• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari
قضايا

«حزب الله» سجين ثوريته.. وفكر الميليشيات يحاول فك الاشتباك بينهما.. فهل ينجح؟

ملصق لنصر الله وخامنئي بالضاحية الجنوبية - لبنان (غيتي)
ملصق لنصر الله وخامنئي بالضاحية الجنوبية - لبنان (غيتي)
ملصق لنصر الله وخامنئي بالضاحية الجنوبية – لبنان (غيتي)

جدة: يوسف الديني

* الخاسر الأكبر من رهانات «الربيع العربي» كان الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي

أثبتت الأيام التعقيد الكبير لواقعنا السياسي كلما ابتعدنا عن صخب الربيع العربي إلى واقعية حجم الدمار الذي خلفه في البلدان العربية التي استهدفها، والتي انتقلت في معظمها من حالة «الدولة» إلى أحد مخلفات غياب الدولة وتهشمها: الفوضى، والميليشيات، والإرهاب، والفراغ السياسي الكبير، وترهل الأحزاب السياسية وتراجع اقتصادات النماء إلى حالة تقشف عامة، مع بقاء الملفات العالقة، وأهمها الأزمة السورية التي تحولت إلى نقطة استقطاب للصراع العالمي على المنطقة.
التباس مفهوم السياسي والديني
الخاسر الأكبر من رهانات الربيع العربي، كان الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي، وبالتالي فإن خوف هذه التنويعات التي تندرج تحت لافتة «الإسلام السياسي» من خروجها من المشهد السياسي وبالتالي فقدانها لكل مكتسباتها الاجتماعية وحضورها الفاعل على الأرض؛ جعلها تحاول البحث عن فرصة للنجاة، وكانت أولى تلك الخطوات هي محاولة التخلص من جلدها القديم واستبدالها بالمفاهيم السياسية الملتبسة مفاهيم دينية أخرى، إلى محاولة لتضخيم مكوناتها السياسية وحصر الفعالية الدينية خارج أقواس السياسية.
البداية كانت قديمة فيما عرف بفقه المراجعات، الذي ولد على إثر الصراع السياسي والأمني بين الجماعات الأصولية وبين الحكومات والأنظمة العربية التي خاضت ضدها حروبًا شرسة، مع الأصولية الصاعدة مع انتهاء حقبة الاستعمار وتشكل الدولة القطرية، باعتبارها ردة فعل ضمن سياقات معقدة تجاه سقوط الخلافة.

تجربة النهضة

في سياق التحولات، أعلنت حركة النهضة التونسية أنها تسعى لفصل العمل الدعوي وأنشطته المختلفة عن العمل السياسي، وذلك بمناسبة مؤتمرها العاشر في مدينة الحمامات (60 كيلومترا جنوب تونس)، وكما عبّرت الحركة، فإن السبب هو التأقلم مع التطورات المتجددة في ظل خصوصية المشهد التونسي الذي نجا من عواصف الربيع العربي، وإن كان يشهد صعودًا ونشاطًا مضادًا بسبب استقطاب تنظيم داعش للمتطرفين الرافضين لاستقرار البلد.
الخروج من الإسلام السياسي ومنظومته، الفكرة التي طرحها وطورها راشد الغنوشي الزعيم التاريخي لحركة النهضة (74 عامًا) من خلال حوار موسّع مع جريدة «اللوموند» الفرنسية، قائلاً: «حركة النهضة تريد القيام بنشاط سياسي مستقل تمامًا عن الأنشطة الدينية»، وأردف: «سنخرج من الإسلام السياسي لندخل إلى الديمقراطية المسلمة»، كما أكد ناشطون في الحزب أن خطوة كهذه استغرقت من الحركة سنوات من الإعداد وكثيرا من ورشات العمل والمؤتمرات، بهدف عبور تجربة تونس الخاصة، بحسب تعبيرهم، من الديكتاتورية إلى الديمقراطية، في إشارة إلى ما تعرضت له الحركة من منعرجات حرجة في ظل حقبة الرئيس السابق زين العابدين بن علي.
هذه الدعوة وإن وجدت صدى كبيرًا لدى المتابعين لصيرورة الإسلام السياسي ما بعد الربيع العربي، إلا أن البعض اعتبرها مجرد وعود في الهواء الطلق، ما لم تترجم إلى برامج عملية، لا سيما أن عملية الفصل قبل أن تعلن عنها الحركة كانت مطلبًا للجماهير التونسية، بحسب استطلاع قام به «المرصد العربي للديانات والحريات»، ومؤسسة «كونراد إديناور»، وأفاد استطلاع أخير للرأي بأن 73 في المائة منهم يؤيدون «الفصل بين الدين والسياسة».

