رئيس أركان الجيش الأميركي السابق: مواجهة عناصر الإرهاب على «النت» أصعب من مواجهتها عسكريا - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

فورن أفيرز, مقابلات

رئيس أركان الجيش الأميركي السابق: مواجهة عناصر الإرهاب على «النت» أصعب من مواجهتها عسكريا

مارتن ديمبسي رئيس أركان الجيش الأميركي السابق
مارتن ديمبسي رئيس أركان الجيش الأميركي السابق
مارتن ديمبسي رئيس أركان الجيش الأميركي السابق

واشنطن: جدعون روز*

مارتن ديمبسي قال إن جميع المخاطر كانت تأتي من الاتحاد السوفياتي ثم باتت تتركز حول الإرهاب
* يعمل الروس على تطوير أنفسهم للتمكن من تهديد قدرة الولايات المتحدة على تعزيز أوروبا
* إذا قررت إيران أن تعمل على تطوير الأسلحة النووية يجب علينا استخدام كافة أنواع القوة الممكنة لكي نضمن عدم حدوث ذلك
* يجب أن نجد مقاتلين سوريين معتدلين ونخرجهم من القتال لفترة من الوقت لتدريبهم وتكوين وحدات متماسكة ثم نعيد إرسالهم مرة أخرى

في سبتمبر (أيلول) 2015، تقاعد الجنرال مارتن ديمبسي من الجيش الأميركي بعد قضاء أكثر من أربعة عقود بالزي الرسمي. في أعقاب تخرجه من «ويست بوينت»، تم تكليفه بالعمل كضابط مدرعات ثم شارك في كل من حرب الخليج وحرب العراق وترقى حتى أصبح رئيسا لأركان الجيش الأميركي ثم رئيسا لهيئة الأركان المشتركة.
تحدث الرئيس السابق لهيئة الأركان المشتركة عن أبرز المخاطر التي واجهها خلال خدمته العسكرية التي امتدت لأكثر من 40 عاما وكان من أهمها الاتحاد السوفياتي، والحفاظ على السلام ثم الإرهاب العالمي. وأشار إلى أن هناك نوعين من التحديات التي تمثلها الجماعات الإسلامية الراديكالية. فبعضهم موجود ويحاول الاستيلاء على الأرض. وتجب مواجهة تلك المجموعات على الأرض، وأما النوع الثاني فهم الراديكاليون عبر الإنترنت، وقال إن جماعات مثل «داعش» تخسر المعركة على الأرض وتربح المعركة في البيئة الافتراضية لأنه من الصعب قتالهم هناك.
وفيما يلي نص الحوار..

مارتن ديمبسي رئيس أركان الجيش الأميركي السابق
مارتن ديمبسي رئيس أركان الجيش الأميركي السابق

* قلت إن العالم أصبح أكثر خطورة من أي وقت سابق. لماذا أنت قلق إلى هذه الدرجة؟

– هذه أكثر الفترات خطورة في حياتي. فخلال خبرتي العسكرية التي امتدت لـ41 عاما، كان دائما لدينا الفرصة للتركيز على تهديد أمني واحد أو غيره. في البداية، كانت جميع المخاطر تأتي من الاتحاد السوفياتي، ثم أصبحت تتعلق بالحفاظ على السلام، ثم أصبحت تتركز حول الإرهاب. أما الآن، فتظهر العديد من الأمور في نفس اللحظة. وأصبح لدينا عدة تحديات تتقاطع مع الموارد المحدودة، والشكوك العميقة بشأن الموازنة العسكرية.

