بعد استهداف المدينة النبوية والكنائس ورجال الدين .. «داعش» وهيكلته الجديدة - المجلة
  • worldcuplogo2
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

تقارير

بعد استهداف المدينة النبوية والكنائس ورجال الدين .. «داعش» وهيكلته الجديدة

باكستانيون في لاهور ينددون بالهجوم الانتحاري قرب المسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة (غيتي)
= أمير المدينة المنورة فيصل بن سلمان بن عبد العزيز خلال تفقده مع المسؤولين وضباط الأمن موقع الهجوم الانتحاري قرب مقر الأمن خارج المسجد النبوي في المدينة المنورة يوم 4 يوليو الماضي (غيتي)
=
أمير المدينة المنورة فيصل بن سلمان بن عبد العزيز خلال تفقده مع المسؤولين وضباط الأمن موقع الهجوم الانتحاري قرب مقر الأمن خارج المسجد النبوي في المدينة المنورة يوم 4 يوليو الماضي (غيتي)

جدة: يوسف الديني

#داعش_تنتهك_مسجد_الرسول_وقبره: كان «الهاشتاغ» الأبرز في السعودية منذ الحادثة قرب المسجد النبوي في المدينة المنورة


جنون إرهاب «داعش» ليس له حد، ولا يمكن التنبؤ بنهايته أو سقفه الإجرامي. هذه الروح التي عبر عنها العالم بأسره عقب استهداف الجماعة الإرهابية لمسجد رسول الله صلى الله وسلم ومدينته والحرم الآمن بعملية فاشلة هزيلة كانت تبحث عن إحداث صدى كبير باستهداف «المقدسات الدينية».

الخط الأخير في مسلسل الإجرام الداعشي، وهو ما استنكره الجميع، وكان لافتًا أن أصبح «الهاشتاغ» الذي عقب العملية أشهر تجمع لاستنكار المسلمين بل العالم لهذه الجريمة الشنعاء، التي تنبأ كثيرون بأنها بداية النهاية، فبقدر ما كانت مستفزة محاولة الانتهاك للحرم النبوي، جاب المحللون في استكناه نهاية التنظيم، حيث لم يجد سوى أن يستهدف الحرم وبشكل فردي على طريقة «الذئاب المعزولة» التي تقوم بعملياتها بناء على وجود الفرصة بعيدًا عن الأهداف الاستراتيجية أو مستوى الضرر أو التخطيط للعملية.

#داعش_تنتهك_مسجد_الرسول_وقبره: كان «الهاشتاغ» الأبرز في السعودية منذ الحادثة قرب المسجد النبوي في المدينة المنورة، التي أسفرت عن «استشهاد» أربعة من رجال الأمن وإصابة خمسة آخرين، وكانت معظم التغريدات تدين بشدة ذلك العمل الإجرامي كما قامت شخصية سياسية بارزة في العالم باستنكار الحدث من توني بلير إلى وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد إضافة إلى الاستنكار الرسمي لكل من الأردن ومصر والإمارات والبحرين، والجزائر وتركيا وإيران والمغرب وجامعة الدول العربية، والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ومنظمة التعاون الإسلامي، والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)، الذين عكسوا صدمتهم من جرأة التنظيم على المقدسات.

فهم الظاهرة

منذ ولادة الإرهاب المدفوع بشعارات دينية لأهداف ودوافع سياسية في منتصف السبعينات وهو يفرز أنواعًا معقدة وجديدة من الطرائق والاستراتيجيات مستفيدًا من التطور الهائل الذي يعيشه العالم، وغير مكترث للحرب عليه لأنه في النهاية يستهدف الكوادر العنفية على أبعد تقدير لكنه لا يمسّ المناخ العام، ولا الفضاء الديني الذي فقدَ مرجعياته منذ انقلاب الإسلام السياسي على المرجعيات التقليدية، ومنذ تحول التيارات المناهضة للإسلام السياسي إلى تفسير الإرهاب عبر حصره في «التطرف الفكري» في حين أن هذا التطرف هو واحد من جملة عشرات المفاتيح لفهم هذه الظاهرة المتنامية والمعقدة.
في الأساس، يدرك تنظيم داعش أهمية السعودية ليس باعتبارها قبلة دينية فحسب، بل سياسية واقتصادية من جهة أخرى وبما تشكله من ثقل كبير وتأثير ضارب في حملة الحرب عليه التي تقودها المملكة مع تحالف من دول إسلامية، لذا فإن أكبر أعداء «داعش» الآن هم السعوديون لأنهم من وقفوا أمام تمدد التنظيم وظلوا يهددون بقاءه على عدة مستويات، أهمها المستوى الشرعي والتشريعي والاستراتيجي، فمن حيث الشرعية لا يمكن تخيل نجاح الحرب على الإرهاب دون دور سعودي فاعل، فالثقل المعنوي لقبلة الإسلام مهم جدا في تجاوز إشكالية قتال جماعات متطرفة تحظى بتعاطف مجتمعي، وإن كان محدودا، ومن حيث التشريع كانت المملكة صاحبة ريادة السبق في التشريع ضد الإرهاب والدعوة إلى مؤتمر دولي ومركز أبحاث دائم، وأما من حيث الاستراتيجية، فأعتقد أنها تحمل القسط الأكبر من الإجابة عن السؤال.

