• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari
وجهات نظر

نجاح مخططات بوتين في الجمهوريات السوفياتية السابقة.. وتداعيات إعادة انتخاب الشيشان قديروف

Russian political and public figures vote in 2016 Russian parliamentary election
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يهنئ رئيس الشيشان رمضان قديروف بفوزه في الانتخابات (غيتي)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يهنئ رئيس الشيشان رمضان قديروف بفوزه في الانتخابات (غيتي)

فيلادلفيا: مايا أوتراشفيلي

في 18 سبتمبر (أيلول)، أجرت الشيشان، إحدى جمهوريات الاتحاد الروسي الـ22، انتخابات لاختيار رئيس لها، ومشرعين لبرلمانها بالإضافة إلى مجالس حكومية محلية. أظهرت نتائج الانتخابات فوز رمضان قديروف الذي حصل على 98 في المائة من الأصوات.
في خلال 10 أعوام تقريبا من رئاسة الجمهورية، حقق قديروف قائمة طويلة وهائلة من الإنجازات. ولكن يُعرف عن نظامه أيضا وجود الفساد وعدم احترام حقوق الإنسان بالإضافة إلى الأعمال الوحشية خاصة تجاه أي نوع من الإرهاب. ولكن في الحقيقة، مع تلك الظروف، لم تنعم الشيشان باستقرار كذلك الذي تحقق لها في عهد قديروف. تتصدر الشيشان التي تعاني من الإرهاب قائمة طويلة من نقاط الضعف الروسية. بيد أن قديروف أثبت أنه سلاح بوتين السري للسيطرة على الأوضاع رغم حالة الغليان. وهكذا يمكن القول إن دور قديروف أصبح مهما للحفاظ على نجاح حكومة بوتين واستقرارها في روسيا.

يتولى رمضان قديروف البالغ من العمر 39 عاما حكم الشيشان منذ عام 2007، قبل أن تنتهي ولايته الرئاسية للجمهورية في أبريل (نيسان) عام 2016، أعلن أن مهمته في الشيشان تمت، وأنه حقق الكثير ويستعد الآن للمغادرة. لم يكن هذا الإعلان مفاجئا لمن اعتقدوا أن قديروف كان يطمح في الذهاب إلى موسكو للمشاركة في السياسات الروسية الأكبر، وربما يصبح رئيس وزراء لبوتين، أو حتى رئيسا لروسيا يوما ما. ولكن بالنسبة لمعظم المراقبين الآخرين، كان ذلك مجرد تعبير عن تواضع زائف. ولكن في أبريل عيِّن بوتين قديروف رئيسا مؤقتا للشيشان حتى يتم عقد الانتخابات في سبتمبر. أثبت هذا التعيين أن بوتين ليس لديه أي خطط لقديروف بعيدا عن الشيشان، على الأقل ليس في المستقبل القريب. ولعل السبب وراء ذلك هو أن قيادة قديروف للجمهورية تعني تحقيق قدر كبير من الاستقرار (وإن كان على حساب الحرية والديمقراطية) في منطقة كان يمكن أن تصبح «قنبلة موقوتة» بالنسبة لروسيا. رغم كل شيء، تُعرف تلك المنطقة بانعدام الاستقرار والخطر.

