• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

تكنولوجيا

الفحم..صخرة هزت العالم

506230892

لندن: المحرر الإقتصادي

ورقة بحثية نشرتها جامعة ستانفورد: الفحم ساهم في نشأة المجتمع الحديث
على مدار 60 مليون سنة تقريبًا من تاريخ الأرض، وهي الفترة المعروفة لدى الجيولوجيين بالعصر الكربوني، بدت الحياة النباتية غير مستعدة للتعفن. فعندما ماتت الأشجار، سقطت على الأرض، التي كان معظمها عبارة عن مستنقعات في تلك الأيام، وبدلاً من أن تستهلكها الكائنات الحية الدقيقة، ظلت سليمة إلى حد بعيد. وفي الوقت المناسب، سقط المزيد من الأشجار في تلك المستنقعات، والكثير الكثير منها. وفقد الخشب المدفون، المضغوط من ثقل وسخونة باطن الأرض، تدريجيًا مكوناته الطيارة، وتحول إلى مادة أوثق وأقرب إلى الكربون النقي.

وكانت النتيجة تكوّن الفحم، الذي أشعل الثورة الصناعية، ووفّر الطاقة للمصانع وخطوط السكك الحديدية والحرارة للمواقد، والبنزين للإنارة، وكان عاملا مختزلا في عملية تحويل الخامات إلى الحديد والصلب، وكان أحد المكونات الخام للأدوية والأصباغ وغيرها من المواد الكيميائية، وكان الطاقة التي ولدت معظم الكهرباء في العالم. ومع ذلك، فإن وفرة هذا الفحم الكربوني لا تزال لغزًا. فقد بدأت الغابات في العصر الديفوني، وهي الفترة ما قبل الكربوني، لتستمر منذ ذلك الحين. ولكن على الرغم من عدم تكوّن كل الفحم في العصر الكربوني، فإن الارتفاع في تراكم الفحم في تلك الفترة، كما يظهر في الرسم البياني، كان أعلى بكثير من أي وقت لاحق. وبالفعل، تُلمّح تسمية هذا العصر بالكربوني إلى هذه الحقيقة.
والسؤال الفضولي هو: لماذا إذن تكوّن، في هذا العصر على وجه الخصوص، هذا الكم الهائل من الفحم؟ جزء من التفسير هو تباطؤ أنشطة الكائنات الحية الدقيقة المدمرة للخشب داخل المستنقعات، بعد افتقارها إلى الأكسجين. وهذا صحيح حتى الآن، ولكن كانت المستنقعات موجودة في عصور أخرى غير العصر الكربوني. ولتفسير الارتفاع الخاص للفحم في هذه الفترة، قالت نظرية ما إن وظيفة الكائنات الحية الدقيقة في العصر الكربوني لم ترق إلى التسبب في تعفّن الخشب. وتستمر النظرية قائلة إن التغييرات في كيمياء النبات، التي أتاحت نمو الأشجار العالية، أعاقت أنشطة هذه الكائنات الحية الدقيقة، مما جعل الكتلة الحيوية لغالبية النباتات غير قابلة للتعفّن. لا أحد يجادل في الجزء الأول من هذا التفسير، ولكن هناك ورقة بحثية نشرها كيفن بويس وزملاؤه، من جامعة ستانفورد، للتو في صحيفة «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم»، تختلف مع الجزء الثاني لهذه النظرية. وبدلا منها، يعتقد الدكتور بويس أن وفرة الفحم في العصر الكربوني والمستنقعات وكل ما يتعلق بها، كلها أمور حدثت بالصدفة نتيجة حركة القارات.

الوصول للسماء

تعتمد الفكرة القائلة بأن الكائنات الحية الدقيقة في العصر الكربوني لم تستطع هضم الخشب بشكل سليم على وجود فارق زمني افتراضي في عملية التطور. فتطور النباتات الوعائية الأولى (ذات القنوات الداخلية لنقل المياه في جميع الأنحاء) كان في العصر السيلوري، أي في فترة ما قبل العصر الديفوني. وتعني كلمة الوعائية قدرة النبات على امتصاص الماء من خلال الساق، وبالتالي ينمو طويل القامة. وأدى ذلك إلى تسابقها، طوال العصر الديفوني، حول من منها يكون الأطول، وبالتالي يكون قادرًا على التقاط الضوء دون أن يكون هناك الكثير من الظل حوله. وكانت النتيجة نمو الأشجار، وبالتالي الغابات.
كان يجب أن تكون الأشجار قوية، وإلا فسوف تنهار. ويرجع جزء من قوتها إلى السليولوز، مادة قديمة تكونت من سلاسل طويلة من جزيئات السكر، التي تشكل جدران الخلايا النباتية. ولكن ما شجّع على تطور الأشجار بحق كان ظهور جزيء ثان، مادة الليغنين. وتتكون هذه المادة الفينولات، والفينولات مركبات يصعب هضمها بكثير مقارنة بالسكريات. ومن الصعب جدا، وفقًا للنظرية، أن الكائنات الحية الدقيقة استغرقت حتى ما بعد انتهاء العصر الكربوني لتتمكن من التطور. ومن جهة أخرى، تكدست أشجار الغابات التي سقطت بكل بساطة في المستنقعات. وعلى الرغم من استهلاك بعض السليولوز بها، فإن مادة الليغنين علقت وأصبحت فحمًا.
إنها فكرة منظّمة وممتازة، ومدعومة بتحليل لتطور الفطريات، يوحي بأن إنزيمات هضم الليغنين في هذه المجموعة (التي تُعتبر العوامل الرئيسية في عملية التعفن) ظهرت بالفعل لأول مرة في العصر البرمي، العصر التالي للعصر الكربوني على الفور. ومع ذلك، لا يصدق الدكتور بويس وزملاؤه كلمة واحدة من هذه النظرية.
ويستند عدم تصديقهم لتلك النظرية على تحليل دقيق لـ Macrostrat، وهي قاعدة بيانات لكل ما هو معروف عن الطبقات الأرضية لأميركا الشمالية، إلى جانب دراسة عن أي نوع من أنواع النباتات سيطر على مجموعات النباتات الموجودة في وحدات الطبقة الأرضية، التي تحتوي على الكثير من الفحم.

