• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari
تكنولوجيا

كيف يمكن توقع الأمراض التي يمكن أن يصاب بها الإنسان في المستقبل من الخريطة الجينية؟

باحثة ألمانية تجفف عينات من أدمغة فئران للبحوث العصبية بوسط لندن. (غيتي)
باحثة ألمانية تجفف عينات من أدمغة فئران للبحوث العصبية بوسط لندن. (غيتي)
باحثة ألمانية تجفف عينات من أدمغة فئران للبحوث العصبية بوسط لندن. (غيتي)

شركات لرصد سلاسل الجين البشري بتكلفة أقل من ألفي دولار للجين الواحد
في تطور جديد.. الحامض النووي يكشف عن لقاحات واعدة للأمراض الخطيرة

كاليفورنيا: أرلين ونتروب

في شركة «هيومان لونجيفتي» (إتش إل آي) في لا جولا بكاليفورنيا، تعمل أكثر من عشر ماكينات على مدار الساعة لرصد واحدة من سلاسل الجين البشري كل 15 دقيقة بتكلفة تقل عن ألفي دولار للجين.. وتتم العملية بمجملها في ثلاث غرف.

وبالعودة إلى عام 2000، عندما استطاع مؤسس الشركة، كريج فنتر، تحديد تسلسل الجين البشري (لنفسه)، فإنه تكلف نحو مائة مليون دولار، واحتاج إلى مبنى كامل وكومبيوتر بتكلفة خمسين مليون دولار وتسعة أشهر للانتهاء من العمل. ويسعى فنتر لوضع تسلسل لنحو مليون جينوم على الأقل، وهو الأمر الذي من المرجح أن يستغرق أكثر من نصف العقد، واستخدام البيانات الناجمة عنها، بالإضافة إلى المعلومات حول التاريخ الصحي لبعض المتبرعين بالحامض النووي ونتائج الاختبارات الطبية الأخرى، لكي يجد سبلا أفضل لمعالجة ومنع كثير من الاضطرابات الشائعة بين المسنين بداية من السرطان وصولا إلى أمراض القلب.
وقد تمكن فنتر، 69 عاما، من جمع 300 مليون دولار من مستثمرين، بما في ذلك شركة «جنرال إلكتريك»، وشركة التكنولوجيا الحيوية «سيلجين»، وشركة «إلومينا» التي توفر ماكينات عمل السلاسل. بالإضافة إلى شركة «إتش إل آي» التي لديها شراكة مع شركة الأدوية البريطانية العملاقة «أسترازينيكا» وشركة «جينتيك» التي يقع مقرها بسان فرنسيسكو والتي تساهم كلتاهما بتقديم عينات من المرضى للحصول على السلاسل الجينية.

البيانات الجينية

يجلس فنتر خلف مكتبه الذي يقع فوق معمل السلاسل الجينية بدورين، فيما يقبع كلبه الأحمر الذي يدعى «داروين» عند قدميه، ليتابع صورا على جهاز الكومبيوتر، توضح كيف تمكن العلماء بشركته في تجارب سابقة من وضع سلاسل لجينوم ألف شخص، ثم إعادة بناء وجوههم بناء على البيانات الجينية فقط. فيقول: «يمكننا أن نتوقع وجهك، وطولك، وكتلة جسمك، ولون عينيك، ولون شعرك، وخامته». وأشار إلى كيف كان أحد الوجوه التي تم تصميمها يشبه إلى حد كبير المشارك الفعلي في الدراسة.
ولكن فنتر يقول إن القدرة على صنع وجوه من الجينوم ليست سوى إشارات على القوة الكاملة للجينات. فيقول: «سواء كان شكل وجهك أو شريان الأورطي المعتل، أو ضيق الحبل الشوكي، فإننا نريد قياسه، حتى يمكننا أن نتوقع تلك الأمراض التي يمكن أن تصاب بها في المستقبل من الخريطة الجينية».
إن فهم علم الجينوم ما زال في مهده، مما يحد من القدرة على عقد صلات قوية بين الجينات والأمراض. فحتى الجينات التي تم تحديد خصائصها بوضوح لم تساعد الباحثين دائما على التوصل إلى تطورات طبية. فعلى سبيل المثال، اكتشف فنتر أن لديه اختلاف محمود بأحد الجينات يطلق عليه «البروتين الناقل لإستر الكوليسترول» (CETP) الذي كان يتم ربطه سابقا بالمستويات الطبيعية الصحية للكوليسترول، ومن ثم يقلل مخاطر الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية. في بداية الألفينات، حاولت بعض شركات الأدوية تطوير أدوية لتقليل مستويات الكوليسترول السيئ من خلال استهداف التغير المؤذي في الجين الذي يؤدي إلى مستويات مرتفعة من الكوليسترول غير الصحي. لكنها أخفقت جميعا.
فيقول: «وما يثبته ذلك هو أن هذه العلاقات البسيطة ليست دائما صحيحة. ومن ثم أدرك كل من يعمل بالمجال أنه يتضمن قدرا من التعقيد». ويحتفي فنتر بالتعقيد قائلا إن جمع المعلومات حول الجينوم بالتزامن مع البيانات الصحية الأخرى سوف يكشف عن تلك الصلات. ووفقا للاتفاق مع «أسترا زينيكا»، سوف تقدم شركة الأدوية نحو 500 ألف عينة مجهولة من الأحماض النووية من مرضى خاضعين لتجاربها العيادية مع «إتش إل آي» التي سوف تعمل على رصد السلاسل الجينية للأحماض النووية للمرضى وتحليلها. فيقول روث مارش، الذي يترأس مبادرة شركة الأدوية بشأن الطب الشخصي والمؤشرات الحيوية: «تسمح لنا التكنولوجيا بقراءة كل حرف من الجينوم، ولكن القدرة على رصد اختلافات التسلسل الجيني بين مئات الآلاف من المرضى ستساعد بشكل هائل في فهم كل من المرض والاستجابة للدواء». وأضاف أن «شركة (إتش إل آي) لديها التكنولوجيا اللازمة لرصد أنماط البيانات وتحليلها بدلا من النظر لجينات عشوائية».

