنتاج أول مصباح كهربائي متوهج. وعرض أديسون ابتكاره عشية رأس السنة من عام 1879 بمعمله بمنالو بارك بنيوجيرسي.

رغم أن تفاصيل تجربة أديسون الزاخرة التي اعتمدت على التجربة والخطأ ملأت أكثر من 40 ألف صفحة من مذكراته، سرعان ما تم تجاوز تجربته برمتها. ففي بداية القرن العشرين أصبحت تلك الخيوط تصنع من التنجستين الذي يشع ضوءا أقوى ويستمر لمدة أطول. ولأكثر من مائة عام كان العالم يضاء بمصابيح كهربائية تعمل بخيوط التنجستين وأصبح المصباح الكهربائي الرمز الكارتوني للابتكار بصفة عامة.
أما الآن فتحل مصابيح الصمامات الثنائية الباعثة للضوء المعروفة اختصارا باسم «ليد» محل المصابيح التقليدية حيث إنها أكثر فعالية في تحويل الكهرباء إلى ضوء من خيوط التنجستين كما أنها تدوم لمدة أطول. ظهرت مصابيح «الليد» في الستينات من القرن الماضي كمؤشرات ضوء في المعدات الكهربائية. واليوم توفر تلك المصابيح إضاءة قوية للمباني والشوارع والسيارات. وفي الأجزاء الفقيرة من العالم، أصبحت توفر الإضاءة للناس الذين لم يروا من قبل المصابيح التقليدية.
ويعد كل من مصباح أديسون ومصابيح «الليد» نتاجا للتطور في علم المواد الذي يعني تحويل المادة إلى شكل جديد أكثر نفعا. ولكن في السنوات التي تفصل بين الابتكارين، أصبحت المادة والعلم أكثر تعقيدا بكثير؛ حيث إن المواد شبه الموصلة مثل الجرمانيوم أو السيليكون اللتين تصنع منهما مصابيح «الليد» مع إضافة دقيقة لذرات بعض المواد الأخرى تتطلب مقاربة مختلفة من تلك التي استخدمها أديسون، نظرا لأن نوع الضوء الذي تنتجه تلك المصابيح يتم ضبطه من خلال بنى ميكروسكوبية وتفاصيل تلك الجزيئات الإضافية. ومقارنة بمقاربة أديسون، تعتمد تلك المصابيح الجديدة على الكثير من الأرقام ناهيك عن نظرية الكم.

المنتجون يتجهون إلى عالم من التصنيع المخصص لهم

تسمح القدرة على فهم خواص المواد على نحو دقيق للأشخاص بأن يعيدوا إنتاج الأشياء القديمة على نحو أفضل كما تسمح لهم بأن ينتجوا أشياء جديدة. ففي أيام أديسون، كان استخدام الضوء لإرسال رسائل يقتصر على مصابيح «ألديس» التي كانت ترسل الرسائل ضوئيا بشفرة موريس من سفينة إلى أخرى. أما الآن فتستطيع مصابيح الليزر – وهي أجهزة شبه موصلة لإنتاج ضوء أكثر نقاء من مصابيح الليد – أن تنير وتطفئ بطريقة منتظمة مليارات المرات في الثانية الواحدة. وفي عدد مدهش من التطبيقات التي تحتاج إلى نقل المعلومات من (A) إلى (B) – مثل نقطتي البداية والنهاية في سماعات «دي في دي» أو بين الشفرة الموجودة على البضائع وجهاز فك الشفرة لدى المحاسب أو نهايتي ألياف الاتصالات الأطلسية – يتم الاستعانة بثنائيات الليزر. ورغم التجريد الذي يبدو عليه العالم الافتراضي فإنه فعليا يعتمد على مواد حقيقية للغاية وشديدة الوضوح.
هذا ما يصفه بعض العلماء بأنه «العصر الذهبي» للمواد. حيث ظهرت مواد جديدة عالية الكفاءة مثل سبائك خلائط المعادن النادرة والمركبات شديدة القوة؛ وهي عبارة عن مواد «ذكية» تستطيع تذكر شكلها وإصلاح نفسها أو تجميع نفسها في عناصر. ويمكن استخدام بنى صغيرة تغير الطريقة التي يستجيب بها شيء ما للضوء أو الصوت في تحويل المادة إلى «مادة خلاقة» لها خصائص مختلفة تماما. ويتحدث المدافعون عن تكنولوجيا النانو عن بناء أشياء برمتها، ذرة إثر ذرة. والنتيجة هي فيض من المواد الجديدة والأفكار الجديدة لطرق استخدامها وهو ما يمكن أن يسفر عن تحسين أداء الأشياء القديمة وصناعة أشياء جديدة لم تكن موجودة من قبل.
وتشهد أقسام دراسة علم المادة بالجامعات حاليا ازدهارا كبيرا وتنتج ثقافة رائدة حية ونطاقا واسعا من الابتكارات. ورغم أن الكثير من هذه الاكتشافات لن ينتقل من العرض المعملي إلى الاستخدام التجاري فإن بعضها ربما يغير وجه العالم كما فعلت المصابيح الكهربائية.