* ولكن هل تصل التحديات الحالية لنفس مستوى التحديات السابقة؟ حيث يبدو أنك قلق بشأن عدد كبير من التهديدات الصغيرة بدلا من القلق بشأن تهديد أو اثنين كبيرين؟
– يمكننا أن نتجادل حول مدى صغر حجم هذه التهديدات. ولكن بصفة عامة يمكنني أن أقول إننا إذا لم نتعامل مع تلك التهديدات الصغيرة فسوف تصبح أكبر بكثير مما هي عليه الآن. وذلك حيث إن بعض الدول الأطراف مثل روسيا والصين تهدد مصالحنا في أوروبا والمحيط الهادي. وعلى الرغم من أنهم لم يصبحوا حتى الآن أندادا، فإنهم أوشكوا أن يصبحوا أندادا في بعض القطاعات ثم لديك بعض الأطراف من غير الدول مثل تنظيم داعش. ونحن لسنا في موقف يخول لنا أن نتجاهل أيا من هذه القضايا. والأهم من ذلك هو عدم قدرتنا على طرح رؤية بعيدة المدى (20 سنة مثلا) ودعمها بالسياسات والممارسات والموارد الضرورية. فنحن نتعامل مع كل سنة على حدة.

* هل أنت قلق بشأن احتمالية أن يتطور ما فعلته روسيا على حدودها ويمثل تحديا مباشرا لدول حلف شمال الأطلسي التي تحميها المادة 5؟

– مما لا شك فيه أن روسيا تحاول إعادة تأسيس نفوذها في الدول الرمادية التي تقع بين الفيدرالية الروسية وحلف شمال الأطلسي. فهي تسعى لتأسيس مجموعة من البلدان التي يمكن أن تصبح دولا تابعة لها لتساعدها على تعزيز اقتصادها وأمنها لأنهم عندما يتطلعون إلى الفترة ما بعد 2020، يجدون أن معظم أسهمهم تتراجع. حيث لا تسعى الصين لتكوين حلفاء، فهي تسعى لتكوين شركاء اقتصاديين لكي تضمن الحصول على الموارد التي تحتاجها لدعم اقتصادها وإدارة سكانها الذين يزيد عددهم عن 1.5 مليار نسمة. ولكننا بخلاف كل من روسيا والصين، يعتمد أمننا المستقبلي على بنية التحالف، التي تعود جذورها إلى الحرب العالمية الثانية وتداعياتها. وهنا يصبح الأمر مثارا للقلق؛ وذلك حيث إن المنطقة العازلة التي تقيمها روسيا سوف تصطدم بحدود تحالفنا في أوروبا. كما ستصطدم جهود الصين لتأسيس خطوط إمداد والحصول على الموارد ببنى تحالفنا في المحيط الهادي. وذلك هو ما يجعلني قلقا.

* ولكن ألا يجب أن تكون بنى التحالف التي تحدثت عنها للتو مصدرا للقوة وليست مصدرا للضعف؟ فبالنظر للولايات المتحدة وحلفائها وشركائها معا فسوف يصبح لديك نحو ثلثي أو ثلاثة أرباع إنفاق دفاع العالم. فلماذا يصبح الناس الذين لديهم كل ذلك قلقين بشأن تحديات تصدر عن دول أضعف لديها موارد وتحالفات أقل؟

– يميل حلفاؤنا وشركاؤهم إلى الانقسام بعض الشيء فيما يتعلق بمصالحهم. فربما يشير أحد نظرائي بحلف شمال الأطلسي إلى التهديد الروسي باعتباره الأكثر خطرا فيما يعتبر آخر الهجرة أو الإرهاب هما الخطر الأكبر. وتستطيع روسيا أن تؤثر على حلف شمال الأطلسي على صعيدين. أحدهما من خلال التهديد المادي لحدوده الشرقية والآخر من خلال التهديد بقطع الاتصالات العابرة للأطلسي. ويعمل الروس حاليا على تطوير بعض الإمكانات التي سوف تمكنهم من تهديد قدرتنا على تعزيز أوروبا، وإذا ما استطاعوا تحقيق ذلك، فسرعان ما سيفقد حلف شمال الأطلسي مصداقيته.

* ما هي تلك الإمكانات المحددة التي أشرت إليها؟

– بعضها ما زال سريا. ولكن دعني أقل على سبيل المثال، إن إمكانية تطوير علوم الفضاء والإلكترونيات وصواريخ كروز الأرضية والإمكانات تحت المياه التي تستهدف جميعها أن يتمكنوا في النهاية من تهديد الاتصالات العابرة للأطلسي ووضع حلف شمال الأطلسي في وضع حرج.