هل من مفاجأة؟

تفجيرات المدينة واستهداف المملكة ومقدساتها لم يكن شيئًا مفاجئًا لمن يراقب تصريحات وخطاب التنظيم عن كثب وكلنا يتذكر طبة الداعشي الموهوم «أبو بكر البغدادي» عقب فشل التنظيم في استهداف السلم الأهلي في المملكة، وما آلت إليه الأوضاع من نجاحات أمنية سريعة ومذهلة، وإخماد لبذور الفتنة التي يحاول «داعش» غرسها بعد أن تغيرت استراتيجيته من استهداف القوى الغربية والولايات المتحدة إلى الأنظمة العربية التي تشكل حجرا عثرة أمام تمدد الإرهاب، والسعودية من أهم المستهدفين بحكم عبورها لأزمات كثيرة في غاية التعقيد والصعوبة، وإن كانت لم تحظ بتغطيات وتحقيقات إعلامية وتوثيقية تليق بها، ابتداء بتجربة جهيمان، إلى حرب الخليج، إلى الاصطدام بالإسلام السياسي في ذروة صعوده وظهور ملامح مشروعه الانقلابي في منتصف التسعينات، إلى 11 سبتمبر (أيلول) وما بعدها. صحيح أن أثمان هذا الاستقرار كانت باهظة، إلا أنه لم يأت وليد الصدفة المحضة.
فكما نعلم فإن التنظيم دعا كل التنظيمات المتطرفة إلى الذوبان داخل بوتقة «داعش» التي جمعت كل ما يمكن تخيله من صنوف التطرف والغلو وعبر أشخاص موتورين بهوس القوة والتغيير الجذري، التي تؤكد كل التقارير الميدانية على تصاعد موجات عنفية غير مسبوقة شكلا ومضمونا، وما يتم تسريبه بغرض بث الفزع ما هو إلا قمة جبل الجليد الداعشي الذي ستعاني المنطقة من آثاره طويلا.
كما دعا التنظيم إلى ضرب المجتمعات عبر استهداف الأقليات، خصوصًا الشيعة، كما أنه أكد على أنه لا شرعية لأي تيار أو مجموعة أو حركة متطرفة غير «داعش»، وهو بهذا ينهي الجدل الطويل الذي يتردد في منتديات ومنصات المتعاطفين مع «القاعدة»، والمناصرين لفكرة «الجهاد» العالمي منذ أن أطلقها تحالف بن لادن والظواهري، هذه المنتديات منذ مدة وهي تضج بنقاشات وحوارات حادة حول شرعية التحول إلى «داعش» أو منه، وتجارب لأعضاء خرجوا من تجربة «داعش» باعتباره لعبة استخباراتية وليس كـ«القاعدة» التي خبروها.


•السعوديون أكبر أعداء «داعش» الآن .. وقفوا أمام تمدد التنظيم وظلوا يهددون بقاءه على عدة مستويات أهمها الشرعي والتشريعي والاستراتيجي

