ثورة الطاقة النظيفة.. ودعوة لتغير المناخ بالإبداع - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

بيئة

ثورة الطاقة النظيفة.. ودعوة لتغير المناخ بالإبداع

باراك أوباما وفرانسوا هولاند و بيل غيتس خلال  قمة الأمم المتحدة حول تغير المناخ التي عقدت في باريس نهاية العام الماضي بمشاركة قرابة 150 من زعماء العالم(غيتي)
باراك أوباما وفرانسوا هولاند و بيل غيتس خلال قمة الأمم المتحدة حول تغير المناخ التي عقدت في باريس نهاية العام الماضي بمشاركة قرابة 150 من زعماء العالم(غيتي)
• علماء مختصون: ستزداد درجة حرارة الأرض بقدر يتراوح بين 2,7 و3,5 درجة مئوية وهي مخاطرة تهدد بحدوث كارثة في الكوكب كله
• مضاعفة التمويل العام في أنشطة البحث والتطوير في مجال الطاقة النظيفة إلى 20 مليار دولار أميركي سنويًا بحلول عام 2020
• سياسات جديدة لتشجع الاستثمار في تكنولوجيا الطاقة النظيفة ..و أقتراح لفرض غرامة على انبعاثات ثاني أكسيد الكربون
• محطات الكهرباء التي تعمل بالوقود الأحفوري تولد نحو 70 % من إجمالي الطاقة الكهربائية بالعالم
• تقترب تكلفة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في الولايات المتحدة الأميركية من تكلفة الغاز الطبيعي والفحم

واشنطن: فارون سافيرام وتيرين نوريس*

خلال مؤتمر الأمم المتحدة حول تغير المناخ في باريس في ديسمبر (كانون الأول) العام الماضي، قدمت ما يزيد على 180 دولة خططا مفصلة للحد من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري فيها. وبعد أسبوعين من المفاوضات المكثفة، وافقت دول أخرى على تقديم خطط أكثر قوة كل خمس سنوات.
دون التقدم في تكنولوجيا الطاقة النظيفة، ستزداد درجة حرارة الأرض بقدر يتراوح بين 2,7 و3,5 درجة مئوية، وهي مخاطرة تهدد بحدوث كارثة في الكوكب كله. إن خفض الانبعاثات بمعدلات أكبر،أمر محكوم عليه بالفشل، خصوصا في الدول النامية مثل الهند، التي يجب على صانعي السياسات بها الاختيار بين تعزيز النمو الاقتصادي أو التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري. وطالما ظل مبدأ التنازل عن ميزة من أجل الحصول على أخرى قائمًا، سيحضر الدبلوماسيون مؤتمرات المناخ مكتوفي الأيدي.
فقد كشف بيل غيتس عن إنشاء ائتلاف الطاقة المتقدمة، وهو مجموعة من عشرات الرعاة الأثرياء الذين يخططون لجمع استثمارات في شركات تكنولوجيا الطاقة النظيفة التي لا تزال في مراحلها الأولى. كذلك أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما عن مهمة الابتكار، وهو اتفاق بين 20 دولة – من ضمنها أكبر ثلاث دول تصدر فيها انبعاثات: الصين والولايات المتحدة والهند – بهدف مضاعفة التمويل العام في أنشطة البحث والتطوير في مجال الطاقة النظيفة إلى 20 مليار دولار أميركي سنويًا بحلول عام 2020. وتُعد واشنطن العامل المؤثر في نجاح هذا الاتفاق أو فشله، إذ إن نصف هذا المبلغ المستهدف سيأتي من مضاعفة الولايات المتحدة لمخصصات ميزانيتها الحكومية السنوية، التي تبلغ حاليًا 6,4 مليار دولار.
من المؤكد أن مكافحة تغير المناخ بنجاح ستتطلب اتخاذ سياسات حكومية عاقلة تحقق التوازن في العامل الاقتصادي بين الطاقة غير النظيفة والطاقة النظيفة، مثل وضع غرامة على انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. ولكنها ستتطلب أيضًا سياسات تشجع الاستثمار في تكنولوجيا الطاقة النظيفة الجديدة، التي مع كونها عاملاً مهمًا، فلن تحقق شيئًا من تلقاء نفسها. سيتطلب ذلك دورًا قياديًا من الولايات المتحدة، الدولة الوحيدة التي تمتلك القدرة الإبداعية المطلوبة. في الماضي، شهدت الولايات المتحدة زيادة في الاستثمارات المخصصة للابتكار في مجال الطاقة النظيفة، إلا أنها تراجعت بعد ذلك. ولمنع هذا من الحدوث مرة أخرى، ينبغي على الحكومة زيادة دعمها للبحث والتطوير الخاص والعام في الداخل والخارج بنسبة هائلة. من المؤكد أنها مهمة شاقة، ولكن عدم فعل شيء ليس أقل خطورة.

