حالات القتل الجماعي في ألمانيا نادرة الحدوث.. وما وراء ظاهرة امتلاك السلاح في أوروبا

اجراءات امنية مشددة في أوروبا (غيتي)

اجراءات امنية مشددة في أوروبا (غيتي)

لوس أنجليس: أنجيلا واترز ولورا كينج

في ميونيخ.. كان هذا السيناريو المرعب مألوفا: أصوات النيران، وخروج الناس وهم ينظرون إلى الخلف برعب، وحملات الاعتقالات الواسعة التي تقوم بها الشرطة، والالتماسات التي تحطم القلوب على وسائل الاتصال الاجتماعي من أجل كلمة حول مصير المفقودين.

ولكن في القارة التي تصاعد فيها بحدة، خلال الـ18 شهرا الماضية، خطاب حول هجمات «المتشددين»، كان اعتداء ميونيخ - مدينة تشتهر إلى حد كبير باحتفالات عشاق المرح - إلى حد كبير على الطريقة الأميركية: مراهق مختل يقوم بإطلاق النيران، مما أسفر عن مقتل 9 أشخاص وجرح 27 آخرين.

وخلال ساعات من الهجوم في مساء يوم الجمعة في ثالث أكبر مدينة بألمانيا، كان رجال الشرطة يرسمون صورة للقاتل ذي 18 عاما، وهو شاب مكتئب بلا دوافع آيديولوجية، وطالب منعزل اجتماعيا كان يتعرض لاعتداءات زملائه المتكررة في الماضي. ووفقا للمسؤولين بالمستشفى كان سبعة من بين القتلى شبانا في مرحلة المراهقة مثله.

تعد حالات القتل الجماعي من هذا النوع نادرة الحدوث في ألمانيا التي لديها قوانين متشددة فيما يتعلق بامتلاك السلاح، ومن ثم كان أحد الأسئلة الرئيسية للتحقيق هي كيف حصل القاتل - الذي ليس لديه ترخيص حمل سلاح - على مسدس «جلوك 9 ميللمتر و300 من الذخيرة الحية»، التي وجدت إلى جانب جثته بعدما أطلق على رأسه الرصاص على بعد نصف ميل من موقع الهجوم؟ فتقول دانييلا شوارزر، المحللة ومديرة مكتب برلين بصندوق مارشال الألماني، إن الألمان لا يستطيعون فهم السهولة التي يتم بها امتلاك السلاح في الولايات المتحدة.

وأضافت: «يبدو هذا الهجوم مثل الهجمات التي نراها في الولايات المتحدة». دخلت ميونيخ، وهي مدينة يعيش بها 1.4 مليون نسمة، في حالة افتراضية من الشلل خلال الساعات التالية على حادث إطلاق النيران في مطعم «ماكدونالدز» ومركز التسوق الأولمبي، حيث تم إغلاق شبكة المواصلات الكبيرة، وطلب من الناس البقاء في بيوتهم خوفا من وجود مهاجمين آخرين.

وأفادت الشرطة أنه من الواضح أن القاتل - من سكان ميونيخ، ومن أصول إيرانية وتشير إليه السلطات باسم ديفيد إس، فيما تحمل عائلته اسم سونبولي، وفقا لبعض التقارير الصحافية الألمانية - تصرف وحده.

وأخبر رئيس شرطة ميونيخ هوبرتوس أندريا الصحافيين بأن المحققين الذين يفتشون منزل القاتل خلال الليل وجدوا كتبا أدبية حول عمليات القتل الجماعي بما في ذلك دراسة أكاديمية حول الطلاب الذين يقتلون، ولم يجدوا أي دليل على صلته بالتطرف.

ووصف أندريا الفتى بأنه «مهووس بعمليات القتل الجماعي»، واقترح أن يكون قد استوحى تلك العملية من مذبحة وقعت قبل خمسة أعوام في النرويج؛ حيث قتل المتطرف اليميني، أنديرس بهرينج برفيك، 77 شخصا.

وكان المحققون يركزون على أنشطة الفتى في الساعات السابقة على الهجوم بما في ذلك ما إذا كان قد دفع ضحاياه إلى مطعم ماكدونالدز من خلال اختراق موقع امرأة على «فيسبوك»، ونشر رسائل تفيد بتقديم الموقع لوجبات مجانية لتشجيعهم على الذهاب إلى هناك.