* لقد وصلت مناطق التصعيد بين الصين وجيرانها مؤخرا إلى البحار الجنوبية والشرقية للصين. هل كان رد الفعل الأميركي قويا للغاية، أم ضعيفا للغاية، أم مثاليا؟

– أعتقد أن أفعالنا حتى اليوم كانت تستهدف أن ترسل رسالة واضحة مفادها أن لدينا عدة حلفاء في المحيط الهادي لدينا معهم مصالح والتزامات مشتركة وإذا ما مثلت المحاولات الصينية لتعزيز سيادتها تهديدا لهم، فنحن لدينا معاهدة تلزمنا بمساعدتهم. هل فعلنا ما يكفي في المنطقة؟ أعتقد ذلك. ولكنني من جهة أخرى، كنت دائما ما أنادي بالقيام بالمزيد من عمليات دعم حرية الملاحة لكي نوضح أن الصين يمكنها أن تخرج وتنفذ مشروعا للاستيلاء على الأراضي ولكنه لن يكون له أي تأثير (على الوضع القانوني). فنحن لن نقر بحدود تبلغ 12 ميلا (حول الأراضي التي تم الاستيلاء عليها مؤخرا). ويجب الحفاظ على ذلك لأنه إذا ما أعلن شخص ما شيئا ولم نقم بمعارضته يصبح مقبولا. وكنت أفضل المزيد من عمليات دعم حرية الملاحة. ولكنني أعتقد أن الطريقة التي فعلنا بها ذلك كانت حذرة للغاية.

* يقول البعض إن ما فعلناه فعليا كان مجرد مرور اعتيادي أكثر من كونه عمليات لدعم حرية الملاحة التقليدية؟

– إن ذلك التمييز بين الاثنين هو تمييز قانوني؛ يعتمد على الإعلان الذي تقوم به، والطريقة التي تناور بها داخل نفس المساحة. ولا أعتقد أن هذا الفارق يمثل أهمية كبيرة بالنسبة للصينيين. أعتقد أنهم يدركون أن وجودنا هناك يمثل إشارة. فقد كان أقراني الصينيون واضحين تماما بشأن حقيقة أنهم ليسوا معجبين بتأكيدنا المستمر على حقنا في القيام بذلك النوع من العمليات.

* كان هناك عدد من الحوادث التي تعرضت فيها السفن والطائرات الأميركية لمعارضة طائرات عسكرية أجنبية. هل الرد المناسب على هذا النوع من المواقف يكون بتجاهلها أم بالتصعيد؟
– يجب أن تتحدث إليهم وتعلن احتجاجك عبر القنوات الدبلوماسية والعسكرية. لقد كان أحد الأشياء التي أدهشتني فيما يتعلق بالصينيين أنه كلما أجريت حوارا معهم بشأن المعايير الدولية أو القوانين الدولية للسلوك، كانوا يشيرون إلى أن تلك القوانين تمت صناعتها وهم غير موجودين على الساحة الدولية. وهم موجودون الآن على الساحة الدولية ومن ثم فيجب إعادة التفاوض على تلك القوانين مرة أخرى معهم. وقد استمررنا في التأكيد على أننا يجب أن نحتفظ بهذه القوانين على الأقل للحفاظ على الأمن. وقد نجحنا مبدئيا فيما يتعلق بقوانين السلوك البحرية. ولكننا احتجنا إلى وقت أطول فيما يتعلق بمعايير السلوك الجوية ومما لا شك فيه أنه لم يتم التوصل إلى أي شيء حتى انتهاء فترة خدمتي.