نفوذ «حزب الله»

ما يسمى «حزب الله» اللبناني، التقط هذا المناخ العام لتحولات الإسلام السياسي، ليعلن عن الفكرة ذاتها في الفصل بين ما هو ديني وسياسي، وإن كان الدافع مختلفًا، حيث تراجعت شعبية الحزب داخل لبنان وخارجها، بعد أن تورط في الدم السوري ودخل المستنقع للدفاع بكل ما أوتيه من كوادر وإمكانات عن نظام الأسد، كما أن تحويله للداخل اللبناني إلى استقطاب سياسي شديد بسبب حالة الفراغ السياسي والرئاسي الذي يعاني منه البلد ساهم في ذلك، وبالتالي تلاحقت أحداث التضييق الاجتماعي والسياسي في الشارع اللبناني، الذي ضاق ذرعًا بسياسة فرض الأمر الواقع.
هناك شكوى دائمة عن قوة نفوذ ما يسمى «حزب الله» في مناطقه، وفرض الخناق على المجتمع بمشروعات تختلف في شعاراتها وتتفق في تدعيم السلطة المطلقة للحزب، منها مشروع «المال النظيف»، أو «المجتمع الطاهر العفيف».
ممارسة الحزب على الواقع لا تعطيه هذا الترف الفكري في الفصل بين السياسي والديني، إذا ما تجاهلنا تورط الحزب في الثوري والجنائي والمتاجرة بالممنوعات.. إلى آخر قائمة الانتهاكات السياسية في الداخل اللبناني، وإيفاد خبراء الحزب لإيقاد مناطق التوتر بنيران الفتنة، من اليمن إلى سوريا وغيرها من المناطق.
في الداخل اللبناني على مدى عقود، تمكن الحزب من تكريس كل إمكاناته لبسط سيطرته على الأرض في جنوب لبنان، بفضل الهيكلية التنظيمية التي استطاعت بناء مؤسسات مجتمع مدني شكلية، تستبطن أنشطة الحزب وأهدافه، من مؤسسات رياضية وإعلامية وجمعيات ومبادرات، والتي يصف الاستثمارات فيها بـ«الأموال النظيفة»، في مقابل «المال القذر»، الذي نعت به أموال الأحزاب السياسية الأخرى.

تقسيم المجتمع

مرحلة «المجتمع العفيف» تم تسويقها في الداخل الشيعي اللبناني لتمرير أجندته السياسية، وتحويل الحزب لكيان سياسي لا يمكن تجاوزه، وليس باعتباره مجرد شريك في اللعبة السياسية، كباقي مكونات المجتمع اللبناني، إضافة إلى كونه مصدر إزعاج دائم لأصدقاء لبنان، وعلى رأسهم دول الخليج، والمملكة العربية السعودية في مقدمتهم، والتي ما فتئت تحاول تجاوز سلوك ما يسمى «حزب الله» غير السياسي، حفاظًا على مقدرات لبنان، إلى أن حانت لحظة الحقيقة، وتم تصنيف الحزب جماعة إرهابية، بعد انكشاف أدواره العابرة للبنان والمهددة لاستقرار بلدان المنطقة، من البحرين إلى اليمن إلى سوريا، التي خاض فيها «معركة عظم» لصالح النظام، وضد الشعب السوري، بمعنى آخر تحول الحزب إلى وكيل وذراع إيرانية في المنطقة، وساهم ذلك في انكشاف كل الأوهام والشعارات التي كان يتغنى بها، كشعار المقاومة، وأن سلاحه موجه للعدو الإسرائيلي، في حين أن الواقع يعكس تعملق الحزب في داخل لبنان، وتحوله إلى مشروع دولة داخل الدولة.
نوايا الحزب لا تشفع له في إعادة تأهيل ذاته سياسيا في ظل تصريحاته المتكررة، لا سيما لأتباعه والمؤمنين بمشروعه، أنه لا يزال في عمق الإسلام السياسي الثوري، وليس آخرها تصريح نائب الأمين العام للحزب، الشيخ نعيم قاسم، قبل مدة قليلة في مقابلة صحافية: «(حزب الله) لا يزال يؤمن بإقامة الدولة الإسلامية في لبنان».

استثناء الجنوب اللبناني

وإذا كانت تصريحات الحزب موجهة لنشاطه داخل لبنان وخارجها، فإن مناطقه مستثناة من هذا الفصل بين الدعوي والسياسي، فمظاهر الأيديولوجية الثورية الشيعية لا تخطئها العين، فمكبرات الصوت في كل الشوارع، وأجواء المجالس العاشورائية، والخطب الدينية ونشاطات الكشافة والنوادي الرياضية والجمعيات، إضافة إلى الحملات الإعلامية داخل لبنان للترويج لأيديولوجية الحزب من بوابة المقاومة والحفاظ على الحدود اللبنانية.
سيطرة الحزب على مفاصل الدولة في لبنان، لا تقف عند حدودها السياسية، بل تعدت ذلك إلى تحوله إلى قوة اقتصادية ضاربة، لا سيما مع فترة الكساد التي تمر بها الدولة وتفسّخ التحالفات السياسية، وتحولها إلى كتل متنافرة غير قادرة على الوصول إلى حل سياسي، وبحسب التقارير الاقتصادية، يعد الحزب أكبر مشغّل في لبنان بعد الدولة.

