• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

عروض

الملائكة والشياطين و«العدالة الناجزة»..دراما المظلومية والإرهاب

مشهد من فيلم (جعلوني مجرما) للفنان الراحل فريد شوقي
مشهد عنف من مسلسل (الطبال) للممثل أمير كرارة الذي عرض رمضان الماضي
مشهد عنف من مسلسل (الطبال) للممثل أمير كرارة الذي عرض رمضان الماضي

الشارقة: ممدوح الشيخ

لسنوات تركز النظر في الخطاب العام (السياسي والتحليلي والإعلامي) عند تناول «السلوك الإرهابي» إلى محددات بعينها، صوابًا أو خطًا:
آيديولوجية: الموودي وسيد قطب وآخرين
فقهية: مذهب الحنابلة المتأخرين و«السلفية الجهادية».
سياسية: الاستخدام السياسي للتنظيمات الإرهابية لحساب مصالح قوى دولية أو إقليمية.
وقد كان هذا – في حالات كثيرة – قادرًا على تفسير سلوك «المحركين» في قمة الهرم التنظيمي في كثير من الحركات، لكنه لم يكن قادرًا على تفسير سلوك القسم الأكبر من «المنخرطين» في قاعدة الهرم التنظيمي لهذه الحركات.
خلال مسار تطوُّر الظاهرة كان انخراط شخصيات من خلفيات أكاديمية ومهنية عالية، فضلاً عن، منحدرين من أسر تتمتع بوضع اجتماعي أو مادي مرتفع (أسامة بن لادن وأيمن الظواهري مثلاً)، مؤشرًا على أن الظاهرة مركبة ترفدها روافد متنوعة، بل أحيانًا متناقضة.
وسنحاول هنا أن نضع يدنا على «الدافع الرئيسي» لدى القسم الأكبر من المنخرطين.. أي قاعدة الهرم.

موهوم وطامح وساخط

أول ما يمكن تأكيده – بقدرٍ كبيرٍ من الاطمئنان – أن أقلية من المنخرطين هم مرضى نفسيون (بالمعنى الحرفي) كالباحثين عن الإثارة ومن يتحكم في سلوكهم تحقيق الذات عبر العنف، أي عنف. وإلى جانب هذه الأقلية الصغيرة هناك 3 فئات كبرى تمثل القسم الأكبر من قاعدة الهرم: الموهوم والطامح والساخط.
والموهومون تسيطر عليهم فكرة منزوعة من السياقين: الزماني والمكاني ويتخيلون أن تصورهم اليوتوبي المثالي الذي يتجاوز عالم الإنسان أصلاً يمكن تحقيقه عبر معركة واحدة حاسمة، في تأويل مغلوط للعبارة الشهيرة: «إنما النصر صبر ساعة»، والنسبة الأكبر من هؤلاء مستوعبون في شعور عميق بـ«الاغتراب» ويريدون نسفه لبناء عالم جديد من الصفر. ومن الناحية التاريخية ولد هذا الوهم من رحم «الثورة الفرنسية» صاحبة أسطورة «العام صفر».
أما الطامحون والساخطون فوجهان لعملة واحدة وكلاهما لم ينعزل أفراده عن مجتمعاتهم بل انخرطوا فيها فقرروا: «حتمية المواجهة»، وبعضهم يواجه ليحفر اسمه في ذاكرة التاريخ – ولو بالدم – ويترك بصمة لا تمحى.. ولو على أجساد ضحاياه.
ويبقى الساخطون أكبر الفئات حجمًا وأكثرها خطورة.