لا تتوقف عن التفكير في الغد

يكمن مفتاح تحقيق مستقبل تنخفض فيه معدلات ثاني أكسيد الكربون في الطاقة الكهربائية. إن التحسينات في هذا القطاع مهمة ليس فقط لأن الطاقة الكهربائية تمثل أكبر نسبة من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون، ولكن جني ثمار تيار الإبداعات – مثل السيارات الكهربائية – أيضًا يتطلب تيارا من إمدادات الطاقة الكهربائية النظيفة. تولد محطات الكهرباء التي تعمل بالوقود الأحفوري حاليًا 70 في المائة تقريبًا من إجمالي الطاقة الكهربائية بالعالم. ولكن حذرت وكالة الطاقة من وجوب هبوط هذا الرقم إلى 7 في المائة، بحلول عام 2050 فقط لإعطاء العالم فرصة نسبة نجاحها 50 في المائة، لكي ينخفض الاحتباس الحرارى إلى درجتين مئويتين. وسيكون إنشاء مزيد من محطات توليد الكهرباء التي تعمل بالوقود الأحفوري مقبولاً فقط إذا أمكن تحديد انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون وتخزينها تحت الأرض. وسوف تكون هناك حاجة إلى إنماء سريع لمحطات الطاقة النظيفة، التي تبلغ نسبة انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون منها صفر في المائة، مثل: محطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الكهرومائية والطاقة النووية، إلى الدرجة التي تمكنها من توفير معظم إمدادات الطاقة الكهربائية بالعالم بحلول منتصف القرن الحالي.
ولكن المشكلة هي أن تكنولوجيا الطاقة النظيفة التي تحقق تقدمًا الآن على هامش العالم القائم على الوقود الأحفوري قد لا تكون كافية في عالم تهيمن عليه الطاقة النظيفة. على سبيل المثال، تقترب تكلفة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح من تكلفة الغاز الطبيعي والفحم في الولايات المتحدة الأميركية، ولكن هذا التقارب أصبح ممكنًا بسبب مولدات الوقود الأحفوري المرنة التي تسهل كثيرا عن الطاقة المتغيرة للغاية الناتجة عن الشمس والرياح. إن تكثيف الإمدادات من تلك المصادر المتقطعة سيؤدي إلى زيادة مفرطة في إمداد شبكة الكهرباء في بعض الأحيان، الأمر الذي يجعل الطاقة المتجددة أقل قيمة وتتطلب حدوث تذبذبات هائلة في الإنتاج المتضائل لمولدات الوقود الأحفوري. وتعتبر الطاقة النووية والكهرومائية أكثر جدارة بالثقة ولكنهما تلقيان معارضة بيئية شرسة. ونتيجة لهذا، ستكون محاولة إنشاء شبكة كهرباء نسبة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون منها صفر فقط باستخدام التكنولوجيا الحالية باهظة الثمن ومعقدة ولن تحظى بالشعبية.
كذلك، سيتطلب تنظيف قطاع النقل قفزات تكنولوجية هائلة. فبالكاد تنافس أنواع الوقود البديلة أسعار النفط عندما تكون الأخيرة مرتفعة، وإذا نجحت سياسات المناخ في خفض الطلب على النفط، خلال العقود المقبلة، فسوف ينخفض سعره، مما يجعل المنافسة على أنواع الوقود البديلة أكثر صعوبة. قد يقدم الهبوط الأخير في أسعار الوقود مجرد لمحة عن المشكلات المستقبلية: لقد أصبحت شركات الوقود الحيوي خارج المنافسة بالفعل وجذب المستهلكين بعيدًا عن السيارات الكهربائية.