وعلى الرغم من أن الآلة الدعائية والبروباغاندا الإعلامية منذ سنوات تجاه دخوله المستنقع السوري، تحاول التخفيف من أثر ذلك، فإن نقمة الشارع العربي على الحزب كانت كبيرة، كما أن المؤشرات تدل على تكبد خسائر كبيرة في صفوف الحزب. وكما يؤكد تقرير «معهد واشنطن للديمقراطية» في أميركا، فإن الحزب خسر أكثر من 1600 كادر على أقل تقدير، عدا الجرحى وخسارة بعض القيادات المؤثرة، إضافة إلى سخط المجتمع اللبناني بمكوناته المختلفة.

فيما يخص الفصل بين الدعوي والسياسي، فإن تجربة الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي لم تتجاوز أفق التفكير في النظرية، مع خطوات خجولة لا يمكن أن تلبي تعقيدات هذا الفصل ومتطلباته، ومن أهمها، رفع شعار النقد الذاتي، والخروج من ثنائية المصطلحات الفضفاضة والشعارات للاستهلاك العام، والتحول إلى حزب سياسي ديمقراطي حداثي وقيم حضارية لا تتجاوز مفهوم المواطنة.

العمل المحلي

المصالحة مع الداخل، وقطع العلاقة مع الخارج، واستهداف أي دولة أخرى خارج نطاق عمل هذه الأحزاب، من أهم شروط الانتقال من تصدير الثورة والعمل الطائفي الديني بغطاء سياسي، وهو الأمر الذي بدا مهمًا لدى جماعة كـ«الإخوان»، التي أعلنت في بعض البلدان كالأردن وغيرها، انفصالها عن أي انتماء دولي أو خارجي، أو بحسب آخر استفتاء لجبهة العمل في فبراير (شباط) 2016، إلغاء تبعية الجماعة للتنظيم الدولي لـ«الإخوان المسلمين»، أو التبعية للجماعة الأم في مصر، بأغلبية ثلثي الأعضاء. ومن هنا من الصعب جدًا تصور انفصال كلي على مستوى القرار والرؤية من قبل ما يسمى «حزب الله» عن نظام طهران، أو الأذرع الأخرى لإيران في المنطقة.
وعادة ما تتميز عملية التصحيح وفصل الديني والسياسي لدى الجماعات، بأنها عملية داخلية تحظى بنقاش وبحث طويل، وربما بانشقاقات تنظيمية، إضافة إلى أن هذا الفصل يجب أن يحظى برؤية واضحة للإطار القانوني للحزب، وأنه تأسس ويعمل على أسس سياسية جنبًا إلى جنب بنفس الحقوق والواجبات للأحزاب السياسية في الداخل، كما أنه لا يصح للحزب القائم على أساس دعوي أو ديني الاستفادة من منابره ومنصاته الاجتماعية لترويج أفكاره، وهو الأمر الذي لا يمكن تصوره مع حزب لديه منتجاته الخاصة من المدارس والمستشفيات، وصولاً إلى القنوات الفضائية الخاصة والصحف المحسوبة عليه.

عدم الانفراد بالمشهد السياسي أو الاستحواذ على الشارع اللبناني في الداخل، من أهم شروط التحول من حزب شمولي ثوري إلى حزب سياسي تنافسي، عبر تعزيز فرص المشاركة والوصول للسلطة العادل، والمنافسة الصحية من دون استمالة الناخب أو المواطن عبر شعارات دعوية ودينية.
يجب عدم رؤية الفصل بين الديني والدعوي لدى الإسلام السياسي، باعتباره تجربة هوياتية، أو إطارًا للحل الجزئي ينتهي بتغير الظرف السياسي، بل يجب أن يبدأ الموضوع من داخل الجماعة والحزب برؤية فكرية وسياسية تعيد النظر إلى الذات والآخر، باعتبار دنيوية الشرط السياسي والمجال العملي للمتغير اليومي داخل الحياة السياسية في البلدان العربية، تحت رافعة المواطنة التي تسع الجميع دون انتهازية سياسية عبر قناعات دينية.

السياق التاريخي

إن عدم تحديد المجال السياسي وفصله عن بواقي سياقاته الفكرية والدينية والاجتماعية، مشكلة لا تزال عالقة منذ بدايات الدولة في التاريخ الإسلامي، والتحول من تجربة الجماعة المؤمنة إلى القومية الدينية، ثم وضعية الخلافة وسقوطها لاحقًا، الذي تم تجاوزه في الواقع، لكنه لم يُتجاوز على مستوى الأفكار السياسية داخل الفكر الإسلامي الشيعي، الذي لا يزال عالقًا في تفاصيل الإمامة وغارقًا لاحقًا في نظرية ولاية الفقيه، التي لا يمكن حدوث أي فصل مزعوم بين الديني والأيديولوجي والسياسي من دون تجاوزها، واعتبارها عائقًا عن الاندماج في النسيج السياسي الوطني.

Previous ArticleNext Article
يوسف الديني
يوسف عبدالله الديني - كاتب صحفي من السعودية يكتب حالياً في جريدة الشرق الأوسط درس مبكراً الإسلاميات ثم تخصص في العلوم السياسية يهتم بظاهرة الإسلام السياسي والحالة الدينية المعاصرة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.