بناء المظلومية

وبحسب الباحث الدكتور محمد الكمالي فإن، المظلومية كأداة سياسية وتغطية دعائية ومبرر لغائية في أطر دينية وسلطوية، ليست فكرة مبتكرة في التاريخ الإسلامي، وتمتد بجذورها لفجر التاريخ البشري، «كونها تتعامل مع نزعة إنسانية لاكتساب التعاطف كتطور اجتماعي للروابط بين المجموعات البشرية في بداية تشكل الحضارة بالارتقاء من التعاطف الغريزي إلى التعاطف المعنوي والاجتماعي». والمظلومية كذريعة سياسية بدءًا من استخدام الإسكندر اغتيال والده بمؤامرة فارسية حافزًا لجيشه. ولاحقًا سوقه القيصر أغسطس في قضية اغتيال يوليوس قيصر بمؤامرة وحول عواطف العامة من «الصراع السياسي» إلى «المظلومية». والفئات الشعبية شكلت – غالبًا – حاضنة المظلومية كفكرة ثورية.
وفي غياب ما يمكن اعتباره عملية سياسية حقيقية في العالم العربي «تعقلن» الرغبة في التغيير وتحولها إلى صراع يتم عبر إجراءات تحظى باحترام جميع الأطراف تحدث نتائج – لعل أهمها – هروب نسبة كبيرة من العامة (قاعدة الهرم الاجتماعي) إلى عالم خيالي عمود الخيمة فيه: المظلومية.
ولأن المجتمعات العربية – كما تعكس الأرقام والإحصاءات – لا تستقي الجانب الأكبر من تصوراتها عن الذات والعالم من المقروء (الكتاب)، فإن الصورة تصنع الأكبر للعقل والوجدان، وفي عالمها يمكن تلمس جانب كبير من «المدخلات» التي تثمر استعدادًا أو ميلاً نفسيًا عند كثيرين لترجمة السخط على أحوالهم المتردية إلى حلم بتغيير الواقع / العالم بالقوة!
وفي تاريخ الجماعات اليهودية في أوروبا في العصر الوسيط وبعده أدت جملة أوضاع أشار إليها المفكر المصري الكبير الدكتور عبد الوهاب المسيري بمصطلح: «إشكالية العجز اليهودي» إلى ارتفاع كبير في نسبة أعضاء الجماعات اليهودية المنخرطين في الحركات الثورية المسلحة – بل أحيانًا العدمية – مما أسهم في صنع أحد أهم سمات الصورة النمطية لليهودي في كثير من الثقافات في العصر الحديث: اليهودي متآمر دائمًا.
فاليهود غير المرغوب فيهم في عصر سيطرة الكنيسة بسبب مسؤوليتهم عن مصير المسيح (بحسب العقيدة المسيحية) أصبحوا لاحقًا «الشعب الغريب» الذي يعكر النقاء العرقي (أو القومي) للأمم الأوروبية المختلفة، وبالتالي اختلفت المقدمات وبقيت النتيجة كما هي: اليهود غير المرغوب فيهم.
وغني عن البيان هنا أن التفسير لا يعني التبرير.
وإحساس العجز المنتشر في شرائح واسعة من المجتمعات العربية – أيًا كان الرأي في أسبابه – كان بيئة خصبة لانتشار «المظلومية». على الجانب الآخر يشكل «الاستخدام السياسي للمظلومية» (وبخاصة المذهبية) في الصراعات الدائرة في المنطقة خطرًا كبيرًا. وهو خطر يبدأ في عالم السرديات والأفكار، قبل أن يترجم نفسه بلغة البارود والدم والقنابل. وفي غياب فاعلين آخرين، لعبت الدراما الدور الرئيسي في صناعة «المظلومية» وتسويقها بإلحاح صادف هوى في نفوس ملايين الساخطين، من الفيلم المصري الشهير: «جعلوني مجرمًا» إلى «دراما محمد رمضان».