  باحث يدرس صور الحمض النووي  المعدل وغير المعدل لعين الذبابة بوسط لندن. (غيتي)
باحث يدرس صور الحمض النووي المعدل وغير المعدل لعين الذبابة بوسط لندن. (غيتي)

غوغل ترانسليت

ولكي يفهموا الأهمية الصحية لكل من العشرين ألف جين في الجينوم البشري، يحتاج العلماء إلى مقارنة البيانات الجينية مع المعلومات الأخرى حول الأشخاص نفسها؛ البيانات التي تكشف كيف تأثرت جيناتهم بالعوامل البيئية والسلوكيات، والسجلات التي تكشف كيف تعاملوا مع الأدوية وصور الرنين المغناطيسي وغيرها من نتائج الفحوصات الطبية. ويعتقد فنتر أنه من خلال اكتشاف الأنماط عبر تلك البيانات، سوف تحصل «إتش إل آي» على رؤية جديدة يمكن أن يستعين بها الأطباء لممارسة الطب الشخصي، ومن ثم وضع خيارات علاجية محددة بناء على التركيب الجيني لكل مريض.
ومن جهة أخرى، فإن جمع البيتابايت للبيانات الجينية المتعلقة بحالات صحية محددة، ثم رصد الأنماط المتكررة من بين المليون شخص الذين تجمع الشركة حامضهم النووي يعد تحديا كبيرا بالنسبة لمجال الكومبيوتر. ومن ثم عين فنتر، فرنز أوك، الرئيس السابق لوحدة الترجمة الآلية بشركة «غوغل»، والمعروف بريادته لعملية تطوير «غوغل ترانسليت»، وهو البرنامج الذي يمكنه ترجمة أي موقع إلكتروني في العالم إلى اللغة الإنجليزية على الفور.
يقول أوك إن التحدي يتعلق بجمع الحالات الصحية لـ6.4 مليار حرف التي تشكل الشفرة الجينية. فيمكن أن نفكر في الشفرة كإحدى اللغات، فيما ننظر إلى صور الرنين المغناطيسي باعتبارها لغة أخرى، وننطلق من تلك النقطة.
وتمكن الاستعانة بهذه التكنولوجيا، خصوصا مع الأشخاص المصابين بالزهايمر، الذين يبدأ «الحصين» لديهم في التقلص قبل سنوات طويلة من ظهور الأعراض. فربما يستطيع استخدام «التعلم الآلي» مقارنة الجينوم بصور المخ، وهو ما يمكن أن يكشف عن الاختلافات الجينية المتعلقة بخطر التعرض للزهايمر، ويساهم في التوصل إلى عقاقير جديدة أو أجهزة للاكتشاف المبكر. وأضاف أوك، أنه يمكنه أن يكشف لنا أيضا عن السبب في عدم إصابة بعض الأشخاص الذي لديهم عوامل خطر جيني معروفة بالمرض، مضيفا: «ربما تكون هناك تغيرات جينية أخرى تعمل على حمايتهم».
وتستهدف شركة «إتش إل آي» أيضا أن تتوصل إلى لقاحات مضادة للسرطان يتم تفصيلها خصيصا بناء على التركيب الجيني للمريض ونوع السرطان المصاب به. ووفقا لكين بلوم، رئيس «إتش إل آي» ورئيس مبادرة الأورام بالشركة، تعتمد الفكرة على علاج المريض أولا، ورصد سلاسل الأورام وسلاسلهم الجينية بصفة عامة، ثم منحهم لقاحا يمكنه أن يحميهم من الإصابة بالمرض مرة أخرى. وأضاف بلوم: «سوف يحفز الجهاز المناعي، ويعده لمواجهة أي هجوم سرطاني آخر، ومن ثم لا يصاب المريض به مرة أخرى».

