• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

تكنولوجيا

التقدم التكنولوجي في إنتاج النفط يزيد من موثوقية قرار الاستثمار وتوقيته ..ويشكل ديناميكية الأسعار

مهندس تحليل المكونات الكيميائية لعينة من النفط الصخري في مختبر بالمركز الرئيسي العلمي والتقني بفرنسا لشركة توتال (غيتي)
مهندس تحليل المكونات الكيميائية لعينة من النفط الصخري في مختبر بالمركز الرئيسي العلمي والتقني بفرنسا لشركة توتال (غيتي)
مهندس تحليل المكونات الكيميائية لعينة من النفط الصخري في مختبر بالمركز الرئيسي العلمي والتقني بفرنسا لشركة توتال (غيتي)

جدة: نظمي الخميس

مع تسارع وتيرة الطلب العالمي على الطاقة، تتزايد أهمية التقدم التكنولوجي لتوفير الطاقة عند تكلفة اقتصادية وبموثوقية عالية. إن التقدم التكنولوجي لا يختص بمصدر واحد للطاقة وتغير التنافسية لكل مصدر طاقة من خلال تقليل تكلفة الإنتاج لكل وحدة حرارية، ومدى ملاءمته لأنماط الاستهلاك، من الأمور التي تطور خريطة الاستهلاك العالمي للطاقة بشكل دائم. وكذلك صناعة النفط والغاز معنية بمواصلة تبني التقدم التكنولوجي لمواجهة تحديات الجيولوجيا والزيادة المطردة للطلب العالمي على النفط.
يلعب التقدم التكنولوجي المتسارع أدوارا أساسية في استكشاف النفط وإنتاجه، فمثلا أدى التقدم التكنولوجي في السيسموجرافي الثلاثي والرباعي الأبعاد واستخدام الحسابيات فائقة القدرة لتحليل المعلومات إلى أن يكون قرار الاستكشاف أكثر دقة، وأكثر استهدافا للاحتياطيات ذات الإنتاج الأعلى، ويقلل حفر الآبار إلى أدنى معدل. ولأن التقدم التكنولوجي غير مرئي أو محسوس، ويتكون من مراحل صغيرة متراكمة، وقد يأتي من خارج صناعة النفط والغاز، فإن تحديد هذه الأدوار ليس أمرا سهلا.

هناك نمط يكاد يكون ملازما لصناعة النفط والغاز، وهو أن تبني معطيات التقدم التكنولوجيا وتطويرها في زيادة سعة الإنتاج يكون في الغالب أثناء نشوء المنحنى الصاعد لسعر النفط. إن هذا النمط أدى إلى عدم تلبية الطلب على النفط عندما يتكون منحنى تصاعديا للنمو للاقتصاديات المؤثرة، ووفرته عندما يبدأ نمو الاقتصاد في التباطؤ، وعادة ما يطلق المختصون على هذا النمط من الغير السعري «الدورة الاقتصادية لأسعار النفط». تعيد استخدام تكنولوجيات منصات الحفر والإنتاج البحرية والحفر الأفقي في بحر الشمال في الثمانينات من القرن الماضي، وتكنولوجيا التشقيق المكامن منخفضة النفاذية في الولايات المتحدة الأميركية أحد أبرز هذه الأمثلة. الهدف من هذا التقرير توضيح كيف يساهم التقدم التكنولوجي في إنتاج النفط في تشكيل الدورة الاقتصادية لأسعار النفط.
كيف يتفاعل كل من التقدم التكنولوجي في مجال إنتاج النفط مع ارتفاع أسعاره؟ .. تلعب تكنولوجيات إنتاج النفط المستحدثة دورا أساسيا في تأخير النضوب الاقتصادي، وفي رسم ديناميكية منحنى أسعار النفط العالمية على المستويين المتوسط والطويل. فهي تساهم في زيادة الإنتاج، وتقليل تكلفة الاستخراج؛ مما توفر الإمكانية لزيادة عامل كفاءة الإنتاجية في الحقول القائمة، وتتيح إمكانية استكشاف واستغلال مكامن جديدة ذات مواصفات جيولوجية، كانت عصية بالتكنولوجيات السابقة، وأيضا تساهم في تقليل مخاطر الاستثمار عن طريق توفير بيانات جيوفيزيائية تزيد من موثوقية قرار الاستثمار وتوقيته.