المظلومية على الشاشة

المظلومية حقيقة تاريخية لا يمكن إنكارها، لكن ما يجب إنكاره هو تحولها إلى معيار لرؤية الذات والعالم ومبرر للاستباحة، والإرهاب يولد من رحم الاستباحة. فالقرآن الكريم يضع قاعدة أخلاقية كاشفة في قوله تعالى: «ومن قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورًا» (سورة الإسراء: 33). وغالبًا، عندما يحتكم المظلوم إلى «المظلومية» وحدها، يتحول إلى وحش كاسر لا يبالي إلا بالانتقام.
وفي نموذج نادر للوعي الكامن خلف ما يعرض على الشاشة الفضية، كشف حوار بين النجم السينمائي المصري المعروف أحمد السقا والإعلامية (المنتجة السينمائية) إسعاد يونس في برنامجها «صاحبة السعادة» أن عددًا من المنتجين ناقشوا مصير بطل فيلم «تيتو» (أنتج عام 2004) بين الرغبة في أن ينال عقابه على جرائمه بأن يقتل على يد الشرطة، وبين إرضاء الجمهور، بأن ينتصر على هجوم الشرطة على منزله ويبقى على قيد الحياة. وهذا نقاش أخلاقي مهم. وهذا الفيلم «تيتو» أحد أكثر هذه الأفلام إتقانًا من الناحية الفنية، وبنيته السردية تعكس سمات الظاهرة جميعًا، وأهمها أنها – تقريبًا – تعفي المجرم من أية مسؤولية عن تحوله إلى مجرم، وبعبارة أخرى: تحوِّل «الجلاد» إلى «ضحية»، وتركز بشكل شديد الوضوح على نقاءٍ يجعله يرعى طفلاً يتيمًا.
بطل الفيلم – كما أشرنا – طفل من أطفال الشوارع قست عليه الظروف بشدة منذ الصغر فأصبح مجرمًا، وهنا نحن أمام معادل موضوعي لفكرة: «المظلومية» عندما يصلح الفرد في حالة عجز أمام عالم يقسو عليه. والقيمة الضمنية هنا أن العاجز ليس مسؤولا بأي قدرٍ عن مصيره وليس شريكًا في معاناته مطلقًا، في نزوع (ضمني) إلى إعفاء الضعفاء من المسؤولية عن انحرافهم، وهذا – في مرحلة تالية – وفي أعمال درامية أخرى يعطيهم الحق في الانتقام.. بلا سقف.. بلا قاع.. بلا إدانة.
وهذا الرافد الوجداني في الحقيقة يتفاعل مع عالم من السرديات تركز – وبخاصة خلال نصف القرن الماضي – على «التفسير التآمري» في تفسير حال العالم العربي (والإسلامي) وعليه، يثمر هذان الرافدان – معًا – عن شعور بأننا «ضحايا» لا نتحمل أية مسؤولية عما يمكن أن يكون معاناةً، وبالتالي «من حقنا» أن ننتقم من الغرب المتآمر.. ولاحقًا تأتي «المقولات الفقهية» لتسبغ مشروعية زائفة على قناعة هي في المقام الأول شعور نفسي.
ويعد فيلم: «جعلوني مجرمًا» للممثل المصري الشهير فريد شوقي (أنتج عام 1951)، المثل الأشهر لـ«دراما المظلومية»، وهو أدى إلى تعديل تشريعي يجعل المدان بحكم قضائي جنائي يحصل على صحيفة سوابق جنائية خالية من السابقة الأولى، تقديرًا لكون البعض قد يكونون ضحية ظروف قاهرة، وهو ما يشير إليه عنوان الفيلم.

