• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari
شؤون سياسية

حرب معلوماتية روسية تخلق الفوضى وتهدد عرش بوتين

صحافيون يتابعون حوار الرئيس فلاديمير بوتين للتلفزيون الروسي على الهواء مباشرة في موسكو أبريل من الماضي (غيتي)
صحافيون يتابعون حوار الرئيس فلاديمير بوتين للتلفزيون الروسي على الهواء مباشرة في موسكو أبريل من الماضي (غيتي)

فيلادلفيا: مايا أوتاراشفي*


تعد البروباغندا الروسية، التي يطلق عليها أحيانا حرب الإعلام الروسية، واحدة من أكثر الأدوات فعالية في ترسانة «الحرب الهجينة» الروسية. وتنفذ حكومة الرئيس فلاديمير بوتين جانبا كبيرا من تلك الحرب الهجين من خلال خطوات عسكرية سرية وعلنية في أوكرانيا وسوريا على التوالي، وفي أماكن أخرى في المناطق المجاورة. ولكن آلة الحرب الروسية الهجينة مسؤولة أيضا عن نقل عمليات البروباغندا إلى مستوى جديد من الفعالية؛ حيث تعد حرب المعلومات الروسية آلية جيدة التخطيط تعمل بدأب على نشر نظريات المؤامرة بالخارج والقيم المعادية للغرب سواء داخل روسيا أو خارجها لكي تقوض النظام العالمي الحالي وتساعد روسيا على البزوغ كقوة عظمى.

كيف تعمل حرب المعلومات الروسية؟ كما يوضح ستيفان ميستر من «أكاديمية الأطلسي»: تتضمن وسائل النفوذ الروسي غير العسكري «الناعمة» فيما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي تصدير وسائل الإعلام مثل التلفزيون الروسي ومنصة سبوتنك الإعلامية، والتوسع المستهدف للشبكات المالية غير الرسمية وتمويل وتأييد الأحزاب والمنظمات السياسية الشعبية سواء من اليسار أو اليمين.
ويعتقد كثير من الخبراء أن السياسة الخارجية الروسية تعمل كرد فعل وتفتقر إلى الاستراتيجية؛ حيث إن ضم شبه جزيرة القرم وشن حرب في منطقة دونباس بأوكرانيا والمشاركة في سوريا، جميعها خطوات تم اتخاذها فجأة وكرد فعل للظروف الخارجية وليس كجزء من استراتيجية طويلة المدى لحكومة بوتين. وتختلف حرب المعلومات الروسية إلى حد كبير عما تمارسه في سياستها الخارجية نظرا لأن الأولى هي نتاج استراتيجية معدة بعناية؛ حيث إن الدعاية الإعلامية الروسية معدة من كثب للتعامل مع الداخل والخارج، وتم تفصيلها لمواءمة الجمهور كما أنها تضع أهدافا مختلفة للمواقع الجغرافية المختلفة.

تنفيذ البروباغندا بالداخل

في الداخل الروسي، ومنذ أصبح بوتين رئيسا، استخدم وسائل الإعلام لرسم شخصيته كقيصر وبطل خارق ، وكانت الدعاية الإعلامية تعتمد على استراتيجية مختلفة تماما داخل حدود روسيا. فرغم أن حرب المعلومات بالخارج تركز على نشر الفوضى والاضطرابات فإنها تعمل داخل روسيا على نشر المعلومات المضللة. وتستخدم مغامرات روسيا العسكرية بالخارج لكي ترسم صورة للبلد والحكومة التي تقاتل «الفاشية» في أوكرانيا و«داعش» في سوريا فيما لا تسمح لأميركا بالحط من شأن روسيا. وكما يقول بومرانتسيف في مقاله الأخير، أصبحت القنوات الإخبارية التلفزيونية في روسيا «مسرحا كبيرا، يضع الفوضى في أوكرانيا في مقابل الاستقرار المضمون الذي يقدمه بوتين في روسيا. كما قدمت الأخبار الروسية برامج تلفزيونية مزيفة كشفها لاحقا الصحافيون، وعن ذلك قال بومرانتسيف إن الحكومة الروسية حولت «العملية السياسية إلى مجرد عرض».
في الداخل، تلعب وسائل الإعلام والحكومة الروسية على فكرة العظمة الإمبراطورية لروسيا وتجاهل الغرب لروسيا في التسعينات، أي عدم مساعدة روسيا على الانتقال بفعالية من النظام الشيوعي إلى الوضع الديمقراطي وعدم السماح لها بالرجوع إلى موقعها وعظمتها مرة أخرى. هذا هو الخطاب الذي كان يتم ترويجه بنجاح للشعب الروسي. وهذا أيضا هو الخطاب الذي يفسر المعدلات المرتفعة لتأييد فلاديمير بوتين بين الروس رغم العزلة الروسية الحالية والعقوبات الاقتصادية القاسية. وفقا لخطاب بوتين، تستهدف العقوبات معاقبة روسيا وإبعادها عن المشاركة الحقيقية في ديناميات القوى الكبرى على الصعيد العالمي.

