«القتل والإرهاب» في الأغنية الشعبية المصرية

المطرب المصري الشعبي عبد الباسط حمودة

المطرب المصري الشعبي عبد الباسط حمودة

قال المطرب المصري الشعبي عبد الباسط حمودة في أغنية : وقطّع الجتة.. ييجي 300 حتة

الشارقة: غادة فتحي

الأعنية الشعبية أحد أشكال الإنتاج الفني في كل المجتمعات تقريبًا، فهناك في كل المجتمعات تقريبًا: «فن المحترفين» وهو أكثر تعبيرًا عن ثقافة الشرائح الوسطى والعليا، والفن الشعبي الذي قد يتذوقه الجميع، لكنه يظل أكثر التصاقًا بالفئات ذات الثقافات الشفاهية البسيطة التي يبقى غناؤها «نصًا مفتوحًا» يحتمل الزيادة والنقصان مع كل رواية وإنشاد، مع بقاء البناء العام للأنشودة ثابتًا.

الهامش يحل محل المتن

كانت الأغنية الشعبية المصرية – إلى حد كبير – استثناءً من مسار مثيلاتها في العالم العربي، فحتى نكسة 1967 تقريبًا كانت في معظمها استعادة لأهازيج مجهولة المؤلف تطورت مع الزمن بكثرة الترديد وكانت القيم التي تعكسها تختلف «نسبيًا» فقط عن القيم التي يمكن أن تعكسها «أعنية المحترفين» عاطفية كانت أو وطنية أو.. حتى ظهر أحمد عدوية.

كان أحمد عدوية لسنوات مطربًا شعبيًا «ينتج» أغنيات شعبية ولا يكتفي بإعادة إنتاج تراثها، واستفاد بقوة من حالة إحباط اجتماعي عميقة سادت مصر بسبب النكسة، وشيوع واسع لأدب يسخر من كل شيء، ويعبر عن حالة من فقدان التوازن، فقدم عددًا كبيرًا من الأغنيات التي انتشرت انتشارًا جماهيريًا واسعًا، وبقيت «مسارًا هامشيًا» لا يحظى بالاعتراف الرسمي، في مرحلة ما قبل السماوات المفتوحة والإعلام الافتراضي.

وتتابع ظهور أسماء كثيرة منحت الأغنية الشعبية زخمًا كبيرًا عبر «إمبراطورية الكاسيت» التي كانت تجد جمهورها الأكبر في عشوائيات ضخمة حول المدن المصرية الكبرى – وفي مقدمتها القاهرة – لتشهد السنوات القليلة الماضية انفجارًا غير مسبوق في حجم انتشار الأغنية الشعبية، فضلاً عن اكتساحها المجتمع كله تقريبًا، بغض النظر عن المستوى الاجتماعي والتعليمي والمادي للمستمع.

ومع هذا التطور أصبح مطربو الأغنية الشعبية (الذين ظلوا لسنوات «التيار الهامشي») نجوم الصف الأول بمعيار التوزيع والتأثير، وساهمت ظاهرتا: «أفلام المقاولات» و«سينما السبكية» في حفر مجرى نهر لسلسلة من الأفلام تقوم أولاً وأخيرًا على خلطة (الحارة، المطرب الشعبي، الراقصة، البطل العنيف..).

وقد أصبح مألوفًا في أغانٍ شعبية كثيرة وجود سلاح وإطلاق نار ورمزية واضحة للأسلحة البيضاء بأحجامها المختلفة، في تطبيع مستمر لسنوات لفكرة أن «الرجولة» لا تنفصل عن «السلاح»، ولا أدري لماذا ذكرني هذا بشعار: «السلاح زينة المؤمن» الذي رفعه الإمام موسى الصدر في لبنان فكانت بداية المنحدر. في نهاية المنحدر مثلاً، أغنية «ابن دمي» في مسلسل الأسطورة تبدأ بإطلاق النار، أما اسمها فلا يحتاج لتعليق.

