زمن رمضان الجميل - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

مدوّنات

زمن رمضان الجميل

ما إن يصلك صوت الشيخ محمد رفعت، مرتلًا آيات الذكر الحكيم حتى تهب عليك نفحات شهر رمضان
كان الرجل الصالح يجمع أولاده الخمسة حول مائدة الإفطار للاستماع إلى القرآن الكريم كالمعتاد قبيل الإفطار في رمضان منذ أكثر من نصف قرن وكانت الأم قد أعدت وجبة نادرة من الدجاج البلدي الذي انقرض طعمه الآن وكان الأولاد الصغار ملتفين حول المائدة يتعجلون أذان المغرب فقد بلغ بهم الجوع والعطش مبلغا كبيرا.

وكعادة الرجل الصالح مع أولاده من عدم الكلام أثناء تلاوة القرآن فكنت لا تسمع إلا همسهم وسكونهم أكثر من حركاتهم وعندما يؤذن المغرب كان هناك فاصل من الدعاء قبل تناول الطعام حتى يتقبل الله صوم الأسرة وكان هذا الفاصل محل تذمر من أولاده ولكن في صمت فلم يكن أحد منهم تسول له نفسه بالجهر والاعتراض وبالطبع لا مجال للثورة على ديكتاتورية الرجل الصالح في أدب الصيام وعندما همت الأسرة بوضع اللمسات الأخيرة للمائدة دق الباب فإذا برجل أبكم مع فتاة في الرابعة من عمرها تشير إلى حاجتهم إلى الطعام فما كان من الرجل الصالح إلا أن حمل كل وجبة الدجاج النادرة وسلمها للسائل دون أن يرمش له جفن أو تنبس شفتيه بكلمة واحدة ثم أمر الزوجة الصالحة بإحضار بعض من البقول الذي تبقى من وجبة السحور ثم نظر إلى أولاده الذين كانوا في حالة غليان صامت وسورة غضب تشتعل في صدورهم تمنعهم سطوة الأب من التعبير عنها وعلى غير العادة ابتسم الأب وخرج عن قاعدة الصمت الذهبية وقال بصوت حنون لأولاده أعلم أنكم غاضبون فقد فقدتم وجبة الدجاج النادرة وأنتم لا تدرون من هذا الرجل الذي دق بابنا من دون عشرة أبواب تتكون منها هذه البناية فلعله ملاك أرسله الله ليبتلينا.

وقد تكونون ناقمين علي الآن ولكن عندما تكبرون وتفهمون معنى الصبر ومعنى العطاء وحكمة رمضان أرجو أن تدعوا لأبيكم بالرحمة وأن يوسع الله عليه في قبره فعند ذلك تكونون قد فهمتم دينكم حق الفهم وعند ذلك تسلل الأخ الأصغر ليبحث عن السائل وابنته دون جدوى فكأنما انشقت الأرض وابتلعتهم ولم يتبقَ من هذه القصة سوى الذكرى الطيبة وحنين إلى أزمنة رمضان الجميلة البسيطة الفقيرة ماديا والغنية روحانيا فكان القليل من ماء الأواني الفخارية يروي العطش وبعض الطعام المصنوع بخبره وجوده يغني عن أعظم المطاعم السويسرية وكانت قطعة لحم بلدي صغيرة أطعم من الاستيك الاسكوتلندي وكان الرضا والحمد والشكر لواهب النعم هو دستور الصائمين وكانت صلاتنا وصيامنا وقيامنا عبادة وليست عادة لم نكن نملك ألف محطة تلفزيون ولكن محطة إذاعة واحدة كانت كافية لتعلمنا آداب الصيام ومعنى الرحمة ورسالة رمضان الاجتماعية هكذا كان زمن رمضان الجميل فرحم الله الأب الرجل الصالح الذي مر على وفاته أكثر من ربع قرن وبقيت حكمة القصة.

Previous ArticleNext Article
جمال عبد المعبود
كاتب مصري وباحث في تاريخ الأديان وفلسفة المذاهب ويشغل منصب نائب رئيس إتحاد المصريين في أوروبا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.