النفط مصدر ناضب

يقصد من مفهوم مصدر ناضب بأن وجوده غير متجدد وليس كالمياه الحلوة والمنتجات الزراعية المتجددة؛ فوجوده في الكرة الأرضية محدود. أيضا، ويمكن استخراج النفط في ظروف جيولوجية مختلفة وخصائص كيميائية وفيزيائية متمايزة تباعا. وقد أدى هذا التمايز في الظروف إلى تباين تكلفة الاستخراج في المكامن المختلفة، واختلاف عامل كفاءة الإنتاجية لكل مكمن. يلعب التقدم التكنولوجيا دورا جوهريا في تخفيض تكلفة الاستخراج وزيادة عامل كفاءة الإنتاجية بمرور الوقت. لهذا؛ نرى قوائم النفط القابل للاستخراج تتغير بين حين وآخر. لذلك؛ يستخدم المختصون مفهوم «النضوب الاقتصادي» للدلالة على إمكانية استخراج المصدر الناضب «إجمالا» عند توفر مصدر بديل بتكلفة تنافسية.
يتبنى المنظرون للمصادر النابضة مفهوما أكثر تفصيلا من مفهوم «النضوب الاقتصادي» هو «منحنى توافر المعروض من النفط». فهذا يحدد مدى الجدوى الاقتصادية لاستخراج مئات الملايين من براميل النفط لمجموعة من المكامن ذات خصائص مشتركة بالتكنولوجيا المتوفرة آنيا. بطبيعة الحال، يتم تحديث منحنى توافر المعروض بناءً على مدى قدرة التقدم التكنولوجي على التغلب على الصعوبات الجيولوجية المتعاظمة مع تراكم الإنتاج في المجموعات المختلفة، أو التي لم يستخرج منها بكميات تجارية من قبل.

أسعار النفط على المستويات المختلفة

عند الحديث عن مدى تأثير التكنولوجيا في أسعار النفط، لا بد من توضيح كيف يحدد سعر النفط، وكذلك المؤثرات الأخرى على المستويات المختلفة لكي نفرق بين السعر الآني ومعرفة كيف يتشكل التأثير المتبادل بين سعر النفط وجملة المؤثرات. يحدد السعر الآني للنفط على أساس تداول الخامات القياسية في الأسواق العالمية: وهي الخامات التي يتم تحديد أسعار الخامات الأخرى المشتركة في رقعة جغرافية معينة على أساس كثافتها، ونسبة احتوائها على غاز الكبريت كخام برنت في سوق لندن، وخام غرب تكساس المتوسط في سوق نيويورك. تحاول هذه الأسواق عن طريق حضور فئتين متميزتين من المستثمرين، هما المضاربون والمتحوطون لتحديد سعر الخام القياسي بتوريقه كما في أسواق الأسهم. وهنا نذكر أن السعر الآني، الذي يتم بيع معظم النفط المستخرج على أساسه، يحدد على أساس السعر المستقبلي للخام تسليم شهر من لحظة تحديده، علما بأن الصفقات المستقبلية لا يتم تسليم إلا أقل من 5 في المائة منها فقط.

لكي يستطيع المستثمرون تحديد هذا السعر،- وهو على مستويات مختلفة – لا بد من توافر حزمة كبيرة جدا من المعلومات عن العرض والطلب وما يؤثر فيهما، والقدرة على تحليلها والخروج بمحددات على المستويات المختلفة. بسبب أن المعلومات والمعطيات الأساسية لتحديد سعر النفط، كالاقتصاد الكلي والتكنولوجيا، لا تتوفر بشكل يومي، وكذلك يصعب التنبؤ بها، ونتيجة لذلك؛ يزداد التنبؤ بسعر الخام صعوبة كلما زادت الفترة الزمنية. فعلى المدى القريب جدا، أي من يوم لآخر ومن أسبوع لآخر، يبرز تأثير الأحداث السياسية وظروف الطقس الشديدة، وتغير صرف الدولار مع العملات الرئيسية، وتغير السياسات النقدية كمعدل سعر الفائدة، والتأثير المتبادل بين المضاربات في الأسواق المالية وأسواق المواد الخام، والمعلومات الجديدة في تذبذب أسعار الخام ويتم تقليل التذبذب، عادة، عن طريق التحكم في بيع وشراء كميات محدودة من المخزون الاستراتيجي للدول المستهلكة أو باستغلال السعة الاحتياطية للدول المنتجة.