أسرع وأعلى وأقوى

إن فهم عالم المواد الذي أتاحه لنا قرن كامل من الفيزياء والكيمياء يفسر قدرا كبيرا من التقدم المتسارع. ولكن هذا الانتصار لا يقتصر على التطور النظري حيث يلعب تطور الأدوات دورا حيويا أيضا؛ فقد سمحت أجهزة مثل «الميكروسكوبات الإلكترونية» و«ميكروسكوبات القوة الذرية» و«سنكترون الأشعة السينية» للعلماء بقياس المواد وفحصها بتفصيل أكبر مما كان متاحا من قبل.
ويرصد مشروع أجري بـ«المركز الدولي للمواد المتقدمة» بجامعة مانشستر مثل هذه التطورات وهي تحدث. ففي أحد المعامل، يستخدم العلماء «التحليل بطريقة قياس الطيف الكتلي للأيونات الثانوية (إس آي إم إس)» لدراسة الطريقة التي تندمج بها ذرات الهيدروجين – أصغر الذرات – في مواد مثل الحديد، وهي العملية التي يمكن أن تسفر عن تشققات صغيرة للغاية. وتعمل أجهزة «التحليل بطريقة قياس الطيف الكتلي للأيونات الثانوية (إس آي إم إس)» على إغراق العينة بشعاع من الجزيئات المشحونة وهو ما يؤدي إلى طرد الجزيئات الثانوية إلى السطح. ويتم قياسها من خلال مصفوفة من الحساسات لتكوين صورة بدرجة وضوح تصل إلى 50 نانو متر (واحد على مليار من المتر). وهي لا تكشف فقط عن البنية الكريستالية للمعدن – وأي عيوب به – ولكنها تحدد أيضا عوامل عدم النقاء الكيميائي مثل وجود الهيدروجين. فيقول بول أوبراين، الأستاذ بالجامعة: «نستطيع الآن أن ننجز في المساء ما كنا نحتاج إلى أشهر لإنجازه». وينعقد الأمل على أن تحصل شركة «بي بي» وهي شركة البترول التي ترعى المركز على صلب أفضل لاستخدامه في عملياتها على الشواطئ وأثناء التصنيع.
وبالإضافة إلى الحصول على أدوات أفضل بكثير، يستفيد الباحثون أيضا من الزيادة الهائلة في القوى المحاسبية المتاحة التي أصبحت تمكنهم من استكشاف خواص المواد الافتراضية بالتفصيل قبل أن يقرروا ما إذا كانوا سيخضعونها للتجربة ويحاولون صنع شيء منها أم لا.

فيقول جربراند سيدير، خبير البطاريات بجامعة كاليفورنيا ببركلي: «نحن نخرج من عصر كنا فيه كالعميان». وكان سيدير قد أسس مشروع المواد بالتعاون مع كريستين بيرسون من «معمل لورانس بيركلي الوطني» وهو مشروع يستعين بمجموعة من الحواسيب العملاقة لجمع خواص كافة المواد المعروفة والتي يمكن التنبؤ بها. وتعتمد الفكرة على أنه بدلا من محاولة البحث عن مادة لها الخصائص المطلوبة لأداء مهمة محددة، سوف يصبح الباحثون قريبا قادرين على تحديد الخواص التي يحتاجونها وسوف توفر لهم الحواسيب قائمة بالمواد المحتملة.
ونقطة البداية هي أن كافة المواد مصنوعة من ذرات. ولكن الطريقة التي تتصرف بها كل ذرة تعتمد على العنصر الكيميائي الذي تنتمي له. ولكل عنصر خصائص كيميائية مختلفة تعتمد على بنية سحب الإلكترونات التي تكون الطبقات الخارجية من ذراتها. ففي بعض الأحيان تدمج الذرة أحد إلكتروناتها مع إلكترون من ذرة مجاورة لتكوين «رابطة كيميائية». وهذه العلاقات هي التي تمنح للجزيئات بنيتها وكذلك بعض المواد الكريستالية مثل أشباه الموصلات. وهناك أنواع أخرى من الذرات التي تحب أن تشارك إلكتروناتها على نطاق أوسع. ففي المعدن، تشارك الذرات الكثير من الإلكترونات ولكنها لا تكون علاقات (وهو ما يجعل المعادن لينة) ويمكن التيارات الكهربائية من المرور بحرية.
وعندما يتعلق الأمر بإنشاء روابط كيميائية، فإن عنصر الكربون يمثل عنصرا فريدا حيث يمكنه إنتاج عدد لا نهائي من الجزيئات المتميزة. يطلق الكيميائيون على هذه الجزيئات المعتمدة على الكربون اسم «العضوية» وقد خصصوا جانبا كبيرا من دراستهم – الكيمياء غير العضوية – لتجاهلها. ويقع مشروع سيدير في ذلك الجانب من الكيمياء غير العضوية. وتمكن المشروع حتى الآن من رصد نحو 60 ألف مادة ومن المتوقع أن يصل إلى 100 ألف مادة بعد خمس سنوات من الآن. وهذا يوفر ما يطلق عليه العاملون بالمشروع «جينوم المادة»: وهو قائمة من الخصائص الأساسية – توصيل الكهرباء، الصلابة، المرونة والقابلية لامتصاص المواد الكيميائية الأخرى وغيرها – من بين كافة المركبات التي يمكن أن يفكر فيها الشخص. فيقول سيدير: «خلال عشر سنوات، ستتوافر تلك المعلومات أمام مصممي المواد بالإضافة إلى معلومات حول كيف يمكن لهذه المواد أن تتفاعل مع بعضها البعض»، مضيفا أن «تلك المعلومات لم تكن متوافرة من قبل وأن كل شيء كان يعتمد على التجربة والخطأ».