النواة الصحية

ويتخيل فنتر اليوم الذي نتمكن فيه جميعا من رصد سلاسل جيناتنا واستخدام تلك السلاسل في الرعاية الصحية. وكان فنتر قد أصدر نموذجا أوليا في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي يطلق عليه «النواة الصحية»، يقضي عبره المرضى يوما كاملا بمقر الشركة في لا جولا، ويتم رصد سلاسلهم الجينية وإجراء بعض الفحوصات الطبية لهم. ويبدأ عملاء «النواة الصحية» الذي يدفعون 25 ألف دولار مقابل الخدمة، يومهم في جناح خاص مزود بمقاعد جلدية، حيث يناقشون تاريخ أسرهم مع الطاقم الطبي لمدة تسعين دقيقة، ثم يتم سحب عينات دم منهم، وإجراء بعض أنواع الأشعة المتقدمة التي عادة لا يتم إجراؤها للأشخاص الأصحاء مثل إجراء فحوصات الرنين المغناطيسي على الجسم كله، وتخطيط صدى القلب رباعي الأبعاد الذي يلتقط صورا زمنية تعكس الشكل الكامل للقلب مع الوقت، ثم يعودون إلى منازلهم وهم يرتدون جهازا مثبتا حول الصدر يعمل على قياس ضربات القلب على مدار أسبوعين. ويتم إدخال جميع العملاء على تطبيق على الهاتف الذكي يستطيعون عبره أن يلتقطوا صورا ثلاثية الأبعاد لأنفسهم لكي يعلموا أيا من الجينات لديهم مسؤولا عن الحالات الصحية التي يمكن أن يصابوا بها والتي ربما تؤثر على القلب، والمخ، أو غيرها من الأعضاء. وقد شارك في هذه التجربة 220 مريضا حتى الآن.
ووفقا لآرثر كابلان، أستاذ أخلاقيات علم الأحياء بمركز لانجون الطبي بجامعة نيويورك، الذي كان على صلة بفنتر لكثير من السنوات، حيث كان يعمل من قبل مستشارا لإحدى شركاته، فإن تلك المقاربة تثير كثيرا من الإشكالات الأخلاقية والمجتمعية. فمن الذي سيدفع تكلفة كل تلك التحاليل والطب الخاص؟ هل هو يستحق كل تلك التكلفة؟ وأشار كابلان إلى أن أي أحد يرغب في أن يتم رصد سلاسله الجينية يجب أن يدفع من ماله الخاص، نظرا لأن شركات التأمين لن تدفع للمرضى مقابل إجراء فحوصات أو استشارات جينية. إذن، وحتى الآن، على الأقل، هناك فجوة اقتصادية في الوصول إلى تلك العلاجات الصحية المخصصة لكل مريض. وأضاف كابلان: «حاليا، لا يستطيع أحد بخلاف الأغنياء أن يدفع تكلفة رصد السلاسل الجينية».
ربما يكون ذلك صحيحا حتى الآن، ولكن فنتر استعان بخبراء تأمين للمساعدة على حل المشكلات الاقتصادية المتعلقة بمقاربة شركة «إتش إل آي» للطب الخاص، على أمل أن يحصل على مشاركة شركات التأمين، حيث يقول إنه رغم أن تكلفة 25 ألف دولار للمريض تبدو مرتفعة فإنها أقل من مئات الآلاف من الجنيهات التي يتم إنفاقها على العلاج الكيماوي وغيره من العلاجات التي لا تستطيع إنقاذ حياة المرضى في النهاية. وأضاف: «إذن 25 ألف دولار مقابل مئات الآلاف من الدولارات، و40 عاما تحياها مقابل عامين فقط متبقيين». «في أي عدد من بين تلك الحالات تستطيع أن تقول إنه أكثر توفيرا أن تمنع المرض من أن تعالجه؟».

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.