أما على المدى القريب، أي من سنة لأخرى، فإن العلاقة المتبادلة بين الطلب على النفط والاقتصاد الكلي، التي تحدد عبر القدرة لزيادة العرض على زيادة الاستثمار في السعة الإنتاجية بالتكنولوجيا المستخدمة، تؤثر في مدى ثبات سعر النفط. على المدى البعيد، يبرز تأثير متغيرات: كالتحول البنيوي للاقتصاديات الرائدة والمؤثرة، ومعدل الزيادة السكانية العالمية وتوزيع دخول الأفراد الحقيقية على مستوى العالم، وزيادة على السعة الإنتاجية للنفط عن طريق التقدم التكنولوجي، ومدى نضوب المكامن الكبيرة والكبيرة جدا، كلها أمور قادرة على تشكيل ما يسمى بـ«الدورة الاقتصادية للنفط»، وهو محور هذه المقالة. وأخيرا، ويبرز على المدى البعيد جدا تأثير ندرة النفط كونه مصدرا ناضبا وإيجاد البديل الاقتصادي من جهة، ومدى تفاعل الاقتصاد العالمي مع هذه العلاقة، من جهة أخرى.

ديناميكية الطلب العالمي

كيف يتفاعل الطلب مع المنحنى الصاعد لسعر النفط؟.. لكي نفهم التفاعل بين سعر النفط والتقدم التكنولوجي لا بد أولا من توضيح ديناميكية الطلب العالمي على النفط، فسعر النفط ظاهرة «طلبية»، أي أنها تتفاعل مع معدل نمو الاقتصاد العالمي بشكل جوهري، فعلى النقيض، تعتبر المنتجات الزراعية، مثلا، ظاهرة «عرضية» حيث تتأثر بمستوى العرض أكثر من مستوى الطلب. وتعتبر مرونة الطلب على النفط لسعره منخفضة جدا على المدى القريب، مقارنة مع بعض المواد الخام كالنحاس، وتصبح أكثر مرونة على المدى البعيد، وينطبق ذلك، أيضا، على مرونة الطلب على النفط لمستوى الدخل. لذلك؛ فإن لارتفاع سعر النفط آثار تظخمية على المدى القريب، وبالتالي يوفر انخفاض سعر النفط للمستهلك العالمي مصدرا للدخل للإنفاق على مناح أخرى في الاقتصاد.
إن سرعة ارتفاع سعر بيع النفط وسرعة انخفاضه غير متناظرتين؛ فزيادة معدل نمو الاقتصاد العالمي تؤدي، بلا شك، إلى ارتفاع سعر النفط، وهي تعتمد، بشكل أساسي، على مرونة العرض على النفط لسعره، بينما يكون الانخفاض بمعدل أسرع إذا ما تباطأ النمو نتيجة لوفرة المعروض. أما التغيرات البنيوية في الاقتصاد، فإن دراسة تأثيرها في سعر النفط تعتمد على كثافة استهلاك النفط للفرد في الاقتصاد. فعندما ينتقل الاقتصاد من الزراعة إلى الصناعة، كما يحدث حاليا في الصين والهند، تزيد كثافة استهلاك النفط للفرد، وتتناقص كثافة استهلاك إذا ما انتقل الاقتصاد من الصناعة إلى الخدمات، كما يحدث حاليا في كثير من الاقتصاديات المتقدمة. وقد يكون التغير عن طريق تشريعات مباشرة على استهلاك الوقود الأحفوري كتشريعات التغير المناخي، أو باختراع بديل اقتصادي للنفط، ككهربة قطاع النقل.