تنفيذ البروباغندا في الخارج القريب

هناك لبس شائع حول أهداف حرب المعلومات الروسية بالخارج يتعلق بأنها تستهدف أن تقنع المشاهد بحقيقة مختلفة. ولكنها في الواقع تسعى لتحقيق هدفين رئيسيين:
1 – خلق الفوضى وحالة عامة من التخبط حول القضايا التي تتم مناقشتها في وسائل الإعلام، فهي لا تستهدف إقناع المشاهد بأي أكاذيب ولكنها تعمل على ذرع بذور الشك في عقله حول الحقائق الواضحة وضوح الشمس.
2 – الحد من موارد وسائل الإعلام الغربية وتقويض خطابها.
فعلى سبيل المثال، يتضمن ذلك التكهنات حول سقوط الطائرة الماليزية رقم 17 فوق أوكرانيا في يوليو (تموز) 2014. فرغم أن وسائل الإعلام الروسية لم تكن تكذب الحقائق الواضحة بشأن سقوط الطائرة (كانت كافة الأدلة تشير إلى قوات روسية سرية في منطقة دونباس بأوكرانيا)، فإنهم طرحوا عددا من التفسيرات البديلة كان أحدها يتمحور حول احتمالية أن يكون الأوروبيون هم من تسببوا في تلك الحادثة أو أن تكون الطائرة على نحو ما جزءا من خطة لاغتيال فلاديمير بوتين. ولم يتم عرض نظريات المؤامرة تلك باعتبارها حقائق مطلقة ولكن باعتبارها سيناريوهات محتملة ومن ثم كانت وسائل الإعلام تغرس بذور الشك في رؤوس المشاهدين، وكان الترويج لنظريات المؤامرة استراتيجية ناجحة حتى الآن.
ويخلق نشر المعلومات الروسية المضللة تحديات خاصة في منطقة بحر البلطيق. فقد انضمت كل من أستونيا ولاتفيا وليتوانيا إلى كل من الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. ومع ذلك، فإن هذه الدول الثلاث لديها ماض شيوعي ومن ثم فإنها تقع ضمن ما تعتبره روسيا «دائرة النفوذ». والأهم من ذلك فإن ليتوانيا وأستونيا لديهما أقليات كبيرة ناطقة باللغة الروسية، وكما رأينا في الماضي، يمكن أن يخلق ذلك ثغرة للتدخل الروسي حيث تعتقد روسيا أن لديها الحق في «حماية جالياتها التي تعيش خارج الحدود الروسية». ومن ثم، تتمتع وسائل الإعلام الروسية في منطقة بحر البلطيق بشعبية كبيرة ولكن بخلاف القنوات المحلية فإنها تروج لـ«قيم بوتين» وتستهدف خلق الفوضى من خلال نشر المعلومات المضللة ونظريات المؤامرة. وكلما اشتدت حدة حرب المعلومات الروسية، تدرك الدول الغربية أنها ربما لا تكون مستعدة للتعامل مع مثل تلك المعلومات المضللة. ففي حالة أستونيا، رأينا أن هناك غيابا كبيرا لقنوات اللغة الروسية التي يمولها الغرب ويمكن أن توفر للسكان الناطقين باللغة الروسية بديلا جيدا لوسائل الإعلام الروسية.
والأهم من ذلك، حدد النظام الروسي الحالي بعض نقاط الضعف الرئيسية للمجتمعات المفتوحة وكان يستغلها؛ الديمقراطيات تكون أكثر عرضة للاختراقات الخارجية، حرية الإعلام تعني أنه لا توجد سوى سيطرة محدودة يمكن ممارستها فعليا على وسائل الإعلام الأجنبية، بغض النظر عن حجم المعلومات المضللة التي ينشرونها. وحتى في الحالات التي حاولت فيها الحكومات الغربية السيطرة على تدفق البروباغندا الروسية، تعرضوا للتفتيش من المجتمع الدولي من دون تحقيق أي نتائج مهمة في مكافحة المعلومات المضللة.


