موسم الهجوم على السعودية من بوابة الوهابية - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

تقارير

موسم الهجوم على السعودية من بوابة الوهابية

20161028112414_00001

استبطان الديني في نقد السياسي لعبة خطرة

•دور أساسي للسعودية في المحافظة على السلفية كهويّة سلمية لعموم المسلمين من آفة الإرهاب..و المملكة هي الحل وليست المشكلة
•قاد الشيخ الألباني السلفية المعولمة .. وأبرز ما يميزه أنه صاحب خطاب شمولي ورؤية متماسكة
•الإشكالية في التعاطي السياسي مع السلفية المعاصرة هي نفي سياقها التاريخي والجغرافي وحصر ذلك على تجارب محددة سلفا بحسب الموقف السياسي من الباحث ومن ذلك التعاطي مع الوهابية
•كانت لحظة اغتيال الرئيس المصري السادات ولادة للأصوليات المتلبسة بالخطاب الديني المعاصر

جدة: يوسف الديني

صعود البحث السياسي عن السلفية يعود إلى الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، فلم تكن ذات بال خارج الدراسات الأكاديمية المتصلة بتراث المسلمين المبكر، إلا أن التناول الأولي للسلفية جاء في شكل الإدانة البحثية عبر ربطه بموضوع «الأصولية» الصاعدة بعد أن اختلط مفهوم السلفية المحافظة بالسلفيات الأصولية المسلحة والتي تماست مع السلفية الأم في الأصول العقدية باستثناءات كبيرة أهمها مسألة الحاكمية والخروج على النظام وتغيير المنكر بالقوة.
أسست السلفية الأم أيضا لسلفيات جديدة لا تتقاطع مع السلفية التيار العريض الذي اكتسب موقعا متقدما بعد التدوين الثالث للإسلام، إذا ما أخذنا في الاعتبار مرحلة المطابع الجديدة والتي أعادت جذوة البحث السلفي بعد عصور الانحطاط بعد أن التفت مفكرو النهضة من جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده إلى الخطاب السلفي من زاوية الإصلاحية الجديدة في عصر هيمنت عليه خطابات لا عقلانية.

لحظة الولادة

الأصولية ذاتها لم تكن أمرا ذا بال منذ لحظة انبعاثها في مرحلة ما بعد التحرر الوطني وانتهاء الاستعمار حتى ساهمت في تغيير الواقع السياسي في البلدان العربية وكانت لحظة اغتيال الرئيس المصري السادات ولادة للأصوليات المتلبسة بالخطاب الديني المعاصر ومنها السلفية التي لم تكن تمثل سوى المظلة العامة للإسلام السني الفاعل، لكنها وبسبب ضبابية المفهوم من جهة ورمزيته في اختزال وابتلاع حقبة التاريخ الإسلامي كانت المتهم الرئيسي بينما كانت تصارع السلفية المحافظة والمهادنة طيلة مساراتها وتجليّاتها في حماية السلطة القائمة في انتزاع شرعية المصطلح وإرثه التاريخي من جماعات الإحياء الديني التي تحولت لاحقا إلى خطاب مستقل عرف بالإسلام السياسي وانسدلت منه معظم الحركيات السياسية ذات المنزع الديني من السلفية الانقلابية وصولا إلى السلفية الجهادية ثم حركات الإرهاب المسلح وصولا إلى «داعش» التي تحاول كنظيراتها «القاعدة» وأخواتها، الانتساب لمفهوم من شأنه خلق أجواء من الشرعية الدينية للتيار الأكثر فعالية والأعرض في مستوى التمثيل في طول العالم الإسلامي وعرضه حتى في البلدان التي كانت تنتزع خصوصيتها الدينية كمصر الأزهر والمغرب وأفريقيا المتصوفة وجيوب الحركات الإسلامية في العالم التي كانت تنخرط في الإسلام السياسي باعتباره هويّة جامعة متحيّزة وليست ضبابية ذات منزع أخلاقي متشدد كالسلفية التي كان رموزها يعوذون كما قال محمد عبده ذات مرة من ساس ويسوس وكل ما يتصل بعالم السياسة.