الاستثمار في قطاع الإنتاج النفطي

أصبح الاستثمار في إنشاء وزيادة السعة في قطاع إنتاج النفط أكثر كثافة في رأس المال، وهندسيا أكثر تعقيدا، وأصبحت الموازنة بين القيمة الاقتصادية والمخاطرة أكثر تحديا؛ وذلك لأن استخرج الخام أصبح من مكامن ذات ظروف أكثر تحديا من الناحية الجيولوجية، وتحت ظروف طبيعية أكثر قسوة. وغدا رأس المال في الشركات المشغلة الكبرى أقل نزعة للاستثمار في المشروعات عالية المخاطرة. ولأن الأبحاث والتطوير في الإنتاج المعزز والمكامن غير التقليدية يتطلب سنوات كثيرة، نزعت الشركات الكبيرة على الاستثمار في المشروعات الكبيرة ذات المردود الثابت والمضمون. ولاستغلال الفرص الاستثمارية في المشروعات ذات الخطورة العالية، نشأ إثر ذلك مجموعة كبيرة من المنتجين المستقلين في الولايات المتحدة وكندا أكثر تقبلا لمستوى الخطورة المرتفع، استطاعوا تطوير مكامن الغاز الصخري ومكامن النفط ذات النفاذية المتدنية جدا. ساعد على ذلك تحول شركات خدمات النفط إلى مستثمرين في مجال الأبحاث والتطوير لقطاع إنتاج النفط بشكل أكبر من الشركات الكبيرة منذ بداية التسعينات من القرن الماضي. إن الاستثمار في التكنولوجيا وشراء الشركات الصغيرة الرائدة في التكنولوجيا ساهم في نمو شركات خدمات النفط وحوّلها إلى شركات ذات مردود اقتصادي عال جدا، وجعل استغلال التكنولوجيا المطورة لديها، التي لم تصبح حكرا على الشركات المشغلة الكبيرة، من قبل الشركات المستقلة والصغيرة أكثر إمكانية.
من طرف آخر، لا يتسنى لشركات النفط المستثمرة في قطاع الإنتاج الاستعداد لنمو الطلب على النفط في المستقبل لصعوبة التنبؤ بسعر النفط كما أشير سابقا، ففي الغالب يكون الاستثمار متأخرا مما يكوّن فجوة بين العرض والطلب كما حدث في بداية هذا القرن.

الدورة الاقتصادية لسعر النفط

يمكن إجمال ما سبق بأنه عندما تنشأ دورة اقتصادية في اقتصاد رائد ومؤثر، مثلا، يسوق معه مجموع الأسواق العالمية، المترابطة فيما بينها، إلى دورات اقتصادية جزئية خاصة بكل سوق على حدة. تنشأ الدورة الاقتصادية للنفط نتيجة تكوّن طلب أكبر من المتوقع، ولا يمكن تلبيته على المدى القريب؛ مما يؤدي إلى ضغوط على سعر النفط ليرتفع ويكون منحنى صاعدا. لاستغلال الفرص الاستثمارية في قطاع إنتاج النفط الناتجة من ارتفاع سعر النفط، تزيد الاستثمارات في قطاع الإنتاج لاستغلال القيمة الاقتصادية المستجدة للنفط، ويتم ذلك عن طريق البحث عن مكامن ذات جيولوجيات يمكن استخراج النفط منها بتبني تكنولوجيات جديدة وتطويرها. غالبا ما تكون هذه التكنولوجيات اقتصادية عند سعر مرتفع نسبيا للنفط، ويتم تطويرها أثناء المنحنى الصاعد وتصبح اقتصادية عند سعر أقل، في وقت لاحق. حتى تتحول الاستثمارات الجديدة إلى إنتاج، تلعب احتياطيات الإنتاج في الدول المنتجة دورا جوهريا في الحفاظ على توازن سوق النفط وسد الفجوة بين العرض والطلب. وتكتمل الدورة الاقتصادية لسعر النفط عندما يتباطأ ذلك الاقتصاد المؤثر ليكمل دورته الاقتصادية، يبدأ منحنى الأسعار في الهبوط نتيجة انخفاض الطلب، ونتيجة كذلك لوفرة المعروض من النفط، الناتج من زيادة الاستثمارات وانخفاض تكلفة إنتاج النفوط الحديثة الإنتاج، يكون الانخفاض سريعا.
وساهم المنحنى الصاعد لأسعار النفط في السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي في الاستغلال الاقتصادي لمكامن بحر الشمال عن طريق زيادة الاستثمارات وتبني التقدم، في حينه، في تقنيات الحفر الأفقي، وساهم، كذلك مع عوامل أخرى، في تشكيل حدة المنحنى السعري النازل في الدورة الاقتصادية للسعر النفط. في الوقت الحاضر، تساهم تقنيات حديثة كتشقيق المكامن ذات النفاذية المتدنية في الولايات المتحدة الأميركية والحفر العميق للآبار البحرية في تكرار السيناريو المتداول.