محطات توليد الكهرباء

كل هذا يعني أن تأسيس نظام طاقة عالمية نظيفة ومعتدلة السعر وجديرة بالثقة سيتطلب محفظة متنوعة من التكنولوجيا منخفضة الكربون أعلى من الخيارات القائمة حاليًا. ستظل مولدات الطاقة النووية والفحم والغاز الطبيعي ضرورية لتوفير إمدادات طاقة معروفة التردد. ولكن تصميمات المفاعل الجديد قد تجعل الانصهار النووي مستحيلا فيزيائيًا، وقد تحجب الأغشية المصنوعة بتكنولوجيا النانو انبعاثات الكربون في محطات توليد الكهرباء التي تعمل بالوقود الأحفوري. وقد تُمكن الطلاءات الشمسية، عندما تصبح رخيصة مثل ورق الحائط، المباني من توليد طاقة أكبر مما تستهلك. كذلك قد تحقق تقنيات التخزين المتقدمة – من البطاريات كثيفة الطاقة إلى المحفزات التي تسخر أشعة الشمس لتقسيم المياه وخلق وقود الهيدروجين – الاستقرار في شبكات الطاقة والسيارات الكهربائية. وتستمر لائحة الأمنيات: طرق جديدة للاستفادة من خزانات الطاقة الحرارية الأرضية التي تعذر الوصول إليها سابقا ووقود حيوي لا يتنافس مع المحاصيل الغذائية ومعدات فائقة الكفاءة لتسخين المباني وتبريدها.
إن كل واحدة من تلك الوسائل التكنولوجية المتقدمة ممكنة، ولكن يحتاج معظمها إلى تحقيق خطوة أساسية هائلة في المعامل والمختبرات أو مشروع رائد في المجال. على سبيل المثال، لم تسفر رحلة السعي عن المحفز المثالي لاستخدام ضوء الشمس في تقسيم المياه عن إنتاج عامل كيميائي ناجح حتى الآن، كما أن مادة الطلاء الشمسية الفعالة «بيروفسكايت» ليست جاهزة للاستخدام على نطاق واسع. لذا من المثير للقلق أنه في الفترة بين 2007 و2014، وعلى الرغم من تضاعف التدفقات المالية العالمية لنشر الطاقة النظيفة الناضجة إلى 288 مليار دولار أميركي، هوى استثمار القطاع الخاص في شركات الطاقة النظيفة ذات المراحل الأولية بنسبة 50 في المائة تقريبًا، ليصل إلى أقل من 2,6 مليار دولار أميركي، ولكن بإمكان الولايات المتحدة عكس هذا الاتجاه.

