• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari
مذكرات

مذكرات أبى فرات (2).. محمد مهدي الجواهري: في الثامنة من عمري عشت أول قصة حب حقيقية

«المجلة» في بيت الجواهري
«المجلة» في بيت الجواهري
«المجلة» في بيت الجواهري

براغ: هدى المر


سجلت «المجلة» عام 1982 ،ذكريات الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري نقلا عن لسانه من العاصمة التشيكية براغ التي أقام بها الراحل (أبو فرات) عدة سنوات، وتنشرها في حلقات.
وفي العدد الماضي نشرت «المجلة» الحلقة الأولى من ذكريات الراحل أبو فرات،وتضمنت تلك الحلقة نشأته في المدينة العراقية النجف، وكيف أنه مال نحو الشعر منذ كان صغيرا. وتطرق الشاعر الكبير، الجواهري، في تلك الحلقة إلى طفولته، ورد على سؤال طرحه على نفسه وهو: «كيف أعرف بنفسي»؟وفي ما يأتي الحلقة الثانية من ذكريات محمد مهدي الجواهري.

الجواهري: كان والدي – رحمه الله – في أواخر حياته رجلا معدما باع كل ما غلا ثمنه في المنزل كي لا يمد يده إلى الآخرين

خلال تسجيل هذه الذكريات مع الشاعر محمد مهدي الجواهري، في العاصمة التشيكية براغ، كان العمل اليومي يتم على مرحلتين: الأولى في الصباح والثانية في المساء.
فمن عادات الجواهري، الذي نظم حياته بشكل دقيق ومبرمج، أنه يصحو في السابعة صباحا وكنا نبدأ التسجيل في نحو العاشرة بعد أن يكون قد قام بجولة في السوق يشتري خلالها حاجاته اليومية من المآكل والمشارب كما من عاداته اليومية أنه ينام بين الثالثة والسادسة من بعد ظهر كل يوم. وهو لا يغفو في هذه الاستراحة قبل أن يكون قد استمع من الإذاعة إلى نشرات إخبارية عدة.والنوم، في النهار، بالنسبة إلى الجواهري عادة مارسها منذ طفولته. حتى في المراحل التي سجن فيها كان يمارس النوم في السجون. ويتابع الجواهري سرد ذكرياته من دون أن نقاطعه بأسئلة تقطع عليه سياق هذه الذكريات.
يقول: البيئة التي تربيت فيها لا تعجبني حتى الآن، رغم مرور سبعين سنة على هذه الأحداث التي أرويها. السبب؟ أنها بيئة متخلفة. بل إنها ما زالت متخلفة جدا. وأحيانا تحضرني النكتة فأقول: إن هناك بلدانا قطعت مرحلة التخلف وصارت متحضرة وأخرى شبه متحضرة، وإن هناك بلدانا ما زالت مصرة على التخلف. والنجف مصرة على التخلف رغم كل المظاهر الدينية التي يجب أن تطهر وتنقي الإنسان. فقد كانت هناك أشياء تحدث لا يمكن أن يصدقها العقل. ومن غرائب الأمور التي كانت تحدث في النجف أن الجرائد والمجلات كانت تصل خفية رغم أنها أدبية وإسلامية. ومع ذلك كانت لا تفتح أو تقرأ في صحن الإمام، وهو المكان الذي تعطى فيه الدروس الدينية والأدبية. كل المجلات كانت تقرأ خفية. وإذا ما أريد الاستهزاء بشخص ما قيل عنه: «الأخ مثقف.. متمدن». وإذا ما أرادوا تطوير هذه العبارة تصبح تهمة وليست فقط استهزاء. في هذه البيئة المليئة بالعقد والتناقضات، عشت نشأتي،وتفتحت عيناي على الدنيا. هذه الفترة ما زالت تتفاعل في داخلي. إنها من أصعب فترات حياتي. وإلى الآن ما زلت أعانى منها. ما زلت أحمل أوزارها وثقلها على كتفي.

ومثال على ذلك أن والدي – رحمه الله – كان في أواخر حياته رجلا معدما باع كل ما غلا ثمنه في المنزل كي لا يمد يده إلى الآخرين. علما بأن من حقه أن يأخذ حصته من مال المسلمين، لكن كرامته وأخلاقه منعاه من ذلك. فكنا نستدين من بائع الحلوى القليل من الزبيب لنقتات به بدل العشاء. أي بدل الطعام، بينما بيوتات كثيرة كانت تذبح الخراف وترمي بقاياها رغم معرفتها مكانة والدي الدينية وحاجته. ومع ذلك كانت تستنكف أن تمد يدها إليه حتى في شهر رمضان.
وغيري مئات الأشخاص كانوا يعانون المعاناة نفسها. أطفال جياع ينامون بلا طعام ولا من يسأل عنهم. واحد يرتدي الحرير وفي مقابلة عشرة عراة.
وتكمن المشكلة في كوننا بيئة محافظة تحوي كل التناقضات والمفارقات. وكما أشرت سابقا، كابد والدي الكثير إلى أن توفي. كذلك أخي عبد العزيز عانى أكثر وتشرد. أما أنا، رغم أنني تركت تلك البيئة منذ ستين سنة، فما زلت أنوء بحملها وبتناقضاتها.