* فيما يتعلق بالأطراف من غير الدول، هناك أطراف في مناطق النزاع الأجنبية، مثل «داعش»، ولكن هناك أيضا شبكات الإرهاب العالمية والجماعات التابعة لها بالإضافة إلى مؤيديهم من المحليين الراديكاليين في العديد من البلدان. ما الذي يستطيع الجيش الأميركي أن يفعله بشأن الهجمات الإرهابية المحلية التي ينفذها مواطنون أميركيون؟

– بالفعل هناك نوعان من التحديات التي تمثلها الجماعات الإسلامية الراديكالية. فبعضهم موجود ويحاول الاستيلاء على الأرض. ويجب مواجهة تلك المجموعات على الأرض، حيث يأتي معظم القتال من هؤلاء الذين ليس لديهم ما يربحونه أو يخسرونه وذلك يعني أننا يجب أن نعمل مع وعبر الأشخاص المستعدين للمشاركة في القتال من أبناء نفس المنطقة. وهذا يمكن أن يستغرق وقتا أطول مما يمكن أن يستغرقه قيامنا بالمهمة بأنفسنا ولكنه أمر ضروري لأننا يجب أن نقوم برد فعل يظل مفيدا على المدى البعيد؛ عشرون عاما مثلا. أما بالنسبة للأفراد الذين يصبحون راديكاليين عبر الإنترنت، فإن جماعات مثل «داعش» تخسر المعركة على الأرض وتربح المعركة في البيئة الافتراضية لأنه من الصعب قتالهم هناك. ومرة أخرى، فإن هذه مشكلة بعيدة المدى ومشكلة تتطلب أن نكون حذرين وحاسمين في محاولة مواجهتهم. ولكننا لم نشتبك مع ذلك بقدر ما نستطيع وما يجب علينا.

* قبل عدة سنوات، قال بوب غيتس: «في رأيي، يجب فحص رأس أي وزير دفاع في المستقبل ينصح الرئيس بأن يرسل القوات البرية الأميركية إلى آسيا أو إلى الشرق الأوسط أو أفريقيا». هل تتفق مع ذلك؟

– ربما تتعرض مصالح أمننا القومي في المستقبل للتهديد ونضطر لاستخدام قدر كبير من القوة. فعلى سبيل المثال، إذا ما قررت إيران أن تعمل على تطوير الأسلحة النووية وامتلاك القدرة على إطلاقها وهددت بأن تفعل ذلك، يبدو بالنسبة لي في هذه الحالة بأننا يجب علينا استخدام كافة أنواع القوة الممكنة لكي نضمن عدم حدوث ذلك.
ومن جهة أخرى، يبدو بالنسبة لي أنه ليس مفيدا أن نلجأ إلى وجود عسكري قوي في مواجهة الاضطرابات المستمرة في الشرق الأوسط التي تنتج الإرهاب لسببين. أولا، إن الأشخاص الموجودين بالمنطقة والذين يجب عليهم التعامل مع الأزمة سوف يتراجعون على الفور ويتركوننا نواجهها دون تقديم الكثير من المساعدات إذا ما شاهدوا حضورنا العسكري القوي. وثانيا، يجب أن نحرص على الحفاظ على قوتنا العسكرية لكي نتمكن من ردع التهديدات المحتملة من الدول الأطراف: روسيا، والصين، وكوريا الشمالية، وإيران.
إذن، فأثناء تعاملنا مع الاضطرابات العامة في الشرق الأوسط، لا يجب أن نتعامل معها وحدنا، كما يجب أن نقر أن لدينا مصالح وشراكات هناك. ومن ثم يجب أن تكون لدينا عدة منصات يمكن عبرها شن عملياتنا العسكرية في المنطقة، إذا ما اقتضى الأمر، والتي يمكن عبرها تدريب وإعداد قوات الدول المضيفة، مع العلم بأنه يجب على السكان المحليين أن يقوموا بالجانب الرئيسي من المهمة. ويجب أن تتسم بقدر كبير من الحيوية حتى تتمكن من اللجوء إلى ذلك الحل في الوقت المناسب والتراجع عنه في الوقت المناسب أيضا. وحتى الآن فإننا بارعون في اللجوء إلى إشعال الأمور ولسنا بارعين في إطفائها.
لا يبدو ذلك مختلفا اختلافا دراميا عما نقوم به حاليا.
إنه ليس كذلك، فلا أعتقد أن التصرف على نحو مختلف اختلافا دراميا سوف يغير أي شيء؛ بل ربما يجعل الأمور أسوأ.

