• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari
عروض

تعاطي جاك دريدا مع الهجمات الإرهابية.. قراءة في كتاب: حدث 11 سبتمبر

جاك دريدا

جاك دريدا
جاك دريدا

جدة: يوسف الديني

عن دار توبقال نشرت الترجمة العربية الوحيدة لكتاب الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا Jacques Derrida (1930 – 2004) بعد عامين من وفاة المؤلف في عام 2004 بعنوان تساؤلي كما هو حال التداول الفلسفي للأشياء «ما الذي حدث في حدث 11 سبتمبر؟».

فكرة الكتاب قائمة على إدانة تحويل هذا الحدث الإرهابي الذي هز العالم إلى نقطة تاريخية فاصلة وتحول يتم التأريخ عبره، فهناك ما قبل وما بعد الحادي عشر من سبتمبر كما درجت كثير من الأقلام على هذا التمييز، محاولة دريدا تأتي في سياق تجاوز القراءات المنمطة والاستهلاكية كما هو الطرح الإعلامي، معتبرًا أن الحدث يتميز بميزة مهمة أساسية يتم إغفالها وهي «بداهة القطيعة والشك في المعنى» فالأهم من الحدث هو ما يقوله لنا الحدث وهو أمر يخص العلوم الاجتماعية أكثر من أي طرف آخر.
دريدا يؤكد بداية أن 11 سبتمبر حدث لا يمكن نسيانه أو محوه ببساطة من الأرشيف المشترك لتاريخ عالمي، لكن هذا الحدث بالتحديد فرض على العالم سطوته من بين كل الحوادث المشابهة له بسبب وسائل الإعلام التي بالغت في تعظيمه عبر آلية التكرار القهري في الحديث عنها، وتحويل هذا اليوم إلى يوم عظيم بمجرد ذكر رقم اليوم والشهر وبغض النظر عن أي شيء آخر عدا 11 سبتمبر.

بداية الحدث

هذا الانطباع بعظمة الحدث هو نتيجة هيمنة اللغة ووسائل الإعلام التي قامت بتضخيم صورته. وفرض الحدث سلطة الاسم والتسمية من خلال النفوذ الإعلامي الكبير للقنوات الأميركية، فالحدث بحسب دريدا يأخذ قيمته الحقيقة عبر ما يزلزله من علاقات تقليدية مرتبطة بالمعنى، بقدر ما تتغير العلاقات بين الذات ومعانيها، بين الإنسان وبقية الشبكات التي ارتبط بها وارتبطت به. فحين يكون الحدث زلزالاً على المستوى البصري، فإنه يحرّك المجتمعات ويؤثر فيها من خلال إلحاح الصورة الإعلامية، فالحدث له علاقتان إحداهما متصلة بالرؤية البصرية والأخرى بالرؤية الثقافية.
ومع بداية الحدث يمكن إدراك قيمته عبر زاوية النظر إليه، فعلى سبيل المثال يذكر دريدا ملاحظة تأملية مهمة في حديثه عن ردة فعل بلدان أخرى غير معنية بالخطاب الأميركي، مثل الصين التي أصرت في خطابها على أن تقلل من امتدادات هذا الحدث، فحصرته في زاوية الحدث المحلي الأميركي على خلفية العلاقات المتوترة بين القوتين العالميتين في ذلك الوقت، ثم غيرت بعد ذلك نظرتها عبر دخولها في التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب.

عملية أوكلاهوما

الحدث العظيم وفقًا لدريدا يجب أن يقدم اشتراطات مفاهيمية وانطباعية معينة، فعليه أن يكون طارئا ومباغتا إلى درجة أنه يؤدي إلى اهتزاز أفق المفهوم نفسه، ومن شأنه التشويش على جوهر التعرف على ذات الحدث باعتباره حدثا، ومن هنا يجب التمييز بين مسارين في الاشتباك بالحدث، فهناك مسار إنساني يتمثل في واجب التعاطف والألم على الضحايا تجاه تلك المجزرة المثيرة للحزن والنقمة ومن هنا يجب إدانتها دون شرط أو قيد، والمسار الآخر يكمن في الانطباع المسؤول تجاه الحدث الذي تشكل إعلاميا بصورة مغايرة عن الحدث ذاته، وهذا السياق الإعلامي للحدث قابل للتأويل والتفكيك، أي هذا التقييم الخاص للشروط، والذي يحاول أن يجعلنا نؤمن بأن هناك حدثا عظيما حصل ولا يكفي في تعظيمه هو تعظيم أبعاده المادية كحجم البرجين الشاهقين أو عدد الضحايا الذي لم يتم إحصاؤه بتلك الدقة في أحداث سابقة وأماكن مختلفة من العالم، بمعنى آخر أن الحدث تعرض لإعادة إنتاج آليات تاريخية وسياسية وإعلامية معقدة، وهنا يستعين بقراءة تشومسكي للحدث الذي يصفه حدث قدم ضحايا أكبر لاحقًا بفضل ما وصفه بإرهاب الدولة في تعليقه على ضحايا الضربات الأميركية لأفغانستان ثم العراق أو بحسب وصفه: «لم يعد يكفي قتل ما يناهز 4000 شخص من المدنيين في عدة لحظات باستعمال التكنولوجيا المتطورة لخلق حدث عظيم».