البداية: جرائم الشرف

الأغنية الشعبية – كما أشرنا – جزء من وجدان كل الأمم تقريبًا لكن الجديد هنا ظهور نوع من «فن الهامشيين» يروج لقيم سمتها الرئيسية الدموية والغرائزية، من الرقص الفاحش إلى الموسيقى الصاخبة ذات الدلالات الشهوانية الواضحة، ويكون هذا مترافقًا مع معادل بصري مفرداته الرئيسية: المسدس، الرشاش، المطواة، السنجة، العصي، أسد، ثعبان ضخم..

والقيم كما تعكسها كلمات كثير من هذا النوع من الأغاني، تبدأ من قيمة أن: «العنف هو الحل»، مثلاً: أغنية «خيانة» للمطرب الشعبي الشهير عبد الباسط حمودة. الأغنية تتضمن كلماتها عبارة شهيرة جدًا في ثقافة الصعيد (جنوب مصر) تقول: «التار ارحم من العار». وتحكي الأغنية قصة التغرير بفتاة صغيرة وانتهاك شرفها على يد صديق للعائلة، وهو نمط متكرر بشكل كبير جدًا في الأغنية الشعبية المصرية الآن. وحسب الأغنية فإن رد فعل الأب كان قتل الفتاة (رغم أنها حسب كلمات الأغنية نفسها صغيرة وتم التغرير بها)، أما الخائن فكان مصيره على يد الأب كالتالي:

[blockquote]ولما شاف الواد

الغيظ في قلبه زاد

فار دمه

دخل في وسط الناس

جابه ولا همه

كسر رقبته

بإيديه قطع كمان رجليه

وشرَّح الجتة

ييجي 300 حتة

ووقف يقول للناس:

أنا أخدت حقي خلاص

ما تصلوا على المختار أبو المقام العالي

دي نهاية الغدار توب الضنى غالي[/blockquote]

والملمح الأخطر هنا «تعميد المشهد» العبثي الإجرامي بالصلاة على النبي ليبدو ما حدث فعلاً مشروعًا دينيا. ولنا أن نتخيل – وهذا ما لمسته من التسجيل الصوتي الذي سمعته للأغنية – حجم الانفعال الجماعي من المستمعين لتقطيع الجثة لـ300 قطعة.

وأول ما يلفت النظر هنا الثمن الذي تدفعه المرأة لصورتها كفريسة لمن يغرر بها وقتيلة على يد من يريد غسل عار العائلة. ولا مكان هنا لقانون أو إجراءات أو احتكام لمعايير دينية كحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور»، ومن المثلة تقطيع جثة القتيل، هذا طبعًا فضلاً عن أن الأصل أن يدان الناس في إطار إجراءات تتولاها الدولة (ولي الأمر) ولا تتم دون ضمانات واضحة لعدالتها.

وقد شهدت مصر خلال السنوات القليلة التي أعقبت ثورة الخامس والعشرين من يناير (كانون الثاني) الكثير والكثير من حوادث القتل الجماعي بأكثر الطرق وحشية من جموع من «الناس العاديين» بسبب اتهام لم يثبت بأي شيء، وشاع أن هذا تطبيق لـ«حد الحرابة». وهذا الحد لا يطبق بالسحل ولا الطعن الوحشي حتى الموت ولا.. وهو كذلك لا يطبق على شخص متهم بالسرقة أو القتل الخطأ – بسيارة مثلاً – أو التحرش بفتاة.

ووقوع هذه الحوادث وتكرارها وارتباطها بنسبة كبيرة بالأحياء الشعبية والعشوائيات المحيطة بالمدن الكبرى، والنطاقات ذات الثقافة الريفية في المدن الصغيرة، مؤشر على أن وجدان شرائح واسعة من المجتمع أصبحت مشبعة بعنف تشكل الأغنية الشعبية أحد مصادره الرئيسية.

