• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari
وجهات نظر

تداعيات الاعتماد المفرط على البنوك المركزية

محمد العريان
محمد العريان
محمد العريان

محمد العريان *

كما كان متوقعًا على نطاق واسع، ابتعد مسؤولو بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي عن تبني تدابير سياسية جديدة، في ختام اجتماع السياسات الذي امتد عبر يومين وانتهى 27 يوليو (تموز) الماضي. ولكنهم ذهبوا إلى ما وراء البيان الختامي اللطيف الذي كان أغلب المشاركين في تداولات الأسواق ينتظرونه.

ونظرًا لأن المزيد من التطورات الاقتصادية المحلية الإيجابية، بما في ذلك سوق العمل المعزز بعد التراجع المسجل في مايو (أيار) الماضي، مستمرة في مواجهة الرياح المعاكسة في خضم السياق الدولي الضعيف، لم يجد بنك الاحتياطي الفيدرالي حاجة ماسة إلى رفع أسعار الفائدة في الوقت الراهن. يذكر أن المسؤولين لاحظوا تضاؤل المخاطر حول التوقعات الاقتصادية على المدى القصير، وهو البيان الذي كان قويًا بدرجة ما من أغلب التوقعات السابقة عليه. ومن المثير للاهتمام في هذا الصدد، رغم كل شيء، أن هذا التعليق لم يؤد – على الأقل حتى الآن – إلى ارتفاع أسعار الفائدة ذات المدى القصير في الأسواق المالية على نحو ما أشرت إلى احتمال حدوثه.
والأمر الأقل وضوحًا في البيان المعلن – على الرغم من إمكانية وضوحه بدرجة كبيرة مع الإفراج عن محاضر الاجتماعات الأخيرة خلال الأسابيع المقبلة – هو مجموعة العوامل المحددة التي يأخذها مسؤولو بنك الاحتياطي الفيدرالي في اعتبارهم عند اتخاذ قرارات الحكم الصارمة بشأن كثير من المقايضات الدولية المعقدة: ما بين القوة الاقتصادية المحلية النسبية والضعف الاقتصادي العالمي، وما بين قمع التقلبات المالية قصيرة الأجل في مواجهة مخاطر المزيد من عدم الاستقرار المالي المتوقعة، وما بين محاولات ضبط النفس الحذرة بشأن أسعار الفائدة وزيادتها الآن من أجل إفساح المجال للاستجابات السياسية المستقبلية إذا ما اصطدم النشاط الاقتصادي المحلي بحفرة من الحفر المتناثرة على طول الطريق.
وعندما يتعلق الأمر بتلك المقايضات المعقدة، فإنني أظن أن مسؤولي بنك الاحتياطي الفيدرالي سوف يراقبون عن كثب البنوك المركزية الأخرى ذات الأهمية النظامية الكبيرة. ولا تواجه أي من هذه البنوك تحديات سياسية كمثل التي يواجهها بنك اليابان اليوم، والذي يبدأ اجتماع السياسات المالية خاصته يوم الخميس ويستمر ليومين وسط توقعات متزايدة بإقرار حزم جديدة من التحفيزات المالية.

وفي مناسبتين سابقتين خلال العام الحالي، شهد بنك اليابان الأسواق تتفاعل بطرق غير متوقعة حيال إعلانات السياسات الصادرة عنه، بما في ذلك رفع قيمة العملة أعلى بكثير عندما هبط البنك المركزي، وبشكل غير متوقع، بأسعار الفائدة إلى ما دون الحد الصفري. وهذه المرة، قد يساور المسؤولين في بنك اليابان شعور طيب حيال آفاق سياساتهم الحالية، حيث تحركت الحكومة من أجل تعزيز الأغلبية البرلمانية، ويشعر رئيس الوزراء الياباني بجرأة أكبر للمضي قدمًا في سياسة التحفيز المالي والإصلاحات الاقتصادية الهيكلية.

وسواء تعلق الأمر ببنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، أو ببنك اليابان، أو ببعض البنوك المركزية الأخرى، فإن القضية الرئيسية تبقى من دون تغيير.
بعد ما يقرب من ثماني سنوات من ذروة الأزمة المالية العالمية، لا يزال العالم يعتمد وبصورة كبيرة على البنوك المركزية من أجل تعزيز النمو الاقتصادي الشامل وضمان الاستقرار المالي الحقيقي. وكلما استمر هذا التوجه، انخفضت احتمالات النتائج المرجوة والمنتظرة. وفي الأثناء ذاتها، تتزايد المخاطر حول مصداقية سياسات البنوك المركزية، كما تتزايد بدورها التهديدات التي تواجه الحكم الذاتي السياسي لديهم، وسوف يتسع مجال الأضرار الجانبية والعواقب الوخيمة غير المقصودة المترتبة على ذلك.
كان لدى الحكومات متسع كبير من الوقت للانتقال بعيدًا عن الاعتماد المفرط على البنوك المركزية والمضي في مسار الاستجابة السياسية التي تجمع ما بين إدارة الطلب الكلي والإصلاحات الهيكلية الداعمة للنمو، ورفع جيوب المديونيات المفرطة، وتطبيق أفضل حالات التنسيق للسياسات الإقليمية والعالمية. وكلما تأخرت عملية التحول السياسي المشار إليها، زادت مخاطر متابعة البنوك المركزية الأخرى لخطى بنك اليابان في رؤيته لسياساته الأقل فعالية، إن لم تكن عديمة الفعالية في المقام الأول أو ذات نتائج عكسية على المدى البعيد.

* بالاتفاق مع «بلومبيرغ»

Previous ArticleNext Article
المحرّر الاقتصادي
يتابع الشأن الاقتصادي ويرصد عالم المال والأعمال في الوطن العربي والعالم. الاقتصاد عند المحرّر الاقتصادي ليس أرقاما وبيانات واحصاءات فقط بل يتعداها الى ما راء تلك الأرقام وتبعاتها على الشعوب والدول.. وكل رقم يؤثر في حياة انسان يصلح أن يكون مادة جديرة بالتحليل أو المتابعة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.