• العدد الأسبوعي
مدوّنات

بالفيديو.. الأخوان رحباني.. لُغز فني جميل لأنه لا يحل

بالفيديو.. الأخوان رحباني.. لُغز فني جميل لأنه لا يحل

تأثُرًا بالمناخ الفني السائد في الخمسينات الذي اتسّم بالروح الجماعية، ظهرت الكثير من الثنائيات الفنية في العالم العربي. إلا أن تجربة الأخوين رحباني كانت تجربة ثنائية استثنائية للكثير من الأسباب، قد يكون أبرزها – وإن لم يكن أهمها – ارتباطها بصوت فيروز الجانِح إلى الأسطورة. فأهم ما تمردتْ عليه الثنائية الرحبانية، هو القاعدة السائدة التي تقضي بتجزيء العمل الفني على حسب الشخص الذي أنجز كل جزء فيه، كأن يُقال: إن فلانا قام بتلحين العمل وفلانا قام بكتابة النص وهكذا. فكان الأخوان رحباني أول ثنائية عربية تنسب أعمالها إلى اسم مُشترَك يشير إلى ذات جماعية دون الكشف عن حيثيات عملية إنتاج العمل.
ولا شك أن مسرح الأخوين رحباني (عاصي ومنصور) هو من أهم الظواهر الفنية في العالم العربي في القرن العشرين. وتنبع فرادة الظاهرة الرحبانية من دمجها ألوانا فنية متنوعة كالمسرح والشِعر والموسيقى والفن الاستعراضي والفولكلور والتمثيل والغناء والرقص في آن واحد. هذا بالإضافة إلى غزارة إنتاج الأخوين على مستوى التأليف الموسيقي والشِعري والمسرحي على السواء مع المحافظة على ذات المستوى من الجودة والحِرفيّة. يقول أنس زاهد في كتابه (على ضفاف الرحابنة): «لا أعتقد أن ملحنا عربيا أو عالميا استطاع أن يقارب بين الأدب والموسيقى كما فعل الأخوان رحباني.. فالرحبانيان عملا بالمسرح الغنائي، وعبارة المسرح الغنائي تمزج بقوة بين فنَي الأدب والموسيقى، فالمسرح ينتمي إلى عالم الأدب، والغناء ينتمي إلى عالم الموسيقى.. والرحبانيان ينتميان إلى العالمين معا».
وعند الحديث عن الأخوين رحباني لا بد من الإشارة إلى دورهما في إحياء الفولكلور اللبناني والثورة على «التطريب» الذي كان سائدا في مصر وقتها من خلال تقديم الأغنية القصيرة، ناهيك عن المساهمة في تعزيز روح الوحدة العربية من خلال أعمالهما دون إغفال تجسيد الهوية اللبنانية، الخارجة من القرية والمدينة على السواء. هذا بالإضافة إلى ابتكارهما لغة فريدة مفرداتها ذات دلالات جديدة مختلفة عن دلالاتها التقليدية، بحيث يمكن للمرء أن يميز هذه «اللغة الرحبانية» بمجرد تَرامي مفردات معينة إلى مسمعه، كالحنين والغربة والمدى والشجر والفي والقمر.. إلخ. ورغم اعتماد الأخوين رحباني على اللبنانية المحكيّة فإنه يمكن اعتبار إنجازهما اللغوي أقرب إلى ابتكار لغة في قلب لغة، لأنهما وظّفا المحكيّة توظيفا أخرجها من نطاق المحلية إلى العالمية.
لكن لعل ما يُميز تجربة الأخوين رحباني أكثر ما يُميزها هو تنكّر الأخوين (عاصي ومنصور) لذواتهم الصغيرة لأجل الذات الكبيرة التي خلقَاها (الأخوين رحباني). وقد أشار الشاعر اللبناني زاهي وهبي إلى تداخل «أنا» عاصي و«أنا» منصور عند حديثه عن رحيل عاصي: «ذاب – متحدثا عن عاصي – وشقيقه منصور في شخصية إبداعية واحدة صارت تدعى الأخوين الرحباني». وهو ما أكد عليه عبد الغني طليس عند تعليقه على رحيل منصور: «لقد غرق عاصي في منصور، وغرق منصور في عاصي».
وقد لا يعرف البعض أن الأخوين رحباني لم يُوقّعا أعمالهما باسم «الأخوين رحباني» في بداية مشوارهما الفني، إلا أنهما حينما قرَّرا ذلك في بداية الخمسينات، كان قرارهما أشبه بـ«ميثاق غليظ» أو بزواج كاثوليكي لا رجعة فيه. ومنذ ذلك الوقت، لم يعد يعرف حتى أقرب المقربّين منهما مَن كتب ماذا ومَن لحّن ماذا. وأصبح ذلك ما أطلق عليه طليس «سرّهما الجميل» الذي من أجله «ضحّى» بـ«الأنا» لصالح «نحن». وهذا التخلّي عن نرجسيّة الفنان وحقّه الطبيعي في نسبة عمله إليه يعكس مدى توحّد الأخوين ببعضهما. كما أن هكذا قدرة على تجاوز الأنا لم تكن لتتأتّى إلا باجتماعهما على أن الفن هو الغاية الأسمى!