تمويل أنشطة البحث والتطوير

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة أكبر ممول لأنشطة البحث والتطوير في مجال الطاقة بالعالم في الوقت الحالي، ينخفض إنفاقها بصورة مزمنة في هذا المجال مقارنة باستثماراتها في أولويات بحثية وطنية أخرى. تمثل ميزانيتها المخصصة لأنشطة البحث والتطوير في مجال الطاقة البالغة 6,4 مليار دولار جزءا ضئيلا من المبلغ الذي تنفقه على استكشاف الفضاء (13 مليار دولار) وعلى الدواء (31 مليار دولار) وعلى الدفاع (78 مليار دولار). وفي ضوء هذه الفجوة التمويلية، ينبغي على الكونغرس الاستمرار في التزامه تجاه «مهمة الابتكار»، وعلى الأقل يُضاعف تمويل أنشطة البحث والتطوير في مجال الطاقة النظيفة. بالفعل، زاد الكونغرس إنفاقه على أنشطة البحث والتطوير في مجال الطاقة التطبيقية بنسبة 10 في المائة في ميزانيته لعام 2016، وهي نسبة أعلى من أي زيادة لأي نشاط بحثي وتطوير رئيسي آخر في أية وكالة أو برنامج آخر. ولكن بدءًا من عام 2017، ستتطلب مضاعفة الميزانية على مدار خمسة أعوام زيادات سنوية بنسبة 15 في المائة على الأقل.
وعلى الحكومة ألا تمول فقط الأبحاث الأساسية، ولكن ينبغي عليها أيضًا تمويل الأبحاث التطبيقية والمشروعات الرائدة.
ومن أجل عزل التمويل عن السياسة، اقترح مجلس الابتكار في مجال الطاقة الأميركي – وهو عبارة عن مجموعة من قادة رجال الأعمال – إنشاء شركة مستقلة تتبع الجهات الفيدرالية تمول مشروعات رائدة. واقترح آخرون تمكين الولايات أو الأقاليم من تمويل مشروعاتهم الخاصة بهم، مع توفيق المنح الفيدرالية. وإذا نجح المجلس في تمرير المقترحين في الكونغرس، فقد يطلقان استثمارات خاصة ضخمة.
حققت وزارة الطاقة الأميركية تقدمًا أكبر في دعم التكنولوجيا غير الناضجة بعد بالدرجة الكافية التي تجعلها رائدة. في عام 2009، أنشأت حاضنة الجيش الأميركي للتكنولوجيا عالية المخاطر، مستمدًا الإلهام من وكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعية (DARPA)، وكالة مشاريع الأبحاث المتقدمة للطاقة (ARPA – E). وجذبت مشروعات كثيرة تابعة للوكالة بالفعل استثمارات متابعة من القطاع الخاص. وفي عام 2013، على سبيل المثال، استحوذت شركة غوغل على شركة «ماكاني باور»، وهي شركة مبتدئة تطور طائرة ورقية تحول الرياح عند مستويات مرتفعة إلى طاقة. قدمت الوزارة أيضًا رعاية لشراكات بين القطاع العام والخاص بين الحكومة والأكاديميين والشركات – أطلق عليها اسم «مراكز الابتكار» – بهدف تطوير التكنولوجيا المتقدمة. وأيد الرئيس أوباما زيادة ميزانية وكالة (ARPA – E) إلى ثلاثة أضعاف إلى مليار دولار بحلول 2021 وإنشاء عشرة مراكز أبحاث جديدة بين القطاع العام والخاص حول البلاد. وينبغي على الكونغرس المصادقة على تلك المقترحات.
وينبغي أن تساعد الشراكات بين القطاع العام والخاص في تنويع مجموعات مستثمري القطاع الخاص، الذين يمولون إبداعات الطاقة النظيفة. في الواقع، ليست رؤوس الأموال المغامرة كافية بمفردها، إذ إن استثمارات الطاقة النظيفة تتطلب تمويلاً لفترات زمنية أطول من القدر الذي تستطيع رؤوس الأموال المغامرة تحمله. قد يساعد ائتلاف الطاقة المتقدمة في حل هذه المشكلة عبر ضخ القطاع برؤوس أموال أكثر صبرًا. شرح بيل غيتس أنه وزملاءه المستثمرين مستعدون للانتظار سنوات، وعقودا، حتى يجنوا عائدات على استثماراتهم. ولكن رؤيته تعتمد أيضًا على تكثيف الحكومة دعمها.