فتاة أحلامي

وتابع الجواهري: «قصصي كانت عجيبة غريبة. طفولتي لم تكن مثل باقي الأطفال. قد تتساءلين: وكيف كانت طفولتك عجيبة غريبة؟
كنت لا أزال في الثامنة من عمري عندما أحببت لأول مرة. شيء لا يصدق أليس كذلك؟ صدقيني، لقد أحببت بكل ما تحوي هذه الكلمة من معنى.ولكن كيف؟
في الصيف كنا نقصد الكوفة، وكانت عائلة هويدي تقيم مقابل منزلنا. فقد كانت هذه العائلة تلتزم الجسر إذ كان يومذاك، يدفع رسما كل من أراد عبور جسر الكوفة. وطبعا، أنا الطفل لفت نظري وجود صبية في نحو الثانية عشرة، حلوة، جميلة تختال كل يوم مع صديقاتها وهن في العباءات.
وبدأت أتقرب من تلك الصبية. والظاهر أنها أنست بي واستلطفتنى فكانت تصحبني في أكثر الأحيان مع أسرتها إلى الشاطئ. أما أنا فلم أعد أطيق فراقها. طيلة النهار كنت أبقى معها أينما ذهبت. وفي المساء أعود إلى المنزل أحلم بفجر جديد لأذهب إلى فتاتي. كنت أحبها بعنفوان وكبرياء.
ففي أحد الأيام تساءلت بيني وبين نفسي: لا بد أنني متطفل. فكل يوم أخرج مع أسرة فتاة أحلامي دون أن أشاركهم شيئا ما. وفكرت مليا في الأمر، فوجدت أن باستطاعتي المشاركة بجلب الفحم لإعداد الشاي، خاصة وأنه متوفر في منزلنا. وحالا، أخذت وعاء فارغا ونزلت إلى القبو لأملأه. في هذه الأثناء حضر خالي الشيخ عبد الرسول. وكانت لهذا الخال هيبة في نفسي. فاضطربت أول الأمر. لكوني سارقا. لكنى تمالكت نفسي وحملت فحمة وبدأت أكتب على الحيطان بيتا من الشعر كنت قد سمعته من والدي.
وما إن انتهى خالي من الوضوء استعدادا للصلاة، حتى تسللت ومعي الفحم متجها إلى منزل الحبيبة لأرافقها إلى الشاطئ.
ودامت الأمور على هذا الحال، إلى أن عدنا إلى النجف. وبقيت آثار هذه القصة تعيش معي مدة طويلة. وبعد ما كبرت أحببت أكثر من مرة. لكنى أستطيع القول إن حبي في مراحل صباي لم يكن أعنف أو أقوى مما كان وأنا في الثامنة من عمري.

وهناك حادثة أخرى ما زلت أذكرها من أيام الدراسة. فقد أرسلني والدي إلى جناب عالي لأدرس عنده. وكان الأخير مشهودا له بقسوته وبتنوع عقابه لمن يستحق. لذلك كان التلاميذ يخافونه ويرهبونه.
وفى موعد الغذاء، ينتقل جناب عالي بين أطباق التلاميذ ويختار الأجود منها. ثم يجمعها ويرسلها إلى منزله مختارا اثنين منا. وقبل أن نتوجه نحو منزله كان الشيخ يسهب في الشرح عند داره وكيف أنها مخيفة وتسكنها أرواح شريرة. لذا يتوجب على من يحمل الطعام أن يكتفي بقرع الجرس وتلاوة الأناشيد دون النظر إلى مستلم جرة الطعام.
وطبعا كان التلاميذ ينفذون الوصايا بلا نقاش لخوفهم من جناب عالي ولتصديقهم رواياته.

«قمر» على الباب

وفي أحد الأيام اختارني أنا، مهدي، لإيصال ما لذ وطاب من طعام إلى منزله. وبعدما قرعت الجرس وأنشدت النشيد، فتح الباب، فلم أستطع ضبط نفسي واختلست نظرات سريعة إلى الباب المفتوح. وإذا بي أمام فتاة باهرة الجمال في عمر الورود. وصرت أتمنى أن أرسل كل يوم لأختلس النظر إلى ذلك «القمر» الذي طالما قال لنا عنها أستاذنا جناب عالي بأن المنزل مسكون بأرواح شريرة يجب عدم النظر إليها.
منذ طفولتي كنت مولعا بالشعر. وأنا عمري نحو العشر سنوات، لم يكن عندي شيء أجل وأعظم من اسم شاعر. ولم يكن أحب إلي من دواوين الشعر والتهامها.
مثلا، صيف العراق حار جدا. وخصوصا في النجف. ولتلافى الحر كانت العائلات تبني السراديب تحت البيوت.
وهي ما زالت حتى الآن موجودة، ولا يمكن أن يستعاض عنها بالمروحة أو بالثلاجة. وللسراديب طاقات للتهوية. وهي صحية وجميلة ومريحة.
وتبقى العائلة في السرداب طيلة النهار ولا تغادره إلا عصرا حين ينتعش الجو. طبعا، كل من في المنزل عندنا كان ينزل إلى السرداب إلا أنا. والسبب؟ طريف. فلم أكن أريد النزول مع العائلة خوفا من أن أنام. وكيف أستطيع النوم وأمامي دواوين شعر؟ مستحيل. لذلك كنت أبقى في الحر لأنقل بخطي ما استعرت من كتب قبل أن يحين موعد استردادها من جانب صاحب المكتبة. ومهما كان عدد صفحات الديوان، كنت أنقلها خلال أربعة أيام على الأكثر.

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.