إشكالية المصطلح

تبدو الإشكالية في أسها حول المصطلح واشتقاقه وتحوله إلى مفهوم ضبابي شديد العمومية والاتساع وفي الوقت ذاته يتم استخدامه على شكل ضيق ومحدود من قبل جماعات تتخذه سلاحا طاردا لخصومها أكثر من كونه مصطلحا معروفا لها كما هو الحال في السلفية التكفيرية والمقاتلة، بينما يتسع في استخداماته لسلفيات أخرى كالمحافظة والعملية وسلفية أهل الحديث ليكون مماثلا للترسيمات الأخرى لأهل السنة والجماعة التي تضم كل أطياف الإسلام السني في التميّز عن الإسلام الشيعي، ومن جهة ثالثة فلسفية تأتي السلفية دليلا على المناهج والأعراف في التعاطي مع النص، وهنا يقترب من حدود مماثلة للأرثوذكسية المسيحية وتدخل فيه أغلب الطوائف التي تستخدم أدوات سلفية بمعنى المناهج التقليدية في فهم وتداول النص، إلا أن إسقاط السلفية على الواقع يعني تحوله من النطاق المدرسي المفاهيمي إلى الحدود الضيقة للواقع بمعنى انتساب جماعة معاصرة ذات حدود جغرافية محددة وسياج من الاختيارات العقائدية والفقهية باعتباره ممثلا للسلفية وهنا يتحول المفهوم من كونه سقفا للتعاطي التقليدي مع النص والواقع إلى التحيّز المعرفي والسياسي المنحاز نحو اختيارات محددة ليس على مستوى الاعتقاد أو الشريعة بل حتى على مستوى الواقع السياسي المعاصر والموقف من جزئياته المختلفة.

التعاطي السياسي

نيل الأوطار
نيل الأوطار

الإشكالية في التعاطي السياسي مع السلفية المعاصرة هي نفي سياقها التاريخي والجغرافي وحصر ذلك على تجارب محددة سلفا بحسب الموقف السياسي من الباحث، ومن ذلك التعاطي مع المدرسة السلفية الكبرى التي يطلق عليها تارة الوهابية وأحيانا السلفية المتشددة وألقابا أخرى مع أنها ليست التجربة الوحيدة في الانتساب للسلف أو تبني المناهج والأعراف المحافظة في فهم النص والتعامل مع الواقع، فهناك حركات عديدة تبنت الخيار السلفي، فهناك حركات سلفية ذات مرجعية خاصة ومستقلة أغلبها تبنت خيار أهل الحديث وهي أقدم مدرسة سلفية نصّية محافظة ما بعد التدوين الأولي للنصوص الدينية في التاريخ الإسلامي، وتأتي مدرسة أهل الحديث الهندية «الديوبنادية» ومن أهم أعلامها ولي الله الدهلوي وهي حركة خرجت من دلهي كواحدة من أهم التجارب السلفية ذات الامتداد التاريخي حتى يومنا هذا، كما أن حركات أهل الحديث وسلفية أهل اليمن التي قادها الشيخ الشوكاني (1834م) صاحب المؤلفات ذائعة الصيت وأهمها «نيل الأوطار»، إضافة إلى حركات سلفية في المغرب العربي والشام ومصر وبلدان العالم لم تأخذ حظها من الدرس والانتشار لأنها لم تكن كالحركات السلفية الكبرى حركات عابرة للقارات وحدود الدولة القطرية الضيّقة حتى وصل بنا المقام إلى السلفية المعولمة التي قادها الشيخ محمد ناصر الدين الألباني (1999م) المؤسس الحقيقي للسلفية العالمية وكل هذه السلفيات تشترك في عموميات التعامل مع النص والواقع والمجتمع.