الإبداع في الخارج

يعاني الإبداع في الطاقة النظيفة على المستوى العالمي من مشكلات متشابهة. فمثل واشنطن، تنفق حكومات أخرى القليل جدًا على البحث والتطوير، حيث هبطت نسبة كل أنشطة البحث والتطوير في مجال الطاقة النظيفة الممولة علنًا من 11 في المائة في بدايات ثمانينات القرن الماضي إلى 4 في المائة في عام 2015. وبفضل مهمة الابتكار، قد يشهد هذا الاتجاه الهابط حركة عكسية قريبًا. ولكن إذا ارتفع الإنفاق بطريقة غير مُنسّقة، فقد تضاعف الحكومات تمويلها لبعض المجالات وتهمل أخرى.
وبما أن الحكومات تُثمّن استقلاليتها، يُعد من الخطأ حل هذه المشكلة من خلال عملية مركزية تراتبية تحدد أولويات البحث وتوجّهها في كل دولة. وبدلاً من هذا، ينبغي أن تعمل مؤسسة قائمة على تنسيق الإنفاق من خلال أسلوب تصاعدي (متدرج من المستوى الأدنى إلى المستوى الأعلى). وأكثر الكيانات مناسبة ومعقولية لهذه المهمة هو المؤتمر اﻟﻮزاري اﻟﻌﺎﻟﻤﻲ ﻟﻠﻄﺎﻗﺔ اﻟﻨﻈﻴﻔﺔ (CEM)، وهو منتدى عالمي أنشأته إدارة الرئيس أوباما، ويجمع المسؤولين عن الطاقة تقريبًا من كل الدول الأعضاء في مهمة الابتكار. ومع ذلك، لا يملك المؤتمر طاقم عمل دائما، وقد يتفكك دون دعم الإدارة الأميركية المقبلة. وبالتالي، ينبغي على الإدارة الأميركية التصرف سريعًا من أجل إقناع شركائها في مهمة الابتكار بالمساعدة في تمويل أمانة دائمة وميزانية تشغيلية للمؤتمر. وبمجرد حدوث هذا، قد يُصدر هذا الكيان تقريرًا سنويًا عن كل نفقات البحث والتطوير لكل دولة عضو، الذي تستطيع الدول استخدامه في مساءلة بعضها على تعهداتها بمضاعفة التمويل. وقد يجمع المؤتمر مسؤولين لمشاركة اتجاهات تتعلق بحدود الأبحاث التطبيقية، المستقاة من طلبات المنح المقدمة إلى هيئات التمويل الوطنية.


باحثون: العالم بحاجة إلى خفض انبعاثات الكربون بنسبة 80 % بحلول 2050 لتجنّب كارثة مناخية

بعد ذلك، هناك مشكلة عزوف الشركات الأجنبية عن الاستثمار في الإبداعات. لقد ركز منتجو كل شيء من الألواح الشمسية إلى البطاريات، وغالبيتهم من آسيا، على الخفض القاسي للإنفاق واستغلوا مساعدة الحكومة في حالات كثيرة في بناء قدرة تصنيعية هائلة من أجل إنتاج التكنولوجيا المفهومة جيدًا بكميات هائلة. وتنتج الصين اليوم أكثر من ثلثي الألواح الشمسية، حيث تنفق معظم الشركات أقل من واحد في المائة من عائداتها على البحث والتطوير. (في الواقع، كانت تلك الألواح الشمسية النموذجية المتدفقة بأحجام كبيرة ورخيصة من الصين السبب إلى حد كبير في إفلاس الشركات الأميركية المبتدئة في الألواح الشمسية عند بداية هذا العقد).
ولم يتوقف هذا السباق العالمي حتى النهاية عند إعاقة نمو إبداعات الطاقة النظيفة فقط، ولكنه أيضًالا يتوافق على نحو جيد مع القوة التنافسية للولايات المتحدة. ففي صناعات أخرى، تحقق الشركات الأميركية الرائدة أرباحا اقتصادية داخل الولايات المتحدة وخارجها من خلال الاستثمار بقوة في البحث والتطوير. وفي صناعات الإلكترونيات وأشباه الموصلات والطب الأحيائي. على سبيل المثال، تستثمر الشركات الأميركية نسبة تصل إلى 20 في المائة من عائداتها على البحث والتطوير.
ولتشجيع الشركات الأجنبية على الاستثمار بصورة أكبر في البحث والتطور بمجال الطاقة النظيفة، ينبغي على الولايات المتحدة تبنّي التعاون بين القطاع العام والخاص، ولنا في مركز أبحاث الطاقة النظيفة الأميركي الصيني (CERC) مثال جيد، فقد تم تأسيسه عام 2009 وتُموّله الحكومتان الأميركية والصينية والمؤسسات البحثية والشركات الخاصة. وجدير بالملاحظة أن المركز أزال عقبة كبرى أمام التعاون الدولي: سرقة حقوق الملكية الفكرية. فهناك قواعد واضحة تحكم الطرفين في ما يتعلق بملكية وترخيص التكنولوجيا المُخترعة من خلال المركز. وفي حالة عدم اتفاقهما على غير ذلك، يجب عليهما تقديم نزاعاتهما إلى التحكيم الدولي الذي تضبطه قوانين الأمم المتحدة. وسجلت أكثر من 100 شركة في هذا المركز، وفي عام 2014، وسّعت الصين والولايات المتحدة الشراكة بينهما بصورة متحمسة. لقد حان الوقت لتطبّق الولايات المتحدة إطار حقوق الملكية الفكرية للمركز في أنشطة تعاون مع دول أخرى، مثل الهند، التي لا ترتبط معها باتفاقية كهذه.