أحدث الاكتشافات

خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي وحده أخبر علماء المادة وسائل الإعلام بأكثر من 100 اكتشاف هام. وفيما يلي عدد من أهم تلك الاكتشافات المنشورة في الصحف المتخصصة:
– نوع من الكريستال يطلق عليه «بيروفسكايت» ويمكن استخدامه في صنع ثنائيات مشعة للضوء تصدر ضوءا متوهجا على نحو استثنائي. ويمكن استخدامه في الإضاءة والعرض. هانوي جاو وبيو ما من جامعة ولاية فلوريدا. المواد المتقدمة.
– تجارب على شكل مميز من الإلكترونيات يطلق عليه «فاليترونيك» والذي اتخذ هذا الاسم إثر اكتشاف الطرق التي يمكن عبرها للإلكترونات أن تتحرك عبر أشباه الموصلات وأثبتت التجارب أن هذه التقنية يمكن استخدامها لصناعة حواسيب تعمل بطاقة منخفضة. سيجو تاروشا وزملاؤه بجامعة طوكيو. الفيزياء الحيوية.
– نقاط كمية مصنوعة من جزيئات النانو لبيريت الحديد والمعروف باسم «ذهب المغفل» والذي يمكن أن يجعل البطاريات تشحن أسرع. كاري بنت، وأنا دوغلاس وزملاؤهما بجامعة فاندربلت بناشفل. «إيه سي إس نانو».
– الحساسات الحيوية المصنوعة من الجرافين والتي يمكنها أن توفر مستويات عالية من الحساسية للمساعدة على تسريع تطوير أدوية جديدة. ألكسي أرسنين ويوري ستبونوف من معهد موسكو للفيزياء والتكنولوجيا (إيه سي إس) المواد التطبيقية والواجهات.
– مواد يطلق عليها ماصات الميكرويف وتستخدم لكي تجعل رصد الأجسام من خلال الرادار مثل طائرات الشبح أكثر صعوبة. وهي مادة جديدة خفيفة الوزن ذات مصفوفة من الموصلات المخططة يمكنها تحسين خصائص الإخفاء. ونهوا تشو وزملاؤه بجامعة هازهونج للعلوم والتكنولوجيا بالصين. صحيفة الفيزياء التطبيقية.
– فئة جديدة من «السوائل يسهل اختراقها وتصنع ثقوبا على مستوى الجزيء ومن ثم يمكن أن توفر عددا من التطبيقات العملية بما في ذلك التحكم في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من المصانع. ستيوارت جيمس وزملاؤه بجامعة الملكة ببلفاست. الطبيعة.
– مواد نانو حساسة للفولت يمكن إدخالها في النسيج البشري لجمع معلومات حول عمل المخ والمساعدة في تشخيص الإصابة والمرض. جيمس دلهانتي وزملاؤه بمعمل الأبحاث البحرية بواشنطن العاصمة. صحيفة النانو.
ويتم حاليا إنتاج الكثير من النماذج الافتراضية قبل أن يتم إنتاج الشكل الفيزيقي منها باستخدام برامج من شركات مثل «التير» وشركة «أوتوديسك» بمتشيغان، وشركة أخرى يقع مقرها بكاليفورنيا وشركة «دوسو سيستيم» الفرنسية. ويستطيع المهندسون عبر تلك البرامج أن يضعوا نموذجا لمصنع مواد كيميائية، ويستطيع المعماريون أن يجعلوا عملاءهم يتجولون في عرض رقمي للمبنى كما يمكن اختبار السيارات بصريا في شوارع مختلفة وركنها إلى جانب السيارات المنافسة في مشاهد حية للشوارع.
وكل هذا يعمل على تسريع عملية تطوير المنتج؛ حيث إن البرامج قوية بما يكفي لكي تضع خصائص المادة في الاعتبار مما يسمح بحساب أشياء مثل الأحمال والضغوط وديناميات السوائل وعوامل الديناميكا الهوائية والشروط الحرارية وغيرها.

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.