لم تكن أشجار العصر الكربوني مثل تلك الموجودة اليوم. وعلاوة على ذلك، اختلفت أنواع الأشجار التي سادت خلال الفترة الزمنية الكبيرة التي شملتها. وثمة ملاحظة وثيقة الصلة أبداها الدكتور بويس وفريقه، وهي أن صعود تشكيل الفحم تزامن مع هيمنة مجموعة اسمها النباتات الذئبية. ومع ذلك، كان معظم جذوع تلك النباتات الذئبية يتكون من غطاء اسمه محيط بالأدمة، يتوافق مع اللحاء الحديث، ويحتوي على قليل من الليغنين. وكانت الغابات الموجودة قبل أخشاب هذه النباتات الذئبية وبعدها (ولكن قبل التطور الافتراضي للفطريات الهاضمة لمادة الليغنين) تمتلك الكثير من الأنواع الأكثر غنى بمادة الليغنين داخلها، ولكنها أثمرت فحما أقل بكثير.
وعلاوة على ذلك، وعلى الرغم من أن صخور العصر البرمي في أميركا الشمالية لا تحتوي على الكثير من الفحم، تحتوي الصخور نفسها الموجودة في الصين على الفحم. ولا يبدو هذا متسقًا مع فكرة الارتفاع المفاجئ في معدلات استهلاك الليغنين. وعلى الرغم من أن السجل الأحفوري لا يستطيع أن يُظهِر أي إنزيمات كانت موجودة في الفطريات في الماضي، فإنه يُظهِر أن تنوع الفطريات ونشاطها استمرا على ما هما عليه في العصر الكربوني كما في العصر البرمي. ومع كل ما سبق، لا يبدو أن الفحم الوفير من العصر الكربوني كان نتيجة لجهود فطرية ضعيفة. لذلك، ومن وجهة نظر الدكتور بويس، لن تفي فرضية تأخر التطور بالغرض ببساطة.
إن تدمير الفرضية فعل واحد، ولكنه يساعد أيضًا إذا كان لديك شيء لوضعه مكانها. والدكتور بويس وزملاؤه لديهم شيء يقدمونه، حيث يعتقدون أن ارتفاع الفحم خلال العصر الكربوني كان نتيجة للانجراف القاري.

العصر الكربوني

في خلال العصر الكربوني، كانت القارات تتحرك إلى حد ما. وتؤدي هذه الحركة، خاصة عندما تتضمن اصطداما للقارات (وهو ما حدث)، إلى اعوجاجها. وهذا هو السبب وراء تكوين الجبال والأحواض. وتُعتبر الأحواض محل اهتمام الدكتور بويس، فاعوجاج القارات في الاتجاه الهابط، الذي أدى إلى تكوين تلك الأحواض، يعني أن المياه غمرتها بانتظام، مما جلب الرواسب التي دفنت المستنقعات المليئة بالأشجار، محافظة عليها بقدر ليس بالكبير من الكائنات المجهرية، ولكنها حمتها بشكل هائل من التآكل.
وحدوث هذا التراكم المحلي في الرواسب خلال العصر الكربوني ليس خبرًا جديدًا. فقد توصل علماء الجيولوجيا في القرن التاسع عشر إلى النتيجة نفسها – على الرغم من أنهم لم يعرفوا شيئًا عن الانجراف القاري. ولكن التفسيرات السابقة لوفرة الفحم، مثل تأخر التطور، مالت إلى التركيز على علم الأحياء. ويرى الدكتور بويس أن السبب الحقيقي كان مرتبطًا بعلم الجيولوجيا. فدفن الفحم من خلال تراكم الراوسب منعه من التآكل، وبالتالي نجا حتى يومنا هذا.
وخلال العصر البرمي، توقفت حركة القارات لبعض الوقت، حيث تجمعت كل اليابسة في العالم معًا في قارة عملاقة، معروفة باسم بانجيا. ولم يوقف هذا اعوجاج القارات في الاتجاه الهابط فقط، ولكنه أدى أيضًا إلى جفاف المناخ (فمتوسط درجة الحرارة الواحدة على الأرض إلى هواء المحيط الرطب أكبر في القارة العملاقة مقارنة بمجموعة من القارات الصغيرة)، وهذا يعني وجود عدد أقل من المستنقعات، وإنشاء كمية أقل من الفحم، وتآكل كمية أكبر من ذي قبل. واستمر الوضع على هذا الحال حتى العصر الطباشيري (الكريتاسي)، عندما تفككت قارة بانجيا العملاقة، ليعاود تشكيل الفحم وحفظه الارتفاع مرة أخرى. ووفقًا لفرضية الدكتور بويس، ليس من قبيل المصادفة إذن أن المصدر الثاني الأكثر وفرة من الفحم اليوم هو صخور العصر الطباشيري والعصر الكاينوزوي اللاحقة.
إذا كانت فرضيته صحيحة، إذن حركة القارات الطاحنة هي المسؤولة في النهاية عن الثورة الصناعية. فمن دون الانجراف القاري، ما كان ليكون هناك فحم. ومن دون الفحم، إذا ما تطورت فعلاً هذه الأنواع النباتية من الأساس، كانت الإنسانية ستظل تحرث الحقول.

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.