وبعد رحيل عاصي حاول الكثير من المغرضين استفزاز منصور واتهامه بأنه الحلقة الأضعف في «الرباط الرحباني» بغرض إفشاء السر. لكن منصور لم يكترث لهم ووقف صامدا أمامهم، بل وكان يُحاول أن يزيد من حيرة المحتارين بشأن «اللغز الرحباني». ويحكي طليس عن منصور حينما سأله عن الاختلافات والتشابهات ما بينه وبين عاصي، فإذا به يُحيّره أكثر بقوله: «لأ. أنا مع اللحن، وهو – مشيرا إلى عاصي – مع الموسيقى (يقصد التأليف)، بس كمان أنا بألّف وهو – عاصي – بيلحّن». وحينما استوضحه طليس ممازحا: «حزورة؟» قال منصور: «فكّر فيها بتلاقيها». نعم هي «حزورة» كما قال منصور. وربما كان الأخوان يدركان منذ البداية أن جمالية التجربة تتمثّل في الحفاظ على هالة الغموض التي تلفّها وإبقاء «الحزورة» «حزورة»!
وقد نجح الشاعر اللبناني الكبير هنري زغيب في أخذ شهادة منصور الرحباني الأخيرة فيما يتعلق بـ«اللغز الرحباني» في كتابه (طريق النحل)، حيث قال: «نادرا ما وضعنا عملا كتبناه معا: (عودة العسكر) مثلا. في الأغاني قد يحدث أن يكتب عاصي أغنية ويلحنها ويوزعها. ثم يسمعني إياها فنتناقش بها. أو أقوم أنا بالتأليف والتلحين والتوزيع وأسمعه العمل فيوافق عليه أو يقترح تعديلات. وقد يحدث أن يكتب هو القصيدة وألحّنها أنا، أو يكتب هو الشعر وأنا اللحن، ثم نوزع بحسب انشغالنا في العمل. لم تكن لذلك قاعدة. لكن التوقيع كان دائما يصدر باسم الأخوين رحباني».
وظل النقاد والباحثون يصولون ويجولون محاولين إثبات نسبة أعمال إلى عاصي منفردا أو إلى منصور منفردا معتبرين محاولاتهم إنجازا! كما يحاول البعض قسْر التأليف الموسيقي وقصائد الفصحى على منصور، وفي المقابل نسبة الألحان الشعبية ذات الطابع الفولكلوري والقصائد العاميّة إلى عاصي. والواقع أنه لا بد أن يكون عاصي قد كتب منفردا أحيانا، وهكذا فَعّل منصور، وهو أمرٌ قرّره منصور بعد رحيل عاصي. ولا بد أن عاصي ومنصور كانا يميلان بالفطرة إلى طابع فني معين دون غيره، وهذا ليس بغريب بل هو الطبيعي. لكن يغيب عن مَن يُحاولون إثبات هذا أو ذاك أن عبقرية الظاهرة الرحبانية تتجلّى في قدرة كل من عاصي ومنصور على تلبّس روح الآخر والامتزاج والاكتمال به، رغم قدرتهما على الامتداد في سماء الإبداع منفردَيٍن! هي عبقرية تُدرِك أن جماليّة ولادة «فضاء ثالث» لا تكون إلا بتوسيع فضاء الذات بالتوحّد بالآخر، من أجل اجتراح مسافة أبعد معه!
لقد أدرك الأخوان بحكمتهما الفطرية أن ما يمكن أن يكوناه معًا أعظم وأجمل مما يمكن أن يكوناه منفردَين، ولهذا اختارا أن يكونا توأمين. وقد قال منصور يوم تشييع عاصي أنهم يدفنون «نصف منصور» مع عاصي، وأما «نصف عاصي» فإنه سيبقى مع منصور إلى أن يلحق به ليتوحدّا من جديد. كما قال: إن «الموت يُعطي الحياة»، لأنه بات «الصاحب الوحيد» الذي بقي معه بعد رحيل عاصي.
لا يهم مَن كتب ماذا، ولا يهم مَن منهما كان شاعرًا أو مُلحنًا أو موزعًا أو فيلسوفا أكثر من الآخر. لا يهم ما كان في الواقع، طالما أنهما أرَادَاه سِرا، وجمال السِر أنه لا يقبل القِسمة إلا على اثنين! وكما ينقل الشاعر اللبناني طلال حيدر عن عاصي الرحباني قوله: «مش ضروري المعقول والممكن، المهم الأحلى!»، هكذا كان الأجمل هو ما ارتضاه الأخوان رحباني لنفسيهما؛ ذات مُشترَكة وروح واحدة في جسدين!

Previous ArticleNext Article
هبة البيتي
كاتبة وصحفية ومدوّنة سعودية مقيمة في لندن، لها إسهامات في الكثير من المطبوعات السعودية الهامة. حاصلة على درجة الماجستير في الدراسات الإنسانية من جامعة ميريماونت بولاية فيرجينيا الأميركية. وتعمل حاليا على رسالة الدكتوراة حول المسرح العربي في كلية الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة لندن.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.