ووصف جيران الفتى المسلح بأنه كان هادئا وانطوائيا، فيقول ديفيد ديرل، 17 عاما: «لديَّ بعض الأصدقاء الذين كانوا يذهبون معه إلى المدرسة نفسها، ولم يتمكن أي منهم من التعرف عليه»، وأكد أحد الجيران الآخرين، ديني بوفا، 19 عاما، على كلامه قائلا: «لا أستطيع أن أخبرك بأصدقائه؛ لأنني لم أره أبدا مع أي أحد. لقد كان دائما وحيدا». وقال توماس ستينكراوس كوتش، المدعي العام بميونيخ، إن الفتى ربما كان يعاني «اضطرابا عقليا».

وخلال مشادة كلامية وقعت أثناء الهجوم مع المارة سجلها أحدهم بهاتفه الذكي، أشار القاتل فيما يبدو إلى أن لديه تاريخا من المرض النفسي قائلا: «لقد كنت مقيما في المستشفى»، فأجابه محاوره: «أنت تنتمي إلى المصحات النفسية».

وفي حوار مسجل آخر، كان رد فعل القاتل غاضبا عندما نعته أحدهم بأوصاف تخص الأجانب، حيث قال: «أنا ألماني»، وقال موضحا إنه ولد في «منطقة ثرية».

أعلنت السلطات حالة حداد ، فيما كان الألمان لا يستطيعون استيعاب ثاني موجة عنف في خمسة أيام تستهدف الأبرياء الذين خرجوا لممارسة أنشطتهم اليومية، خرجوا ببساطة للتسوق أو لتناول الطعام، وذلك بحسب كلمات المستشارة آنجيلا ميركل، وأضافت الزعيمة الألمانية في رسالة متلفزة بعد الاجتماع العاجل مع كبار المسؤولين الأمنيين: «نحن نعيش حالة حزن عميق على من لن يعودوا إلى عائلاتهم مرة أخرى»، كما أثنت على رجال الشرطة الذين تعاملوا مع الهجوم ولتعاطف والمواساة التي غمرتها من جميع أنحاء العالم.

واتصل وزير الخارجية جون كيري بنظيره الألماني، فرانك فالتر شتاينماير معربا عن تعازيه ومتعهدا بتقديم المساعدات الضرورية للمحققين.

لقد كانت أوروبا تعيش بالفعل حالة من الخطر في أعقاب الهجوم بشاحنة في نيس أثناء الاحتفال بيوم الباستيل، وهو ما أسفر عن مقتل على الأقل 84 شخصا في هجوم نفذه رجل من أصل تونسي يعمل بتوصيل الطلبات تعتقد الشرطة بأنه ربما يكون قد اعتنق آيديولوجيا جهادية قبل الحادث مباشرة.

وجاء هذا الهجوم فيما كانت فرنسا ما زالت تتعافى من هجومين كبيرين على يد «المتطرفين » في العام الماضي: هجمات يناير (كانون الثاني) على مكاتب المجلة الساخرة بباريس ومتجر كوشير، وهجمات نوفمبر (تشرين الثاني) على مجموعة أهداف بباريس بما في ذلك مسرح باتلاكلان، وأسفرتا كلتا الحادثين معا عن مقتل أكثر من 140 شخصا.

ومؤخرا، شعرت ألمانيا بالصدمة عندما هاجم فتى أفغاني المسافرين في أحد القطارات، يوم الاثنين، بسكين وفأس؛ مما أسفر عن جرح أربعة أشخاص على متن القطار وامرأة من المارة قبل أن تتمكن الشرطة من أن ترديه قتيلا. وترك القاتل مقطع فيديو يزعم فيه انتماءه لتنظيم القاعدة، وإن كانت السلطات لم تكتشف أي دلالات على علاقته بالتنظيم.