لم يستخدم قادة التنظيم تكنيك الترهيب هذه المرة، فهو لم يهاجم ويكفر الخارجين عن بيعته فقط، لكنه يحاول باستذكاء توصيف كل من لم ينضوِ تحت تنظيم «داعش» بأنه سيخسر حصاد المرحلة لاحقا بعد تمدد الدولة ووصولها إلى روما التي تكررت في كل خطب البغدادي فيما يشبه الهوس القيامي بأخبار آخر الزمان، وأن «داعش» هو امتداد تاريخي للطائفة المنصورة، وهو إشارات تحاول إضفاء لمسة الشرعية والقداسة على حركة تجاوزت كل أخواتها في تدنيس المقدسات والثوابت والمبادئ.
كلمة البغدادي إذا ما قرأناها بالأدبيات العسكرية هي بيان حرب يحدد أولويات المرحلة ويهدف إلى رفع معنويات أتباعه من الداعشيين وطلب المزيد من الكوادر وتوسيع نطاق المعركة وجلب الأميركان إلى حرب برية من شأنها، في حال تفوق «داعش»، تغيير المعادلة في المنطقة، كما أنها ستحرج المجتمع الدولي في حال بقاء الضربات الجوية التي لم تؤت أكلها حتى الآن.

إهمال الحرب على داعش

من جهة ثانية فإن التنظيم يستغل مثل هذه التفجيرات لإعطاء زخم إعلامي كبير وردة فعل تمكنه من إعادة بناء نفسه في لحظات الاختناق والحصار، فيضطر إلى الإيعاز إلى خلاياه وأفراده في كل مكان إلى الاستعداد للقيام بعمليات هدفها ترحيل الأنظار عن هزائمه على طول الأراضي التي يهيمن عليها، فالمسألة لم تعد ارتباكا سياسيا أو تقدير موقف خاطئ.. هناك إهمال للحرب الفكرية على «داعش» سيجر ويلات كبيرة على المنطقة، رغم أن «داعش» ليس أعظمها وأخطرها، فالتنظيم رغم النجاحات الباهرة التي سيحققها بإعلان الدولة على مستوى الاستقطاب والتمويل والدعاية المجانية وإيقاظ الحلم، ليس فقط في دوائر المؤمنين بالعنف المسلح طريقة للتغيير، بل للقادمين من دهاليز سرية بعد فشل دولة الإسلام السياسي.
فتأصيل هذه المسائل مرهون بالحالة الأمنية، فكلما زاد الخناق على الإرهاب أنتج منظروه عشرات الكتب والرسائل والفتاوى لتبرير قطع الرؤوس واستهداف المساجد واستخدام الأطفال وسرقة أموال الدولة بل وقتل الأقارب، لكن الإشكالية أن الجميع يدين الإرهاب ويستنكره لكنه لا يحاول سبر أغواره وفهمه.

داعش والمقدسات

سؤال الأسئلة كما يقال عادة، كيف برر أعضاء التنظيم لأنفسهم شرعنة عملية المدينة، إذا ما قلنا إن من قام بالانتحار قد يندرج تحت سياقات نفسية وأزمات هوياتية بعيدًا عن إدراكه لتفاصيل الأمور الشرعية كما هو حال أغلب أفراد التنظيم «العشرينيين»، وهم السمة الغالبة على كوادر داعش المعزولة والمقيمة كخلايا نائمة برسم الانتظار، كيف يمكن للهيئة الشرعية التي أبان عنها التنظيم في هيكليته لتراتبية الولايات والمناطق والإدارات التابعة للدولة الداعشية هذا الإجرام بحق المقدسات؟! وللإجابة عن ذلك علينا أن نعود إلى مسألة مشابهة طرحت في تنظيم القاعدة في أواخر الثمانينات بعد استهداف بعض الرموز الدينية أو المزارات، فقد جرى تأصيل بعدد من الرسائل والفتاوى والإجابات المكتوبة حول شرعية استهداف رموز العبادة ما دامت تحت حكومات في نظر التنظيم غير شرعية، وهو أمر خطير جدًا لم يتم التنبه له آنذاك من قبل المناصرين والمدافعين عن تنظيمات الإرهاب باعتبارها مسألة نظرية لا يمكن تخيّلها على أرض الواقع في حين أنه من أقل من عقدين خرجت الفتوى باستهداف مساجد الضرار إلى العلن في أكثر من مناسبة سواء كانت مساجد شيعية أو سنية أو مراقد ومواقع مقدسة بغض النظر عن مرجعيات تلك الرموز والأماكن، حتى المساجد ذاتها طرح الجدل حولها في تلك الفكرة المبكرة من مرحلة الفكر المتطرف الذي يعود إليه إرهابيو اليوم للبحث عن مخارج لمسالك إجرامهم، وكان التنظير يقضي بأن المساجد التي تتبع الدولة في نظر منظري الإرهاب هي مساجد ضرار لا حرمة لها، وهذا التأصيل ليس لـ«داعش» ولم يكن وليد الإرهاب الوحشي اليوم، بل هو جدل سمعته بأذني من مجموعات ذات مرجعيات راديكالية في أوائل التسعينات إبان حرب الخليج، ثم ألفت مؤلفات كثيرة في تأصيله أبرزها «تحفة الأبرار في أحكام مساجد الضرار» لأبي محمد المقدسي، وهناك العشرات من الرسائل الأخرى في مسائل استهداف العسكر واستهداف المواقع الآثار والسياح وحكم امتلاك السلاح النووي!
الإرهاب بمنظريه وأتباعه وكوادره لديهم هدف محدد وهو تحويل كل المنطقة إلى «بؤرة توتر» دائمة لأنها المناخ الوحيد الذي يمكنه استقطاب الكوادر، ولذلك فإن الجدل حول النشأة أو علاقة هذا التنظيم بتلك الاستخبارات أو ذلك النظام لن يغير من حقيقة أن الإرهاب باقٍ وإلى وقت طويل ببقاء أسباب التجنيد والتمويل والملاحقة.
والأهم المناخ العام المشجع له، وهو ليس فقط مسؤولية الخطاب الديني الذي ينوء بالعبء الأكبر، بل ثمة متغيرات جديدة فيما يتعلق بالشباب في العالم العربي الذي بحاجة على الأقل إلى مبادرة وطنية شاملة لتعزيز قيم الاستقرار.