مارتن ديمبسي
مارتن ديمبسي

* يشعر العديد من المعلقين أن السياسات العسكرية الأميركية الأخيرة في الشرق الأوسط لم تكن ناجحة. هل تختلف مع ذلك؟

– أجل. أعتقد أن الاستراتيجية الشاملة في التعامل مع الشرق الأوسط تتمحور حول الصواب في الوقت الحالي. ولكنني أعتقد أننا كان لدينا ميل منذ البداية لأن نوضح ما لن نقوم بفعله. وذلك أرسل رسالة غامضة لشركائنا في المنطقة. وقد تغلبنا على ذلك وهم يفهمون الآن ما الذي نرحب بعمله، وكيفية استخدامنا لإمكاناتنا الفريدة – القوة الجوية، والاستطلاع، والتدريب، والتزويد بالمعدات – على النحو الأمثل.

* في سوريا، أنفقت الولايات المتحدة نصف مليار دولار على برنامج التدريب والإعداد ولم تحصل على شيء في المقابل. هل هذا يتعلق بطريقة تنفيذ البرنامج أم أنه يعود للطبيعة الإشكالية لمثل ذلك النوع من البرامج؟

– مزيج من السببين. فالوكالات الحكومية الأخرى لديها أيضا برامج مشابهة ونحن كنا نفحص إذا ما كان يمكننا أن نزود الرئيس بخيار وزارة الدفاع. وكان أول المقترحات التي جاءت من القيادة المركزية هي أننا يجب أن نحاول أن نجد مقاتلين سوريين معتدلين ونخرجهم من القتال لفترة من الوقت، ونسمح لهم بتكوين وحدات متماسكة، ثم نعيد إرسالهم مرة أخرى. وكانت الفكرة تبدو جيدة: فإذا استطعنا أن نفعل ذلك، فسيكون لدينا مجموعة من السوريين يمكن أن ندعمهم، وإذا ما نجحوا، يمكننا مساعدتهم على إدارة مستقبل سوريا. ولاحقا، اكتشفنا أننا عندما نعيد إرسال هذه المجموعات إلى موطنهم، تتم معاملتهم كأجسام مضادة، ليس فقط من قبل النظام وليس فقط من قبل «داعش» أو جبهة النصرة ولكن حتى من قبل جماعات أخرى كنا نعتقد أنها سوف ترحب بوجودهم. كيف أغفلنا الإشارات التي تفيد بأنهم لن يكونوا مرحبا بهم؟ لا أعرف، ولكن يبدو أننا أغفلناها. وفي النهاية، فقد أنهينا ذلك البرنامج وبدأنا البحث عن الجماعات الموجودة بالفعل والتي لديها رؤى معتدلة وبدأنا إعدادهم وتدريبهم. وما زال البحث جاريا. ولكنه أمر صعب لأن سوريا من أكثر الدول التي شهدتها انقساما وإخفاقا على الإطلاق.

* ما هي الصلة بين سياسات الأمن القومي وسياسات الدفاع؟ بمعنى آخر، كيف يؤثر حجم وبنية القوات التي لدينا على الخيارات التي تقوم بها بشأن التدخل أو كيفية التعامل مع موقف محدد؟

– إنهما متصلان تماما. ففي 2012، وفي الدليل الاستراتيجي للدفاع، والموازنة التي تم وضعها لتنفيذه، أوضحنا الحد الأدنى من المتطلبات الأساسية لبنية القوة الضرورية لتحقيق مصالح الأمن القومي الأميركي. واعتبرنا أن ذلك هو الأساس، ولكننا اضطررنا إلى تجاوز ذلك الأساس في منطقتين رئيسيتين منذ ذلك الوقت. ومن ثم أصبحت هناك فجوة حاليا، وسوف يكون على الرئيس القادم إعادة ضبط مصالح أمننا القومي مع مواردنا، وتحقيق قدر من الوضوح فيما يتعلق بالموازنة حتى نستطيع فعليا أن نضع الخطط.