وكانت شوارع ميونيخ الشهر الماضي، التي تتسم بالصخب عادة، حزينة ومهزومة، ورغم أن الشرطة كانت لا تزال تغلق مسرح الجريمة، اقترب المارة من التحصينات؛ لكي يضعوا الزهور والشموع المضاءة على الأضرحة المتنقلة، التي أصبحت مشهدا مألوفا في أعقاب الهجمات الأخرى التي وقعت على الأراضي الأوروبية في الشهور الأخيرة.

وحتى أعضاء مجموعة الدراجات اللذين يرتدون سترات جلدية سوداء والمعروفين باسم «المتمردون البافاريون» حملوا باقات الورد إلى مسرح الجريمة. ووصف بعض من شهدوا الهجوم لحظات مرعبة داخل مركز التسوق في الليلة السابقة. فيقول كيراك محمد، 58 عاما، الذي كان يتسوق بصحبة زوجته: «سمعت أصوات الرصاص التي كانت تقترب، وكانت آخر طلقة لا تبعد عنا أكثر من 20 قدما».

وكان يخشى أن معاناة زوجته مرض بالقلب ربما لا تمكنها من أن تجري مبتعدة، ولكنَّ الاثنين تمكنا من الهروب من المركز التجاري. وعندما وصلا إلى شقتهما المجاورة، قاما بدعوة اثنين من الفتيات اللاتي كنا تختبئن بالرواق لكي تحتميا بمنزلهما.

وقع الهجوم مباشرة قبل الساعة السادسة مساء، دافعا المتسوقين والمارة إلى الفرار الجماعي، سواء كانوا شيوخا أو شبابا، يرتدون ملابس خفيفة أو أغطية الرأس، وكان البعض يدفع عربات أطفاله وهو في حالة من الهلع، واستغرق الأمر عدة ساعات، حتى تمكنت الشرطة من السماح للناس بالتحرك مرة أخرى.

وكان القرار بإغلاق مدينة كبيرة مثل ميونيخ؛ مما يجعل الآلاف عالقين في وقت الذروة، والبعض الآخر لا يستطيع العودة إلى المنزل، ومن ثم يسعى لكي يجد ملجأ لدى الغرباء، كان قرارا دراميا. ولكن الشكوك حول الأزمة الحالية بالتزامن مع تنامي مناخ من الخوف تركا السلطات من دون خيارات سوى توقع الاحتمال الأسوأ أثناء اتخاذهم قرارا بشأن الاستجابة للأزمة، فقد تم نشر نحو 2300 شرطيا في أعقاب الهجوم، تم استدعاؤهم من مختلف أنحاء ألمانيا والنمسا المجاورة.

وبالنسبة إلى بعض المواطنين، كان هناك قدر من الراحة بعدما علموا أن القاتل ليس من بين موجة المهاجرين أو اللاجئين التي اجتاحت أوروبا العام الماضي. فقد كانت ميونيخ، التي تبعد 40 ميلا فقط عن الحدود النمساوية، واحدة من أكثر المناطق التي تستقبل الباحثين عن حياة جديدة في ألمانيا.

ولكنَّ تدفق الهجرة خلال العام الماضي، الذي وصل إلى مليون نسمة أثار انتقادات اليمينين وقلل شعبية ميركل التي رحبت في البداية بالمهاجرين، لكنها واجهت انتقادات شعبية؛ نظرا للأعباء الكبرى التي تم وضعها على كاهل ألمانيا وعلى موازنتها وبنيتها التحتية.

وكما حدث في فرنسا بعد الهجوم الدموي الذي وقع في احتفالات يوم الباستيل، ألقى البعض باللوم على الحكومة. فتقول كارين فشر، المتقاعدة التي تعيش على مقربة من مركز التسوق المستهدف وهي غاضبة: «نشكر ميركل على حالة الخوف التي نعيشها. لم أعتقد يوما أنني يمكن أن أشعر بالخوف في بلادي».

ولكنَّ آخرين كانوا يرون أن الأمر مجرد حادث، ويمكن أن يحدث في أي مكان، فتقول أزاليا زاربوفا، التي تعمل في مقهى على مقربة من بيت القاتل، إنها سوف تستأنف حياتها الطبيعية، فتقول: «ميونيخ مكان آمن والشرطة تستجيب بسرعة. أنا لست خائفة».


اشترك في النقاش