استراتيجية «داعش»

نحن اليوم أمام إرهاب استراتيجي يعمل في عدد من المسارات العنفية التي تفضي إلى أهداف استراتيجية على المستوى السياسي من شأنها تغيير الدول والحدود والكيانات السياسية الكبرى، أهم تلك المسارات تقويض مفهوم الدولة الحديثة واستبدال بها «دولة الخلافة» كشعار، وبالفوضى كواقع، حيث لا تستطيع تلك الدولة سوى قهر الأفراد الواقعين تحت حكمها مع محاولة التوسع لالتهام المزيد من مناطق النفوذ بحثًا عن المال والتمويل الذاتي، فالجميع يدرك أن ما فعله «داعش» بالمناطق الخاضعة له هو ابتلاع مقدرات تلك الأرض بطريقة قد تفضي إلى إفراغها من أهلها وتهجيرهم والقضاء على كل الموارد.
والمسار الثاني هو استغلال الفجوات السياسية في المنطقة، التي تتسع مع عدم وجود أي حلول مؤذنة بنهاية الأزمات في مناطق التوتر وعلى رأسها القضية السورية ووقوع العراق في فخ الطائفية، من هنا ولدت استراتيجية «داعش» الجديدة، التي تقضي باللعب على تناقضات التجاذبات الإقليمية للتوسع، فالصراع الإقليمي الذي تعاظم مع إهمال المنظمات الدولية والدول الكبرى للمنطقة أسهم في تقوية تنظيم داعش الذي يحاول في كل عملياته توسيع رقعة الأزمة، حتى بات لدى كثير من المحللين الذين يقرأون التنظيم عبر ردود فعله يعتقدون أنه تابع لهذه الدولة أو تلك بناء على اختياراته لعملياته وتوقيتها وإهماله لاستهداف ذلك النظام أو تلك الميليشيا، وهو يفعل ذلك بناء على رؤية استراتيجية لأولوياته في المرحلة.

 باكستانيون في لاهور ينددون بالهجوم الانتحاري قرب المسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة (غيتي)

باكستانيون في لاهور ينددون بالهجوم الانتحاري قرب المسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة (غيتي)