سطوة الصورة والأسطورة

هذه الظاهرة، واتساع نطاقها يوجبان تعزيز ضرورة إخضاع الأعمال الدرامية للتقييم الاجتماعي والأخلاقي والديني (فضلاً عن التحليل المعرفي). ومن الحقائق المهمة التي يقرها الفيلسوف الأميركي الشهير جون ديوي في كتابه: «الحرية والثقافة» قوله: «لقد أخذنا نُدرك أنَّ الانفعالات والخيال أقوي أثرًا من المعلومات ومن العقل في تشكيل الرأي العام وتكوين عواطف الناس وميولهم. ويقول جون ديوي أيضًا إنه: «لم يكن من المألوف اعتبار الفنون الجميلة جزءًا مهمًا من الأحوال الاجتماعية التي تؤثِّر في المؤسسات الديمقراطية وفي الحرية الشخصية.. ومع هذا فقد تحمَّلنا الأوضاع القائمة في الدول الاستبدادية الجماعية على مراجعة أنفسنا بشأن هذا الرَّأي، فهي تُبرهن لنا على أنه مهما كانت آراؤنا في الدوافع والقوي التي تُحفِّز الفنان المُبدع على مزاولة عمله، فإنَّ آيات الفنِّ وروائعه إذا خرجت إلى حيِّز الوجود كانت من أقوى وسائل الاتصال في استثارة الانفعالات وتكوين الآراء، فالمسرح والسينما ودور الموسيقى وعارض الصور والفصاحة والاستعراضات الشعبية والألعاب الرياضية الذائعة بين أفراد الشعب، وكذلك عوامل الترفيه والتسلية والاستجمام، كلّها أُدخِلت ضمن التنظيمات واللوائح بوصفها أجزاء من عوامل الدعاية التي تُستغَل في إبقاء الديكتاتوريات قائمة من غير أن يعدَّها جمهور الشعب طاغية قامعة.. لقد أخذنا نُدرك أنَّ الانفعالات والخيال أقوى أثرًا من المعلومات ومن العقل في تشكيل الرأي العام وتكوين عواطف الناس وميولهم».
والعبارة الأهم في كلام الفيلسوف الأميركي قوله: «لو استطعنا أن نُشرف إشرافًا صحيحًا ناجعًا على الأغاني التي تنتشر في أُمَّةٍ ما ووجَّهناها التوجيه الصحيح لَما كنا بحاجةٍ إلى أحد يضع لنا القوانين»!.
وفي الثقافات التي يغلب عليها «الشفاهية» الثقافة العربية يزول الخيط الفاصل عند البعض بين «المروي» و«المعيش». يروي شاعر العامية المصري الراحل عبد الرحمن الأبنودي (جامع «السيرة الهلالية») أنه في رحلته لطويلة في صعيد مصر لجمع رواياتها المختلفة وتوثيقًا للمرة الأولى، التقى رجلاً حكى له قصة ذات دلالات.
الرجل ريفي بسيط مغرم بالسيرة الهلالية وبطلها، وكان ذات يوم في مقهى يسمع أحد المنشدين ينشدها، وكانت التفاصيل مختلفة في روايته بعض الشيء (وهذا مألوف في النصوص الشفاهية). سمع الرجل من راوي السيرة أن البطل في السجن، فأخرج من جيبه «جنيهًا»، وهو مبلغ كبير آنذاك وبخاصة بالنسبة لفلاح شبه معدم، ودفعه للراوي ليخرج البطل من السجن، أي أن يغير مسار الأحداث ليحقق هذا الهدف، والأكثر طرافة أنه عندما عاد إلى البيت وحكى ذلك لزوجته كانت تنظر بشكل إيجابي تمامًا لسلوك زوجها الفقير.
وأبو زيد الهلالي أشهر الأبطال الشعبيين في الثقافة المصرية طفل تعرض للظلم من كثيرين – وفي مقدمتهم أبوه – وكان أول ما ردَّ به على الظلم أن ارتكب جريمة قتل وهو صبي صغير، عندما قتل معلمه بسبب إهانته إياه، فكان أن كرمه المحيطون به.
وهذا التوحد مع البطل / الشعبي / المظلوم / المنتقم / كان واضحًا جدًا في مصر (2016) بين متابعي مسلسل محمد رمضان «الأسطورة»، وكان كثيرون يحرصون على مشاهدته في مقهى، حيث تحتويه حماسة «المشاهدة الجماعية»، وعقب المسلسل كانت طاقة الحماس تخرج في شكل مناقشات حامية و«مراهنات» على مسار الأحداث.
وعلى سبيل المثال، فإن ثقافة ذات بنية مختلفة، كثقافة الكتاب تقوم – في المقابل – على الانفراد (قارئ وكتاب) لا على الجماعية، وتقوم كذلك على بناء المفاهيم في الذهن (من خلال الكلمات)، أما الدراما فتطغى الصورة فيها على ما سواها، ويغيب التفاعل، ويحل محله التلقين الذي تسهم مؤثرات أخرى (موسيقى – إضاءة – ديكور….) في استيلائه على المشاهد، وجدانيًا أولاً.