* إذا كانت هناك فجوة بين الموارد والالتزامات، هل أفضل طريقة للتعامل مع ذلك تكون من خلال تقليل الالتزامات أم من خلال زيادة الموارد؟

– إذا كنا نجري هذا الحوار في الجامعة أو في أحد مراكز الأبحاث، يمكننا أن نتحدث حول كيف يمكننا أن نقلل التزاماتنا على مستوى العالم. ولكن التحدي يصبح عند ذلك هو تحديد التحدي الذي لن تتعامل معه. وعندما كنت في موقع الرئيس، لست متأكدا من أنني أستطيع أن أستدعي رئيس الأركان وأقول له: «ضع أولويات لمصالحنا من بين الثمانية أو العشرة التي تحدثنا عنها في استراتيجيتنا للأمن القومي». وحتى إذا ما فعلت ذلك، فإن الحقيقة أنه من وقت لآخر تصبح رقم عشرة في قائمة الأولويات أكثر أهمية من رقم واحد. ويمكننا هنا الاستشهاد بأزمة الإيبولا. لقد كان التعامل مع الأمراض المعدية والكوارث الإنسانية ضمن آخر أولوياتنا. ولكنه أصبح في تلك الفترة الزمنية على قمتها وسحب الموارد في اتجاهه. وكان علينا استعادة الموارد التي حددناها في 2012، وأن نلبي التزاماتنا بعيدة المدى للحفاظ على قوتنا واستعدادها على تلك المستويات.

* هل أكبر مشكلة نواجهها هي الغموض الذي يكتنف الموازنة، وإجمالي حجم الموازنة العسكرية، أم تفاصيل عناصرها المحددة؟ هل ننفق الكثير على أشياء ولا ننفق ما يكفي على أشياء أخرى؟

– هذا سؤال مهم. ففي عام 2012، حددنا الحجم المناسب للقوة والموارد الضرورية لدعمها وقلنا إننا بحاجة إلى ثلاثة أشياء: الوقت، والمرونة، واليقين. فإذا أردت أن تتحمل وزارة الدفاع عمليات خفض الموازنة التي تقدر مثلا بنحو 750 مليار دولار على مدار عشر سنوات. حسنا، ربما تستطيع وربما نستطيع إطالة المدة الزمنية لبعض القضايا أو النقاط المحددة خلال تلك الفترة ولكننا لا نستطيع أن نفعل ذلك إلا إذا كان لدينا هذا الوقت الإضافي. ولكننا بحاجة إلى المرونة أيضا. فعندما يتم إخبارنا: «يجب أن تخفضوا 750 مليار دولار من الموازنة»، ونحن نقول: «حسنا، يمكننا أن نفعل ذلك، ولكننا لدينا زيادة بنسبة 25 في المائة في البنية التحتية ولدينا ستة أو سبعة أنظمة تسليح عتيقة أصبحت إلى حد كبير لا تعمل»، وفي هذه الحالة لا يجب أن يقول لنا الكونغرس: «ليس في دائرة اختصاصنا»، أو «ليس نظام تسليحنا». ومن ثم فنحن بحاجة إلى اليقين. لقد كانت دائما المصادرة تحوم حول رأسي كسيف مسلط طوال الفترة التي كنت فيها رئيسا. والأكثر أهمية، أنها تحوم حول رؤوس رؤساء الخدمات الذين هم الأشخاص الذين يجب عليهم أن يحشدوا القوة معا.