تشتهر الشيشان على وجه الخصوص بإنتاج الإرهاب النابع من الداخل في روسيا. كانت العلاقات الروسية الشيشانية عدائية على مدار التاريخ منذ ضم الإمبراطورية الروسية للشيشان في عام1870، أسفرت محاولات الشيشان للحصول على استقلالها عن روسيا عن إراقة الدماء واندلاع الحرب منذ ذلك الحين. في عام 1944، تم نفي أكثر من نصف مليون شيشاني وأنغوشي وغيرهم من شعوب شمال القوقاز إلى سيبيريا وآسيا الوسطى على يد الحكومة السوفياتية كعقوبة لهم على تعاونهم مع القوات الألمانية الغازية من 1940 إلى 1944، بعد أعوام من الحياة تحت حكم الإمبراطورية الروسية، ثم روسيا البلشفية وبعدها الاتحاد السوفياتي، استطاعت الشيشان أخيرا الاستفادة من تقسيم روسيا السوفياتية في مطلع التسعينات. وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي، أعلنت الشيشان استقلالها في عام 1993 لتصبح جمهورية إشكيريا الشيشانية.
بعد عام واحد من إعلان الشيشان استقلالها، استغلت الحكومة الروسية الاقتتال الداخلي في الجمهورية واشتركت مع الانفصاليين الشيشانيين لشن هجوم على العاصمة غروزني. استمر الصراع لمدة عامين تقريبا، لينتهي في أغسطس (آب) عام 1996، بعد عدد من الاشتباكات الدموية التي أسفرت عن مقتل وجرح وتشريد الآلاف. وبرغم من توقيع معاهدة سلام رسمية في عام 1997، بعد مرور أقل من عامين قام اللواء الإسلامي الدولي الشيشاني بغزو جمهورية داغستان الروسية المجاورة. انتهى الصراع المسلح بانتصار روسي كبير وأدى إلى حرب الشيشان الثانية. انتهت هذه الحرب في مايو (أيار) عام 2000، بعد أن أقامت روسيا حكما مباشرا على الشيشان. غيرت التكتيكات الروسية الصعبة أثناء الحرب من طبيعة الصراع الشيشاني من أجل الاستقلال ليتحول إلى حركة أكبر من أجل الانتقام أشعلها في النهاية الفكر الجهادي.
انتهت مرحلة التمرد التي تلت حرب الشيشان الثانية في مطلع عام 2009، استطاع الإرهابيون تحدي حكم موسكو للشيشان لمدة تسعة أعوام، بل واستطاعوا إنشاء مركزا دائما لإسلاميين متطرفين على صلات مزعومة بطالبان. علاوة على ذلك، منذ صعود «داعش»، شهد العالم تدفق المتطرفين الشيشانيين إلى سوريا، حيث ظهروا في مراكز قيادية لتنظيم داعش (منذ فبراير/شباط عام 2015 كان هناك نحو 1700 روسي يقاتل في صفوف «داعش»).

ولكن لم تعد مشكلة الإرهاب الشيشاني ملحة كما كانت في العقد الأول من القرن الحالي. كان ذلك نتيجة لقدرة بوتين على العثور على حلفاء في المنطقة وشرائه للولاء في الشيشان وداغستان، مما ساعده على الاستعانة بأطراف محلية لمطاردة الإرهابيين. يمكن القول إن أبرز طرف محلي كان أحمد قديروف، زعيم المتمردين الذي حوّل ولائه في ذروة حرب الشيشان الثانية قبل أن يصبح رئيسا للجمهورية في عام 2003، بعد مقتل قديروف، حل رمضان محل والده في منصب الرئاسة في عام 2007، ومنذ ذلك الحين أصبح أهم حليف لبوتين في المنطقة.
يأتي أهم دعم من موسكو لقديروف في صورة تمويل لوحدة مكافحة الإرهاب التي تحمل اسم «قديروفتسي» المعروفة بوحشيتها. ولكن حالة الشيشان معقدة، يرجع أحد تلك التعقيدات إلى حقيقة أن الرئيس بوتين استطاع أن يحول مغامراته في الشيشان إلى دعاية له. وبدلا من أن يقدم حرب الشيشان الثانية على أنها معركة روسيا ضد محاولة جمهورية للاستقلال، استطاع أن يصورها على أنها جزء من «الحرب العالمية على الإرهاب». لاقى هذا التحول النظري قبولا أكبر من الغرب لتصرفات بوتين في الشيشان. كما ساعد أيضا على جعل دعم بوتين لبشار الأسد في سوريا قابلا للتبرير تماما أمام الروس. أكبر ما يخشاه بوتين هو امتداد الأزمة السورية إلى الشيشان. وبالتالي تملك موسكو مصلحة راسخة في تقديم الدعم المالي والسياسي لحكومتي الشيشان وداغستان. ومن دون أمثال قديروف في السلطة، ربما ينهار الاستقرار الحقيقي الملحوظ في شامل القوقاز مرة أخرى، ليلحق الضرر بروسيا في عقر دارها.