وفي كلمات أغنية أخرى حققت شهرة غير مسبوقة هي: «مفيش صاحب بيتصاحب» تفاجئك الكلمات بالتالي:

[blockquote]هنتعامل ويتعامل طلع سلاحك متكامل

هتعورني أعورك هنبوظلك منظرك[/blockquote]

هكذا.. فعل ورد فعل.. عنف وعنف مضاد.. وهو منطق غرائزي يحكم عالم الحيوان، ولا معنى أبدا لأن يحكم عالم الإنسان الذي منَّ عليه رب العزة بالحرية والقدرة على الاختيار.. ثمة بدائل كثيرة لرد الفعل، منها أن يختار صاحب الحق – إن شاء – أن يكون من «الكاظمين الغيظ» أو «العافين عن الناس» أو «المحسنين»، لكنه في الأغنية الشعبية لا خيار أمامه إلا أن يكون سفاحًا يصفق له المستمعون.

الثمرة مرة

الثمرة التي أثمرتها هذه البذرة تلخصها أغنية شعبية أخرى ذائعة الانتشار هي «عشنا وشفنا» لمحمود العمدة وأحمد السويسي، تقول كلماتها:

[blockquote]كلنا ماشيين ومعانا سلاح

منقولش خلاص منقولش سماح

شوف كام واحد راحوا ضحايا

شوف كام واحد بقا سفاح[/blockquote]

وبحسب الصحافية المصرية سارة مختار في قراءة لموضوعات هذه الأغاني، فإن: «5 موضوعات لا تخرج عنها الأغاني الشعبية في مصر.. أهمها «خيانة الصحاب»، وهي تعتبر أن النساء في نسبة كبيرة من هذه الأغاني «مستهدفات»، بنقد ساخر لتصرفاتهن يصف ملابسهن أو تصرفاتهن بشكل ناقد في أغلب الأوقات، وتحتل الخيانة الزوجية وجرائم الشرف مكانًا متقدمًا في قائمة القضايا التي تتكرر في هذه الموجة الكاسحة من الغناء الشعبي.

البطل المظلوم الظالم

البنية السردية الأكثر شيوعًا في هذا النوع من الغناء الشعبي «البطل النبيل المظلوم» (وهي ترجمة شعبوية لنظرية المؤامرة)، وهذا البطل الذي سرعان ما يتحول إلى «السفاح المحبوب». وقبل سنوات ثار نقاش مهم في مصر حول رواية «اللص والكلاب» للروائي المصري المعروف نجيب محفوظ التي تحولت لفيلم سينمائي. و«البنية الأخلاقية» لهذه الرواية أصبحت لاحقًا النموذج لعدد كبير من الأعمال الدرامية التي تحكي قصة «سفاح طيب»، رغم ما في الكلمتين من تناقض حاد.

فبطل الرواية كانت قضيته من الأهمية بحيث كانت نهايتها على يد الأمن مانشيت جريدة «الأهرام» المصرية، فأخذها نجيب محفوظ وأعاد بناءها ليحول بطلها «السفاح محمود سليمان» إلى ضحية لتضليل الصحافي الانتهازي «سعيد مهران». والمعنى الخطير الذي أصبح محفورًا بشكل عميق جدًا في وجدان شرائح واسعة من المصريين البسطاء: «إذا تعرضت للظلم فيجوز لك أن تفعل ما تشاء لتنتقم»، وهو معنى يجمع بين العبثية والدموية، وأصبح قابلاً – حتى اليوم – لأن يعاد إنتاجه في قابلية واسعة لاستعمال العنف دون قيد أخلاقي أو فقهي لنصرة أي قضية. وهو أمر يتعارض تعارضًا صريحًا، بل وقحًا، مع القاعدة الشرعية التي تجعل لـ«ولي الدم» (وهو هنا مثال لكل مظلوم) أن يقتص دون أن يتحول إلى ظالم، قال تعالى: «فلا يسرف في القتل». أما أبطال الكثير من الأغنيات الشعبية الآن فيحصلون على التعاطف بقدر ما يسرفون في العنف.. أي عنف.

وهنا يكون الشخص قاب قوسين أو أدنى من أن يحمل لقب: «الإرهابي».


اشترك في النقاش