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

وبإزاء عدد الضحايا أو الخسائر المادية، فإن دريدا أيضًا يرفض وصف الحدث بالفرادة من زاوية أنه حدث لا متوقع أو مفاجئ لدرجة الاستحالة، وهناك مؤشرات كثيرة من وجهة نظره على إمكانية تعرض منشآت أميركية لهجمات إرهابية لا سيما بعد عملية أوكلاهوما، وتعرض البرجين لهجوم بالمفرقعات قبل عدة سنوات، فضلاً عن كثير من المصالح الأميركية بالخارج، هذا التوقع هو الذي يفسر التنديد بالفشل الذريع لجهازي المخابرات الأميركية CIA وFBI.
يجب التفكير في حدود ما سماه دريدا «زمنية الصدمة» وذلك للخروج بتصور واضح للأسباب التي أدت إلى ذلك الحدث، وبالتالي يمكن تخيل المخاطر الغامضة التي يحملها المستقبل تجاه الإرهاب والحرب عليه بما يفوق الحرب الباردة، ويدلل على ذلك بأعداد الجنود الأميركيين الذين قتلوا عقب أحداث 11 سبتمبر في المعارك التي خاضتها الولايات المتحدة على صدى حدث 11 سبتمبر في العراق وأفغانستان واليمن والتي راح فيها من الجنود أضعاف ضحايا 11 سبتمبر، إضافة إلى أن تلك الحروب لم تخل من أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، وبالتالي فإن الحرب على الإرهاب على طريقة القمع والانتقام الجمعي، وإن أظهرت نصرًا مؤقتًا تخفي تحت ردائها كثيرا من الأعراض المرضية التي تفشل كل السياسات العالمية في حلها أو إيجاد دواء حاسم لها.

حرب إلكترونية

يؤكد دريدا وهو يخوض في تحليل الحدث من زاويته الألسنية والفلسفية ليعرج على شعار «الحرب على الإرهاب»، معتبرًا إياه يتسم بغموض وألغاز شديدة، مستشهدًا بأحاديث الرئيس السابق ومهندس الحرب على الإرهاب جورج بوش الابن، ومعتبرًا أن كل تسجيلاته وتصريحاته حول الحرب على الإرهاب لا يمكن معها تحديد عدو واضح بسب التباس المفهوم وعدم تعريفه حتى الآن بشكل واضح ودقيق، فمفهوم الإرهاب وفقًا لدريدا يعاني من تشويش في الحقل الدلالي للكلمات والتعابير المستعملة وتعدد التأويلات والرؤى ما بين تبرير الإرهاب بأنه ردة فعل تجاه عنف الدول العظمى، وبين الأبرياء الذين يذهبون ضحايا الإرهاب والإرهاب المضاد له.
الكتاب يتخطى الحدث بالحديث عن تأثيراته المستقبلية وهنا يقدم الفيلسوف دريدا تنبؤات حول حروب العالم القادمة، فالإرهاب لن يقتصر على حرب الشوارع والطائرات أو الانتحاريين، بل سيتخذ أشكالاً أكثر حداثة كما هو الحال مع تطور العالم تقنيًا، ومن هنا يمكن القول إن حرب العالم القادمة هي حرب إلكترونية من خلال تعطيل الأنظمة التي يعتمد البشر عليها في تسيير حياتهم اليومية.
ولا ينسى الكاتب أن يعرج على التغييرات الكبيرة التي أثر عليها عولمة الحدث كحدث كوني على الحياة اليومية للأمريكان، حيث تغيرت مفاهيم متعددة على المستوى الداخلي للأفراد العاديين داخل أميركا وخارجها، وأكثر التغييرات طرأت على الجالية المسلمة في أميركا وأوروبا التي تحولت فجأة إلى أكبر اهتمامات المجتمعات الغربية بسبب تصاعد ممارسات الكراهية وأعمال العنف التي تصل أحيانا إلى درجة جرائم القتل، كما أن تغييرات كثيرة طرأت على العالم تحت مسمى الإجراءات والاحتياطيات الأمنية، وكيف أثر ذلك على الحريات الشخصية وسهل للانتهاكات المباشرة حتى في أعرق دول العالم ديمقراطية.
يتساءل الفيلسوف الفرنسي: هل من الضروري أن يكون الإرهاب هو إرهاب الموت فقط؟ وهل يعد ترك الآخر يموت، إرهابا، كما يحدث عندما نترك مئات الملايين من البشر يموت من الجوع والبرد والمرض؟
ويذهب في أسئلته النقدية إلى أبعد من ذلك باعتبار أن استراتيجية الإرهاب ليس قتل العالم البعيد الغربي بل وتقويض العالم الأكثر قربًا من خلال حرب داخلية أهلية وبطريقة لا تقل ضراوة عن الهجوم على العدو الرئيسي، ومن هنا من الخطأ الفصل بين العالمين والذي دفع بكثيرين إلى تعامل متحيز فيما يخص الإسلام أو ما يتعلق بالعالم الإسلامي باعتباره كينونة موحدة أو وحدة متناسقة وهو ليس كذلك، فالعالم الإسلامي من وجهة نظر دريدا ليس الآخر المطلق الذي لم يعد في وسع الغرب أن يفهمه، فهم تعلموا وتدربوا وتسلحوا على الطريقة الغربية وبأيدي الغرب الذي اخترع كلمة الإرهاب، ويجب رصد التمايزات والاختلافات داخل العالم الإسلامي نفسه، حيث تتنازعه الصراعات والتناقضات الجوهرية التي أدت إلى ذات التدمير الذاتي الذي حدث في الغرب.

Previous ArticleNext Article
يوسف الديني
يوسف عبدالله الديني - كاتب صحفي من السعودية يكتب حالياً في جريدة الشرق الأوسط درس مبكراً الإسلاميات ثم تخصص في العلوم السياسية يهتم بظاهرة الإسلام السياسي والحالة الدينية المعاصرة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.