تكنولوجيا منصات الحفر البحرية والحفر الأفقي

يمكن إرجاع القدرة على استغلال نفط بحر الشمال إلى التقدم التكنولوجي في كل من منصات الحفر والإنتاج البحرية الملائمة للظروف المناخية الصعبة، والحفر الأفقي. في سنة 1964، ولتخفيض الاعتماد على الفحم الحجري في بريطانيا، بدأ التفكير جديا في استغلال نفط مكامن بحر الشمال من الجانب البريطاني عبر قانون يتيح الحفر فيها، وذلك بعد الكشف عن نتائج سيسمولوجية تشير إلى وجود آثار هيدروكربونية في الصخور الرملية. على الفور، بدأ الحفر الاستكشافي، ولم تكن، حينها، النتائج مشجعة إلا في عام 1969 حين اكتشفت شركة فيلبس النفط في حقل إيكفيست بكميات تجارية، وذلك من الجانب النرويجي من بحر الشمال. توالت بعدها الاكتشافات المهمة والمؤثرة لمكامن النفط والغاز في بحر الشمال، وساعد عن ذلك تبادل الخبرات بين الشركات المشغلة وتراكمها عن طريق تكوين تحالفات استراتيجية مشتركة في مجال بناء منصات الحفر والإنتاج البحرية، وتحليل المعلومات السيسمغرافية والجيوفيزيائية المتجاورة، وطرق الحفر والإنتاج. ولكن لم تكن الطريق سهلة، فقد عرفت بداية تطوير نفط الشمال بكثرة الإصابات الناتجة من عدم ملاءمة تكنولوجيا منصات الحفر ومنصات الإنتاج القائمة لطبيعة الطقس والمناخ الصعبة في بحر الشمال، وأيضا، لم تكن أسعار النفط مشجعة للاستثمار في تطوير وإنتاج منصات حفر ومنصات إنتاج بحرية قادرة على تحمل بيئة التشغيل الصعبة لبحر الشمال، ولكن مع ارتفاع أسعار النفط الكبير بداية من منتصف السبعينات، بدأ تزايد الإنفاق على التطوير الهندسي لمنصات الحفر والإنتاج لتصبح أكثر ملاءمة لظروف المناخ.

في 1982 تم الانتهاء من حفر أول بئر أفقي في بحر الشمال، وكان إنتاج منصة الإنتاج مشجعا جدا. بشكل عام، الآبار الأفقية تحفر لزيادة الإنتاج الآني والمتراكم؛ مما يزيد القيمة الاستثمارية لبئر الإنتاج. وأيضا، هنالك ظروف تتعلق بجيولوجيا المكمن تؤدي إلى جدوى الحفر الأفقي، كأن يكون المكمن ضعيف السمك، أو متشققا طبيعيا، أو لتجنب الارتفاع السريع لمستوى الماء أو نزول مستوى الغاز في البئر، أو لزيادة كفاءة حقن المكمن بالماء أو الغاز. ساعد على انتشار الحفر الأفقي في الثمانينات ابتكار وتطوير تكنولوجيا «Top Drive» التي تساعد على تسيير الحفر من حيث الاتجاه والقوة من منصة الحفر، وأيضا تكنولوجيا «القياس أثناء الحفر» التي يتم عن طريقها معرفة مكان الحفر بدقة عالية متناهية، وكذلك درجة الحرارة أثناء الحفر، والضغط الساكن المتحكم فيه عن طريق الطفلة. ساهم هذا التقدم التكنولوجي، حينها، في جعل الحفر أسرع وأكثر أمانا وموثوقية.

إنتاج بحر الشمال من النفط

بدأ إنتاج النفط من بحر الشمال بكميات تجارية بداية من عام 1975 والنمو المطرد في الإنتاج حتى أصبحت نسبة إنتاج النفط أكثر من 8 في المائة من الإنتاج العالمي في سنة 1986. بينما تأثر تكنولوجيا الحفر الأفقي بداية من عام 1987.
ويشترك كل من الغاز الصخري والنفط الموجود في المكامن ذات النفاذية المتدنية في تقنية استخراجهما. فكلاهما يحتاج إلى حفر أفقي وتشقيق متعدد المراحل لاستخراجهما بجدوى اقتصادية. وهنا لا بد من التذكير بأنه يصاحب الغاز الصخري مكثفات بترولية ذات قيمة اقتصادية كبيرة تساهم في زيادة إنتاج النفط. وجدير ذكره، فإنه لأكثر من 50 عاما كانت تكنولوجيا «التشقيق بالماء المخفض الكمية والعالي اللزوجة» معروفة، ولكنها كانت ذات تكلفة مرتفعة جدا. في منتصف التسعينات من القرن الماضي، تم في حوض برنيت في دالس في ولاية تكساس في الولايات المتحدة تجريب «التشقيق بالماء العالي الكمية والمنخفض اللزوجة على مراحل» ببئر أفقي، وكانت النتيجة مبهرة بإنتاج كميات كبيرة واقتصادية من الغاز الصخري.