•تسويق «المظلومية» صادف هوى في نفوس ملايين الساخطين من الفيلم المصري الشهير: «جعلوني مجرمًا» للراحل فريد شوقي إلى دراما «الأسطورة» للممثل محمد رمضان
•ناقش برنامج «صاحبة السعادة» مصير بطل فيلم «تيتو» بين الرغبة في أن ينال عقابه على جرائمه وبين إرضاء الجمهور وينتصرعلى الشرطة
•جون ديوي: لقد أخذنا نُدرك أنَّ الانفعالات والخيال أقوي أثرًا من المعلومات ومن العقل في تشكيل الرأي العام وتكوين عواطف الناس وميولهم
•دراما محمد رمضان قد تكون أكثر تعبيرًا عن ظاهرة «المظلومية» .. وفي مسلسله الشهير: «حبيشة» قام شخص بإحراق والده عقابًا له على قسوته
•الباحث محمد الكمالي: المظلومية كأداة سياسية وتغطية دعائية ومبرر لغائية في أطر دينية وسلطوية، ليست فكرة مبتكرة في التاريخ الإسلامي وتمتد بجذورها لفجر التاريخ البشري
مشهد من فيلم (جعلوني مجرما) للفنان الراحل فريد شوقي
مشهد من فيلم (جعلوني مجرما) للفنان الراحل فريد شوقي

دراما الممثل محمد رمضان قد تكون أكثر تعبيرًا عن الظاهرة. وقد لفت نظري أولاً في مسلسله الشهير: «حبيشة» (2014) مشهد قيام شخص بإحراق والده عقابًا له على قسوته. والفكرة تحتاج إلى تحليل يضيق عنه المقام، وليس كل ما يمكن الوقوف أمامه في المسلسل. وفضلاً عن الطريقة التي تم بها تصوير مشهد إحراق الولد لوالده، وهي اتسمت بقسوة شديدة، كان السياق كله يدفع للتعاطف مع الابن المظلوم الذي يعاقب أباه بالقتل حرقًا، وهو مشهد يتضاءل إلى جانبه مشهد حرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة، وكلاهما ينبعان من المنبع نفسه.
وأي ثقافة تلك التي يمكن أن تتسامح مع الرسائل المرعبة لهذا المشهد في عمل درامي، كان ينبغي – في تقديري – أن تكون جماهيريته الكاسحة موضوع دراسة جادة. في مسلسل «حبيشة» الشر والخير خالصان، وتلك من سمات الأعمال التبشيرية، فمفرداتها من عالم الخيال وأقرب إلى «الصور النمطية»، حيث البشر: «ملائكة» و«شياطين»، بينما النفس الإنسانية – كل نفسٍ – كما يخبر خالقها سبحانه وتعالى: «ونفسٍ وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها» (سورة الشمس: 7 – 8). والسمة نفسها واضحة جدًا في فيلمه: «شد أجزاء» (2015) حيث يقرر ضابط قتلت زوجته أن يحقق العدالة بنفسه فيرتكب عدة جرائم – بمنتهى القسوة – انطلاقًا من أن «عدالة الإجراءات» لن تحقق العدل. ولاحقًا في مسلسله الأخير: «الأسطورة».