•حرب المعلومات الروسية بالخارج تعمل على ذرع بذور الشك في عقل المشاهد والحد من موارد وسائل الإعلام الغربية وتقويض خطابها
•تعمل كل من جورجيا وأوكرانيا بجدية لتحقيق متطلبات عضوية حلف شمال الأطلسي لتوفر ملاذ آمن بعيد عن روسيا

ومن بين هذه الأمثلة، محاولة ليتوانيا الأخيرة لمنع قنوات الدعاية الروسية الموجهة للجالية الكبيرة الناطقة باللغة الروسية لديها. فكما أفادت منظمة «فريدوم هاوس» للترويج للديمقراطية: «في مارس (آذار)، وأبريل (نيسان) 2014. أصدرت لجنة الإذاعة والتلفزيون بليتوانيا حظرا لمدة ثلاثة أشهر على بث قنوات «إن تي في مير» و«آر تي آر بلانيتا» لنشرهم دعاية تروج للحرب. على أي حال فبعدما تجاهلت شركة «فياسات» قرار المحكمة واستمرت في بث القنوات الممنوعة، تقدمت رئيسة ليتوانيا، داليا غريباوسكايتي للبرلمان الليتواني بمشروع قانون «يمكن عبره وضع عقوبة تصل إلى 3 في المائة من العائدات السنوية للقناة إذا ما نشرت دعاية حرب أو معلومات تمثل اعتداء على النظام الدستوري للبلاد. وتم النظر إلى تلك الخطوة باعتبارها تهديدا جسيما لاستقلال وسائل الإعلام بليتوانيا. وسرعان ما خفض «فريدوم هاوس» تصنيف وسائل الإعلام المستقلة بليتوانيا، كذلك الكثير من المنظمات بما في ذلك مكتب منظمة الأمن والتعاون الأوروبي الذي كرر دعوته للحكومات في 2014 بتجنب مواجهة البروباغندا بفرض الرقابة.
وفي الدول الأخرى المجاورة لروسيا، تم تصميم الدعاية الإعلامية بعناية لملاءمة الثقافة المحلية والموضوعات الخلافية. ففي جورجيا، التي تفوق فيها القيم العائلية أي شيء آخر، كانت الدعاية الروسية قادرة على استغلال الاعتقاد المضلل السائد بأن القيم الغربية والاندماج المعلق مع الاتحاد الأوروبي سوف يجبران جورجيا على قبول قوانين زواج الشواذ. ففي البلد الذي ينظر إلى المثلية الجنسية باعتبارها أمرا غير أخلاقي، يصبح تصوير الغرب باعتباره الكيان الذي سوف يفرض المثلية الجنسية على المجتمع طريقة فعالة لنشر المعلومات المضللة. بالإضافة إلى أنه في دولة تحظى فيها الكنيسة الأرثوذوكسية بقوة تضاهي قوة الحكومة، ساعد ضخ الأموال في المنظمات الدينية والمنظمات غير الحكومية التي تركز على القيم العائلية روسيا على خلق اتجاه قوي مناهض للغرب بين مجموعات معينة من المجتمع وكانوا ناجحين للغاية حتى إن الاستطلاعات تظهر انخفاضا ملحوظا في رغبة شعب جورجيا الانضمام إلى المؤسسات الغربية. وفي أوكرانيا ومولدوفا، أصبح هذا النفوذ أكثر نشاطا. وهناك إشارات واضحة على تدخل روسي مباشر في السياسة المولدوفية. وما زالت المعلومات المضللة الروسية بالإضافة إلى الجيش الروسي يعززان النزاع في منطقة دونباس بأوكرانيا.