إنتاج النفط من تشقيق المكامن ذات النفاذية المتدنية

تبني هذه التكنولوجيا أدى إلى زيادة إنتاج الولايات المتحدة من النفط إلى أكثر من 5 ملايين برميل يوميا أو أكثر من 5 في المائة من الإنتاج العالمي، كما تبين الصورة رقم 6. تتميز الآبار التي يتم تشقيق المكامن ذات النفاذية المتدنية فيها «بالمنحنى النزولي السنوي» المرتفع لهذه الآبار، أي أن عمر الإنتاج من البئر صغير نسبيا، فإن وتيرة حفر الآبار المرتفعة هو ما يحافظ على معدل الإنتاج عند مستوى متنامٍ أو ثابت.
على مدى عمر إنتاج النفط، ساهم التقدم التكنولوجي في إنتاج النفط في تشكيل «دورات الاقتصادية لأسعار النفط». يرجع ذلك إلى سلوك منتجي النفط الحذر، فعند تكون المنحنى الصاعد لسعر النفط يسارع المنتجون إلى تبني تكنولوجيات حديثة، ذات جدوى اقتصادية عند مستوى عال نسبيا من سعر النفط، لإنتاج النفط لزيادة الإنتاج. يساعد ارتفاع النفط في تطوير هذه التقنيات وتقليل تكلفة تبنيه في استخراج النفط، وعند هبوط سعر النفط تكون تكلفتها أكثر تنافسية. يمكن الملاحظة، أيضا، بأن التقدم التكنولوجي في مجال إنتاج النفط ساهم على النفط بصفته مصدرا موثوقا للطاقة بالتغلب على صعوبات الجيولوجيا وظروف الحفر الإنتاج. وأن المحافظة على الموثوقية في الإنتاج تتطلب مواصلة البحث والتطوير في هذا المجال.

ساهم وما زال إيمان المطورين بصناعة النفط بأهميته في المحافظة على هذه الموثوقية؛ لذلك لا يزال النفط يمثل عنصرا مهما في الاقتصاد. وهنا جانب من صناعة النفط لا بد من الإشارة إليه، فإنه عندما كانت صناعة النفط والغاز تركز على زيادة الإنتاجية، كان هناك جانب إيجابي للتقدم التكنولوجي يتعلق بالبيئة، وذلك بتقليل البصمة البيئية، والعمل بأمان أكثر في البيئات الحساسة، وزيادة الأمان في عمليات الحفر والإنتاج. من التحديات التي تواجه صناعة النفط والغاز هو كبح انبعاثات الغازات الدفيئة الناتجة من استخدام الوقود الأحفوري. والسؤال الملح هنا، كيف يمكن أن يساعد التقدم التكنولوجي في المحافظة على أهمية النفط بصفته مصدرا أساسيا للطاقة في القرن الواحد والعشرين، وفي خفض انبعاثات الغازات الدفيئة؟ للإجابة عن هذا السؤال لا بد لصناعة النفط الدخول في طور جديد يعنى بالبحث والتطوير في تكنولوجيات تساهم في امتصاص انبعاثات الغازات الدفيئة، والحفاظ على القيمة الاقتصادية للنفط.

Previous ArticleNext Article
المحرّر الاقتصادي
يتابع الشأن الاقتصادي ويرصد عالم المال والأعمال في الوطن العربي والعالم. الاقتصاد عند المحرّر الاقتصادي ليس أرقاما وبيانات واحصاءات فقط بل يتعداها الى ما راء تلك الأرقام وتبعاتها على الشعوب والدول.. وكل رقم يؤثر في حياة انسان يصلح أن يكون مادة جديرة بالتحليل أو المتابعة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.