* والآن بعدما أصبحت خارج الخدمة، هل هناك أية أنظمة تسليح ترغب في أن تقول إننا في حاجة إلى المزيد أو القليل منها؟

– لقد كان دائما هناك ذلك النوع من الإمكانات الذي نصفه بأنه إمكانات عالية الطلب قليلة التوافر؛ حيث كان المطلب بوجود منصات استخباراتية دائما مطلبا قويا، سواء من خلال توفير أنظمة الأقمار الاصطناعية أو الأنظمة الجوية دون طيار. ونحن لن نلبي أبدا كافة مطالب القيادات القتالية في هذا الصدد ولكننا يجب أن نسعى للاقتراب من تلبيته. وسوف نستمر في تجديد أسطول السفن الحاملة للطائرات ولكن في ظل وجود حالة أقوى من الوضوح بشأن الموازنة، سيكون من الأفضل أن نضع خطة لصيانة السفن ومعالجة الوقت الذي تستغرقه. ونحن على وشك إحلال الغواصة النووية الأميركية من فئة أوهايو التي تعد جزءا مهما من ثالوثنا النووي. كما أن هناك طلبا دائما على بطاريات الباتريوت. وهناك أجزاء من قوتنا تتعرض لطلب هائل بمستويات غير مسبوقة.

* خلال العقد أو العقدين الماضيين، يبدو أنه أصبحت هناك ضرورة لزيادات سنوية كبيرة في موازنة الدفاع لمجرد الحفاظ على بنية قوتنا الموجودة بالفعل. هل هذا صحيح، وإن كان كذلك، فلماذا؟ وهل هذا سوف يستمر؟

– يجب زيادة عدة نقاط مئوية سنويا لمواكبة حقيقة أن القوة تتقادم. حيث تتطور أنظمة التسليح بمعدلات لم نكن أبدا نتوقعها لأننا كنا نستخدم القوة بمعدل لم نكن نتوقعه. وقد أبلينا بلاء حسنا فيما يتعلق بإعادة الرسملة وإعادة الهيكلة. ولكن تلك التكاليف لم تكن متوقعة عند التصديق على الموازنة. وبخلاف ذلك، لديك عدد من التحديات المرتبطة بإعادة الرسملة الهائلة مثل إحلال الغواصة النووية الأميركية من فئة أوهايو. وعادة ما يتم تأجيل تلك المناقشات حتى تتحول إلى أزمة ونحن على وشك هذه الأزمة. فيجب على البحرية تحديث ثالوثها النووي.
إن تكلفة أنظمة التسليح المتطورة مثل طائرات «إف 35» هائلة ومن ثم فنحن لا نستطيع شراء سوى عدد محدود منها. إذن، في الحرب الحقيقية مع المنافسين، هل سيكون لدينا ثقة في أن مثل تلك القوة المحدودة يمكنها أن تعمل بفعالية لمدة كافية تجنبنا ضغوط التصعيد؟
لقد تم تصميم العديد من هذه الأنظمة لكي تصبح أقوى بمعدل ثلاث أو أربع مرات من سابقاتها. وقد تم اختبار ذلك ومحاكاته بالكومبيوتر، ولدينا أسباب تجعلنا نعتقد أن ذلك سيكون صحيحا. ومن جهة أخرى، فإننا إذا لم نجد طريقة نتأكد بها من أننا لدينا قاعدة صناعية قادرة على تعويض الخسائر.. هذا أحد مخاوفي. فلنفترض أننا قررنا أننا بحاجة إلى سفينة يمكنها البقاء في البحر، ومن ثم لا يتم إعادتها إلى ورشة تصليح السفن عندما تكون بحاجة إلى الصيانة. إذن فمن المحتمل أن تقوم ورشة الصيانة بتسريح العمالة ويصبح هؤلاء العاملون يائسين من حالة الغموض ومن ثم فإنهم يذهبون لمكان آخر. هذه هي قضايا حقيقية، ولا أعتقد أننا استعددنا لها ورصدنا الأضرار التي خلقتها حالة الغموض التي سادت خلال السنوات الأربع الماضية.