ويأتي المسار الأهم باعتباره استهدافًا للتسامح الديني والاعتدال الإسلامي عبر اختراق الفضاء الديني العام والسلم المجتمعي في الدول الإسلامية العربية وحتى في كل دول العالم التي تحوي جاليات إسلامية ذات حضور منظم في المجتمع؛ فهو استهداف في الأساس لمفهوم المواطنة عبر إثارة ملف الطائفية بشكل دموي وليس كما كانت ثنائية الشيعة – السنة عبر التاريخ متروكة للنطاق المذهبي الضيق تتراشق فيها سهام الطرفين في محاولة السيطرة على الأتباع وليس التصفية، مع «داعش» تحول الملف الطائفي إلى أولوية لبعث ملف الأقليات الدينية، في ظِلّ أن الخطابات العامة تذهب إلى التصعيد الطائفي على خلفية الوضعية التصاعدية للتشيع السياسي وصعود إيران مجددًا في المنطقة عبر أذرعها وتدخلاتها، وهو ما يعني محاولة دمج الفرق الكبير بين التشيع كخيار مذهبي، والتشيع السياسي كموقف مضاد لمفهوم المواطنة في دول الخليج.
على مستوى استهداف القيم والمفاهيم في الداخل السعودي يسعى تنظيم داعش بما أوتي من تطرف إلى شغل المجتمع بملف الطائفية على خلفية أن منسوب الطائفية في المنطقة في أعلى مستوياته إلى الحد الذي حدا ببعض المجموعات الإسلامية إلى رفض «داعش» في الداخل مقابل تبرير سلوكه في الخارج. وهذا، بعدما أطلقت إيران ميليشياتها الشيعية المسلحة، وبشعارات دينية صارخة، الأمر الذي قرأه قادة «داعش» بذكاء في محاولة تأجيج الملف الطائفي وخلق أداة جديدة للفوضى. ثم إن «داعش» يدرك أن تصريحات قادة طهران وحسن نصر الله والحوثيين حول أي جريمة طائفية من شأنها خلق ردود فعل مضادّة باعتبار أن خطاب الدولة والمجتمع بكل أطيافه يرفض تدخلات سيادية من هذا النوع.
«داعش» يريد أن ينفرد بـ«دولته» دون حتى مشاركة المجموعات العنفية المنافسة كـ«القاعدة» بفروعها، والمجموعات المحاربة لنظام الأسد كـ«النصرة» وفروعها، وكل منافسي «داعش» من أمثال هؤلاء، يفقدون أسهمهم في سوق الفوضى متى ما نجح «داعش» في تحقيق أهداف أو عمليات أو ضم مناطق جديدة.
والحال مع كل عملية استقطاب جديدة لمقاتلين ينضمون لـ«داعش»، وانفرادها بشرعية التطرف بعد تراجع «القاعدة» لدى عموم الفضاء العنفي «الجهادي»، يتأكد القول إن الإرهاب بات حالة مستقرة وليس استثناء عابرًا، لم يعد العنف والتطرف ينتظر مسبباته أو يعبر عن ردة فعل محتقنة.

فاتورة «داعش»

والسؤال الآن بعد أن ضرب الإرهاب في شكل تنظيم داعش الإجرامي أهم المقدسات الإسلامية، والكنائس ورجال الدين المسيحيين، كما استهداف الأبرياء في كل دول ومناطق العالم ليثبت رسالته «لا مكان آمن ما دام التنظيم باقيًا»: ما الفاتورة التي سيدفعها «داعش» جراء استهدافه للمقدسات والمناطق السياحية ودور العبادة والأبرياء، التي جعلت من العالم كله منطقة توتر وفوضى محتملة، متى ما وجد الدافع والثغرات الأمنية في ظل وجود خلايا نائمة وذئاب معزولة على أتم الاستعداد للقيام بدور يسهم في دعم آيديولوجية «داعش» المتنامية، في ظل فشل مشاريع الإصلاح الديني ودمج الأقليات داخل نسيج المجتمع الأوروبي.
الأكيد أن الإرهاب اليوم على رأس المخاوف الأمنية لكل دول العالم، إذ انتقل من اعتباره شأنًا داخليًا يهدف إلى تقويض الاستقرار إلى كونه أداة تحريك القضايا الإقليمية والضغط على السياسات الخارجية للدول الكبرى، وبالتالي يتجاوز الإرهاب قدرته على التغيير الجغرافي داخل مناطقه كما يحدث لـ«داعش» إلى كونه مؤثرًا وحاضرًا في أوروبا عبر مجنديه.
الفاتورة الأكبر ستدفعها الجالية الإسلامية، إضافة إلى المعتدلين والعقلاء في أوروبا، لا سيما مع صعود لغة اليمين ورفضه لملف المهاجرين، إضافة إلى استغلاله لعوامل أخرى غير الإرهاب كالتراجع الاقتصادي وتدهور الأوضاع الاجتماعية.

Previous ArticleNext Article
يوسف الديني
يوسف عبدالله الديني - كاتب صحفي من السعودية يكتب حالياً في جريدة الشرق الأوسط درس مبكراً الإسلاميات ثم تخصص في العلوم السياسية يهتم بظاهرة الإسلام السياسي والحالة الدينية المعاصرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.