العدالة الناجزة

أحد الأفكار المركزية في «دراما المظلومية» فكرة: «العدالة الناجزة»، وهي العدالة التي تهدر الإجراءات، وتبلور المفهوم للمرة الأولى بوضوح في الثورة الفرنسية، وبالتحديد في فترة حكم «كوميونة باريس» (1871). و«العدالة الناجزة» بنت مفهوم أخطر وأوسع نطاقًا هو: «كراهية الإجراءات». وكأن من يسفكون الدماء لهذا السبب «غفرت لهم المظلومية ما تقدَّم من ذنبهم وما تأخر»
وحاشا لله أن يكون.
ويعد فيلم: «الأوباش» (إنتاج 1986) أول عمل يعكس – تقريبًا – كل سمات هذه الدراما. الفيلم الذي أخرجه أحمد فؤاد وقامت ببطولته ابنته هالة وعدد من النجوم بينهم يحيى الفخراني وميرفت أمين، وهو – بحسب الناقد السينمائي المصري المعروف طارق الشناوي كان الفيلم الأعلى إيرادات عام 1986. واللافت وصف الشناوي الفيلم بأنه «تجاري»، ولعلها قضية اجتماعية / إنسانية ملحة أن تكون هناك دراسة – بل دراسات – حول دلالات أن يكون الفيلم الأكثر مشاهدة هو فيلم دموي على هذا النحو، وما بدأ في النصف الثاني من الثمانينات تصاعد جدًا من سنوات مع موجة من الأفلام الأكثر إيغالاً في الدموية.
والفيلم عمل «تبشيري» بامتياز، الصراع فيه هو بين «ملائكة» و«شياطين» والحل فيه هو: «العدالة الناجزة». بطلة الفيلم (هالة فؤاد) عروس تتعرض ليلة زفافها للاغتصاب الجماعي من 6 أشخاص، وتلك أقصى درجات «المظلومية»، والجناة (الخياليون طبعًا) كائنات غرائزية بشعة، وهنا نحن في قلب لعبة التبسيط والتنميط: الملائكة والشياطين. الطرف الثالث شخص ينتدب نفسه لتحقيق «العدالة الناجزة» بيديه بعيدًا عن الإجراءات وبدموية لا يمكن وصفها، وجدير بالذكر هنا أنه كان عائدًا من سفر إلى بريطانيا. وفي الإطار نفسه كان بطل فيلم «شد أجزاء» محمد رمضان يتحرك، والأخطر أنه كان يلعب دور ضابط شرطة!
بالعودة إلى فيلم الأوباش، المنتقم الذي انتدب نفسه لتحقيق العدالة (أو الانتقام المروع) بنفسه (لعب دوره الفنان يحيى الفخراني) يرد على محاولة البعض إنقاذه من المصير الذي ينتظره بسبب جرائم القتل المتتابعة التي يرتكبها، يبرر موقفه بأنه يقتلهم بالضبط كما يفجر أي فدائي نفسه في الأعداء وهذا ربط – هو الأول من نوعه في حدود علمي – بين: «جرائم الشرف» و«الإرهاب». وفي مسلسل «حبيشة» أيضًا يقوم البطل – ضمن سلوكيات عنف كثيرة جدًا – بقتل أخته التي انحرفت وأصبحت عاهرة، بينما الجماهير حوله متعاطفة مع عنفه. ومن الشاشة إلى الواقع تنقل جريدة مصرية قبل سنوات قصة قاتل بدافع الشرف اقتيد إلى مسرح الجريمة لتمثيل كيفية حدوثها، فتجمعت أعداد كبيرة من جيرانها يصفقون لـ«البطل» الذي محا عاره بيده.
وجرائم الشرف في الحقيقة انعكاس لرؤية قيمية وليست مجرد «تقليد اجتماعي»، وتتأسس أولاً على فكرة أن تدنيس «جسد المرأة» واقعة تبرر لمن تمسه تجاوز القانون والدين والمنطق والأخلاق والشرع، وهذه نفسها بنية الذهنية الإرهابية، فكل ما له صلة بـ«إسلامية الدولة» (بحسب تصور بعينه)، يبرر التجاوز بحق الاعتبارات سالفة الذكر جميعًا.