ما الذي يجعل حرب المعلومات الروسية فاعلة؟

رغم أن حرب المعلومات الروسية في الخارج القريب تتميز بتلك الطبيعة الغريبة ومن ثم يجب ألا يكون لها تأثير كبير على المجتمعات هناك، فإنها عندما تتزامن مع البيئة الجيوسياسية والجيواقتصادية في أوروبا الشرقية تصبح آلة عدوان فعالة للغاية. وتحديدا في جورجيا ومولدوفا وأوكرانيا، التي تنتظر جميعا أن يتخذ الاتحاد الأوروبي قرارا بشأن ضمها. ومع ذلك، كان الاتحاد الأوروبي متخبطا بشأن سياسته التوسعية في تلك البلدان. في البداية منح الأمل إلى أوكرانيا وجورجيا بشأن تحرير التأشيرات (السماح لمواطني جورجيا ومولدوفا بالسفر إلى الاتحاد الأوروبي من دون تأشيرة)، ولكنه علق تلك العملية لاحقا. ويرجع جانب كبير من عدم فعالية الاتحاد الأوروبي في صناعة السياسة إلى روسيا. فكما يوضح بومرانتسيف، وجدت القوات الروسية وسيلة للتأثير على آليات صناعة القرار في الغرب: «في الوقت الراهن، يعقد الكرملين تحالفات ويمول الجماعات من الجناحين اليمين واليسار: حيث يتم إغواء الأوروبيين القوميين اليمنيين بخطاب روسيا المناهض للاتحاد الأوروبي، فيما يتم إغواء اليسار الأوروبي بفكرة مكافحة الهيمنة الأميركية.. كما أن استخدام الكرملين المرن للآيديولوجيا يسمح له بالتحالف مع مجموعة متنوعة من الأطراف الفاعلة والترويج لمجموعة من المبادئ المختلفة لتعزيز الانقسام مع الغرب: فهو لا يعتمد على الترويج لحقيقة واحدة ولكنه يسعى باستمرار لخلق انقسام. وكان النفوذ الروسي واضحا في استطلاع رأي حديث للاتحاد الأوروبي حول تأسيس حركة تأشيرات حرة بين أوكرانيا والاتحاد الأوروبي: كان حزب اليمين الهولندي مسؤولا عن الحشد ضد أوكرانيا ويقال إنه كان يتلقى تمويلا روسيًا. وفي النهاية، منعت نتائج التصويت الهولندي أوكرانيا من الحصول على حركة تأشيرات حرة مع أوروبا.

ومن جهة أخرى، تعمل كل من جورجيا وأوكرانيا بجدية لتحقيق متطلبات عضوية حلف شمال الأطلسي، وهو إنجاز ضروري ينعقد الأمل عليه في أن يوفر لتلك البلدان ملاذا آمنا بعيدا عن روسيا ولكن بالنسبة لهما أيضا ما زال طريق الانضمام غير واضح. وفي الوقت نفسه فإن الآثار الحالية للأزمة الاقتصادية الروسية والغموض المحلي دفعا الكثير من البلدان إلى الأزمات الاقتصادية. ومع ذلك، بدأت عضوية «الاتحاد الجمركي الأوراسي» (بديل للاتحاد الأوروبي بقيادة روسيا) والمزيد من التقارب مع روسيا بعيدا عن الغرب «غير الأخلاقي» تكتسب جاذبية.
ومع ذلك، ونظرا لانخفاض أسعار الطاقة والآثار طويلة المدى للعقوبات المفروضة عليها، تراجعت موارد روسيا ولم تعد تستطيع ممارسة نفوذها كما كانت ترغب حكومة بوتين. ويعتقد معظم الخبراء الغربيين أن عزلة روسيا سوف تستمر من دون «بداية جديدة» للعلاقات الروسية الغربية في المدى المنظور. ومن ثم فإنه في هذه البيئة المتغيرة، لم يعد أمام أوروبا والولايات المتحدة خيار آخر سوى تبني وتعزيز التعاون بينهما سواء من خلال تعزيز حضور حلف شمال الأطلسي في بحر البلطيق ومساعدة حلفائهم في القوقاز وتأسيس هيمنة عسكرية في منطقة البحر الأسود وقتال «داعش» أو ببساطة مساعدة أستونيا في تأسيس قنوات ناطقة باللغة الروسية. ورغم أن قائمة ما يجب عمله طويلة وتمتلئ بالتحديات، فهناك أمل بأن تؤدي إلى نتائج إيجابية عبر التعاون بدلا من الرضوخ لأجندة دولة وحيدة لا تستهدف سوى زعزعة النظام العالمي الحالي.

* زميلة الباحثين ومنسقة مشروع التحولات الديمقراطية بمعهد أبحاث السياسات الخارجية

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.