الثورة التالية

من خلال الاستثمار محليًا وقيادة انطلاقة تكنولوجية في الخارج، ستقدم الولايات المتحدة لإبداعات الطاقة النظيفة دفعة هي في أشد الحاجة إليها، ليتمكن التنفيذيون في مجال الطاقة أخيرا من لقاء كبار الأكاديميين في مؤتمرات التكنولوجيا. ويستطيع اتحاد الصناعات تقديم خطط طريق للتحسينات التكنولوجية الجذرية التي تبنئ بإنجازات مستقبلية، وسيراهن المسثمرون التابعون لمؤسسات على الشركات المبتدئة وسيوافقون على الانتظار عقدا أو ربما أكثر قبل جني أية عوائد.
هناك الكثير في واشنطن، وهذا يبدو مثل حلم باهظ. بالفعل، إن تحويل قطاع الطاقة إلى محطة إبداعية سيكون أكثر صعوبة وتكلفة من مشروع مانهاتن أو بعثة أبولو. في كلتا الحالتين، أنفقت الحكومة مليارات الدولارات على هدف واحد محدد، في حين يتطلب النجاح في إبداعات الطاقة النظيفة استثمارات كل من القطاع العام والخاص في مجموعة واسعة النطاق من التكنولوجيا.
ومع ذلك، حققت الولايات المتحدة تحولات مماثلة من قبل. خذ صناعة الطب الأحيائي على سبيل المثال، فمثل الشركات المبتدئة في الطاقة النظيفة، تحملت الشركات المبتدئة في الطب الأحيائي دورات ازدهار وكساد في الاستثمار في ثمانينات وتسعينات القرن المنصرم. ولكن القطاع الخاص اليوم يستثمر بكثافة في إبداعات الطب الأحيائي، ويرجع هذا بصورة جزئية إلى التمويل العام الكبير والمتواصل. قد يعترض أحد قائلاً إن هوامش الربح الهائلة لصناعة الطب الأحيائي سمحت باستثمار المزيد في البحث والتطوير، على عكس هوامش الربح الهزيلة المُميّزة لصناعة الطاقة النظيفة. ولكن لا ينبغي وصف قطاع الطاقة النظيفة بصغر الأرباح دائمًا: فقد تكسب الشركات الإبداعية هوامش ربح أعلى بكثير من منتجي السلع اليوم من خلال تطوير منتجات جديدة تخدم المطالب التي لم تتحقق.
مع الطاقة النظيفة، بالكاد ستبدو المخاطر كبيرة. وإذا أراد العالم تجنّب كارثة مناخية، فهو بحاجة إلى خفض انبعاثات الكربون بنسبة 80 في المائة بحلول منتصف هذا القرن، وهو مستهدف ببساطة صعب المنال عند استخدام التكنولوجيا الحالية. ولكن مع امتلاك الدول ترسانة منخفضة الكربون وأكثر قوة، تستطيع تقديم تعهدات بخفض الانبعاثات كانت طموحة وواقعية. لن تواجه الاقتصادات الناشئة بعد الآن المساومات بين الحد من الوقود الأحفوري الضار وإخراج شعوبها من فقر الطاقة. وستضع الولايات المتحدة نفسها في مقدمة الثورة التكنولوجية التالية.

* فارون سافيرام: زميل في مركز دوغلاس ديلون التابع لمجلس العلاقات الخارجية. وتيرين نوريس: مستشار خاص سابق في وزارة الطاقة الأميركية.

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.