استطلاع صادم

الباحث ميشيل موسو يرى أن العلاقة بين الحركات الإسلامية المسلحة وبيئتها الحاضنة تضمن لهذه الجماعات «الاستمرار» بقدر ما توفر لها التمويل والمتطوعين، وهي تبدو قادرة على تحقيق ذلك بيسر في بيئات معينة. وقد قام بمسح في 14 دولة إسلامية لمعرفة الشروط التي تجعل الناس العاديين داعمين لجماعة إرهابية. وتمت الدراسة على عينة من 8 آلاف مسلم من 14 دولة، وهي عينة يفترض أنها تمثل 62 في المائة من مسلمي العالم، سئلوا حول رأيهم في استخدام الإرهاب للدفاع عن الإسلام. والدراسة اختبرت فروضا كثيرة. لكن التحليل يشير إلى عامل واحد: فقراء المدن. وجذور «الإرهاب الإسلامي» هي في الأحياء الأكثر اكتظاظا حول المدن الكبيرة في العالم الثالث. فالنازحون من الريف هربًا من الفقر كان يحدوهم الأمل في أن يجدوا حياة أفضل في المدن، ولما لم يجد كثير منهم فرص عمل بدأ طريقهم نحو دعم التنظيمات الإرهابية.
تشير المؤشرات المتصلة بفقر المستطلعين إلى أن 40 في المائة منهم عجزوا ذات يوم عن شراء الحاجات الغذائية الضرورية، و44 في المائة منهم عجزوا عن شراء الدواء، و40 في المائة منهم عجزوا عن شراء الملابس الضرورية. و49 في المائة من العينة مقتنعون بأن استخدام العنف للدفاع عن الإسلام مرفوض تمامًا و15 في المائة يرونه مبررًا نادرًا، و21 في المائة يرونه مبررًا أحيانا، و15 في المائة يرونه مبررًا غالبًا. مما يعني أنهم داعمون لفكرة استخدام الإرهاب لتحقيق أهداف دينية أو سياسية.
وفي فيلمه الممتع: «تيتة رهيبة» (بطولة محمد هنيدي وسميحة أيوب) يحذر السيناريست يوسف معاطي من العشوائيات التي خنقت القاهرة، وبخاصة لجهة إفراطها في استخدام السلاح: في الغضب وعند البهجة. ويرصد معاطي برشاقة كيف أصبحت حفلات الزفاف في كثير من المستويات والطبقات مرآة للظاهرة، وبخاصة حضور «السلاح» مقترنًا بالبهجة. وفي المقابل استعانت «تيتة رهيبة» ذات الجنسية الألمانية بكلبين لمواجهة فوضى العشوائيين والأسلحة البيضاء التي لا تفارقهم، ويحمل الكلبان الاسمين: «رعد» و«جوبلز».
و«الإرهاب الاجتماعي» الذي تمارسه الفئات الجديدة فقراء المدن بثقافتهم الأسطورية الشعبوية، التربة الخصبة لأن تترعرع في أذهانهم رؤية لتغيير العالم تقوم على استخدام العنف وكراهية الإجراءات وتقسيم البشر إلى «ملائكة» و«شياطين». وفي مثل هذه الثقافة تصبح «المظلومية».

Previous ArticleNext Article
ممدوح الشيخ
مؤلف وباحث مصري،كاتب مقال رأي في عديد من الصحف العربية. صدر له أكثر من 30 مؤلفاً في القاهرة وبيروت ودبي ومسقط، بينها روايتان وعدة دوواين ومسرحية. حاز على عدة جوائز في الشعر والمسرح والرواية داخل مصر وخارجها. شارك في موسوعة "الحركات الإسلامية في الوطن العربي"( بيروت - 2013).

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.