* ما هو أكثر شيء تفتخر به في عملك، وما هو أكثر شيء تأسف عليه؟

– فيما يتعلق بما أفتخر به، فإن ذلك هو الجزء السهل: الأشخاص الذين عملت معهم. حيث إنني دائما ما أحمد الله على أننا كان لدينا شبان وشابات في هذا البلد مستعدون للمشاركة والتخلي عن العديد من طموحاتهم الشخصية والتضحية بأشياء كبيرة لأنهم يؤمنون بخدمة البلاد. وذلك أكثر ما أفتقده بعدما تركت العمل؛ مراقبة وتشجيع هؤلاء الشبان والشابات لكي يفعلوا ما بوسعهم لصالح هذا البلد.
أما بالنسبة لما آسف عليه؟ حسنا، في أي وقت كنا نخسر جنديا، بحارا أو رجلا من رجال القوات الجوية أو البحرية، تكون هناك لحظات من الشك بشأن المعدات التي وفرتها لهم أو الإرشاد أو السياسات. ففي كل مرة نتعرض لخسائر بشرية كنا نلجأ للطب الشرعي لكي نكتشف كيف ولماذا حدث ذلك، لكي نتأكد أنه لم يكن شيء يمكن منعه. وأثناء عمليات مراجعة الذات تلك، فإنك عادة ما تندم على الخسارة. كيف لا؟ ثم وعندما تصبح رئيس هيئة الأركان، فإنك تجلس لمناقشة الموازنة وتتحدث حول الاستعداد وحول المخاطر. وفي بعض الأحيان تتمكن من إقناع الناس؛ وفي الكثير من الأحيان لا تستطيع. وأستطيع أن أخبرك أنني عدت في العديد من المرات من تلك الحوارات أو تلك الشهادات وأنا أشعر بالندم أنني لم أكن أكثر قدرة على الإقناع.

* بعد فيتنام، اتجهنا إلى القوات التطوعية. وقد تحولت إلى قوة صغيرة محترفة لديها مهارات عالية. ولم يشارك المواطنون، وكان المحترفون يتم تكليفهم بالعديد من المهام ويعملون أكثر مما ينبغي. هل هذا وضع جيد؟

هذا سؤال عظيم وهو ما ناقشناه مرارا مع القيادات. عندما تم تأسيس القوة التطوعية في أواسط السبعينات لم يفكر أحد أنه سيطلب منها أن تقوم بما تقوم به حاليا. وكان أداؤها رائعا. ولكن كانت هناك فترة قمنا فيها بمد مدة الانتشار إلى 15 شهرا بالخارج وعاما بالداخل ومن ثم أوشكت القوة على الانهيار. والآن فإننا عدنا إلى العمل لمدة تسعة أشهر بالخارج وبصفة عامة، عامين بالداخل، ويبدو بالنسبة لي أن ذلك هو المعدل المناسب. وطالما استطعنا الحفاظ على عمل القوة بذلك المعدل، فإنها يمكن أن تستمر وستظل متماسكة. ولكننا إذا أردنا أن نجعل عمليات الانتشار أطول ونقلل فترة بقائهم بالداخل ستصبح لدينا مشكلة كبرى. كما أن القوة كبيرة بما يكفي لتنفيذ ما يطلب منها حاليا، ولكن إذا تم تكليفها بالمزيد فيجب أن تتم زيادتها.

* ما الذي يمكن أن يحدث إذا ما أصدر رئيس الأركان أمرا، مثلا، بتعذيب أو قتل أبرياء من ذوي الصلة بالإرهاب؟

– لقد أقسمنا على الحفاظ على الدستور، والحفاظ على سيادة القانون. ونحن ملتزمون بعدم اتباع أي أوامر غير قانونية أو غير أخلاقية. وإذا كان هناك قرار غير قانوني أو غير أخلاقي، فإننا يجب علينا أن نستقيل، لأننا لا يمكننا تنفيذه.

* رئيس تحرير «فورين أفيرز»

Previous ArticleNext Article
المجلة

مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن.
ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي.
وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا
بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.