يمكن القول إن القنبلة الموقوتة التي يمثلها شمال القوقاز المثقل بالإرهاب من أفظع الموروثات التي سيتركها فلاديمير بوتين. في اللحظة الراهنة، يتطلب ذلك الإرث معاملة حذرة، ويعد حكم رمضان قديروف المستمر بلا منازع بوليصة التأمين الذي يستخدمها بوتين لهذا الغرض.
ولكن لا تنتهي فائدة رمضان قديروف بالنسبة لفلاديمير بوتين عند الشيشان. يعتقد كثير من الروس أن قديروف وقوة قديروفتسي ربما أيضا ينفذون أعمال بوتين القذرة في موسكو – وخاصة فيما يتعلق بالتخلص من الأفراد الذين يهددون حكم بوتين. إن قائمة حوادث القتل والتخويف التي تضم أسماء صحافيين وقادة معارضة تحت نظام بوتين طويلة، ويتصل عدد صادم منها بقديروف ورجاله. على سبيل المثال، في عدد من الوقائع الموثقة التي نشرتها «نيويورك تايمز»، في عام 2006 قتلت الصحافية الروسية آنا بوليتكوفسكايا بعد إطلاق الرصاص عليها في شقتها السكنية؛ كذلك عثر على ناشطة حقوق الإنسان ناتاليا إيستيميروفا مقتولة في صندوق سيارة في يوليو (تموز) عام 2009؛ وبعد عدة أشهر لقي سيرغي ماجنيتسكي، المحامي الذي كان يحقق في فساد الحكومة، حتفه في السجن في موسكو بعد أن أبلغ عن تعرضه للتعذيب؛ وبعد عام في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2010، تعرض الصحافي أوليغ كاشين لاعتداء بالضرب بقسوة. ومؤخرا في فبراير عام 2015، قتل زعيم المعارضة بوريس نيمتسوف بعد إطلاق الرصاص عليه في موسكو. حظيت تلك القضية باهتمام واسع حيث كان نيمتسوف شخصا محبوبا ذا شعبية في روسيا والخارج، وكان معارضا قويا لبوتين، وكان من وجهة نظر مظاهرات ميدان الاستقلال في أوكرانيا عام 2014 بديلا مقبولا لبوتين. بعد مقتل نيمتسوف، أعلن الرئيس بوتين أنه سوف يحقق بنفسه في الحادث. وبعد ذلك بفترة وجيزة، انتشر افتراض أن مقتل نيمتسوف تم على يد فريق قديروف. إضافة إلى ذلك، ينتشر أيضا افتراض بأن قديروف يقف خلف مقتل بوليتكوفسكايا وإيستيميروفا.
تعزز من أدلة ذلك الاعتقاد حقيقة أن قديروف، الذي يتمتع بحضور قوي في مواقع التواصل الاجتماعي (على موقعي إنستغرام وتويتر تحديدا)، هدد شخصيات معارضة في عدة مواقف. على سبيل المثال، في فبراير عام 2016، تلقى زعيم معارض آخر وهو رئيس الوزراء الأسبق في حكم بوتين ميخائيل كاسيانوف تهديدا من قديروف عبر الإنترنت. وبعد ذلك الموقف بفترة وجيزة، تعرض كاسيانوف لاعتداء على يد رجال في أحد المطاعم. ومع أنه نجا من الاعتداء إلا أن حملة التشويه استمرت لمدة شهرين بعد أن أذاعت قناة «إن تي في» التلفزيونية الموالية للكرملين فيديو لمشاهد خاصة تجمع بين كاسيانوف وناشطة بريطانية.

تجتمع وسائل قديروف العدوانية في التعامل مع المشاكل مع حبه الشديد لبوتين. وهو يعلن عن هذا الشعور عبر صفحاته على مواقع التواصل الاجتماع بصفة أسبوعية. من المحتمل أن يكون ذلك نتيجة لمشاعر وطنية شخصية ومعها شعور بامتنان للمميزات المالية التي يحصل عليها قديروف من موسكو منذ أعوام وحتى الآن. يفهم الرئيس بوتين قيمة قديروف جيدا، ولا يتردد في استمرار تدفق المال إلى الشيشان. وكما نشرت «الإيكونومست»، رغم الركود الاقتصادي الذي تعاني منه روسيا، رفع بوتين حجم التمويل الذي يقدمه إلى الشيشان بنسبة 8 في المائة في عام 2016.
أثار صعود قديروف الأخير إلى الشهرة العالمية تساؤل الخبراء عن وضعه بالتحديد بالنسبة لبوتين وروسيا. بالنظر إلى معركة الشيشان الطويلة من أجل نيل استقلالها من روسيا، هل يعد قديروف خائنا لدمجه الجمهورية بقوة مع الاتحاد الروسي؟ لا يوجد كثير من الشيشانيين الذي يعارضون قديروف في تلك النقطة، حيث يتم تقديسه كزعيم، بينما يعتقد من حاربوا من أجل استقلال الجمهورية، أمثال أحمد زكاييف، رئيس وزراء الشيشان الانفصالية السابق الذي يقيم حاليا في لندن، أنه خائن.
على المستوى الدولي، صرح بعض المراقبين بأن قديروف عميل مارق، لا يستطيع بوتين أن يسيطر عليه أو أن يروضه. ويعتقد آخرون أنه تنين بوتين، بينما يراه البقية خادما مخلصا. يتضح في الواقع أن قديروف يجمع بين كل ما سبق. ولكن الأهم هو أنه ضمانة بوتين في الشيشان طالما تمكن بوتين من دفع مقابل ولاء قديروف.

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.