سلفيات متعددة

من أبرز ما يميز الألباني عن باقي رموز الدعوة السلفية المعاصرة هو أنه صاحب خطاب شمولي ورؤية متماسكة، يمكن الاستدلال عليها عبر مواقفه وفتاواه وردوده على مخالفيه. فهو يجعل حجر أساس دعوته إحياء العودة إلى الكتاب والسُّنة وفق منهج محدد هو المنهج السلفي باعتباره معيارا لتطبيق النصوص وتجسيدها على أرض الواقع. هذه الإحيائية الألبانية هي مدخل «التغيير» لواقع المسلمين الذي يقر الألباني بأنه واقع مؤلم مليء بالانهزامية. فهو يرى أن المجتمعات المنتسبة للإسلام مجتمعات – في مجملها – لا تسير وفق تعاليم الإسلام، وهي ذات الرؤية الانكفائية المنعزلة التي تطرحها جماعات الإسلام السياسي.
لكن التغيير وفق الرؤية الألبانية لا ينطلق من الهرَم السياسي، بل يتم بشكل تدريجي عبر تغيير «القاعدة الشعبية» وتصورها وتمثُّلها للإسلام السلفي، وذلك عبر طرح قضايا كبرى كقضية التوحيد والشرك والبدع والأفكار الدخيلة على إسلام السلف، والاعتماد على صحيح النصوص وإحياء التفكير الإسلامي الحُر، بعيدا عن التقليد والجمود المذهبي الذي أبعد المسلمين عن الدين النقي الخالي من شوائب المذهبية، ومن هنا تكمن أهمية دعوة الألباني الشمولية، فهي دعوة تحررية على مستوى النصوص، وتحررية على مستوى آليات فهم النصوص، وهو الأمر الذي يفسر أن المتأثرين بالألبانية ذوو مشارب مختلفة منهم الجهادي والتكفيري والجهيماني، وحتى من يسمون بـ«الجامية»، كل هؤلاء ينطلقون من منهجية الألباني التحررية لكنهم يختلفون في النتائج، والاختلاف في النتائج إنما يأتي فقط من الاختلاف عن الألباني في فهم الأولويات المعاصرة وتقديمها.

لماذا الانتساب؟

يذهب الألباني إلى أبعد من هذا باعتبار أن الانتساب للسلفية جزء من العصمة من الخطأ باعتباره انتسابا للفرقة الناجية حيث يقول: «أما الذي ينتسب إلى السلف الصالح؛ فإنه ينتسب إلى العصمة – على وجه العموم – وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من علامات الفرقة الناجية أنها تتمسك بما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وما كان عليه أصحابه. فمن تمسك بهم يقينا كان على هدى من ربه». كما يرى الألباني من جهة أخرى أن مجرد الانتساب للكتاب والسنة بإطلاق، لا يكفي في هذا الزمان لسببين: «أحدهما متعلق بالنصوص الشرعية. والآخر متعلق بالطوائف الإسلامية. بالنسبة للسبب الأول، فنحن نجد أن في النصوص الشرعية أمرا بطاعة شيء آخر إضافة إلى الكتاب والسنة كما في قوله تعالى: «أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ» فلو كان هناك ولي أمر مبايَع من المسلمين؛ لوجبت طاعته كما تجب طاعة الكتاب والسنة.. أما بالنسبة للسبب الثاني؛ فالطوائف والأحزاب الآن لا تلتفت مطلقا إلى اتباع سبيل المؤمنين، الذي جاء ذكره في الآية وأيدته بعض الأحاديث منها حديث الفِرق الثلاث والسبعين، وكلها في النار إلا واحدة».
ويضيف الألباني: «لا بد من نسبة مميزة دقيقة في هذا الزمان، فلا يكفي أن نقول: أنا مسلم فقط، أو مذهبي الإسلام؛ فكل الفِرق تقول ذلك؛ الرافضي والإباضي والقادياني وغيرهم من الفِرق، فما الذي يميزك عنهم؟! ولو قلت: أنا مسلم على الكتاب والسنة لما كفى أيضا؛ لأن أصحاب الفرق – أشاعرة وماتريدية وحزبيين – يدَّعُون اتباع هذين الأصلين كذلك. ولا شك أن التسمية الواضحة الجلية المميزة البيِّنة هي أن نقول: أنا مسلم على الكتاب والسنة، وعلى منهج سلفنا الصالح، وهي أن تقول باختصار: أنا سلفي».

السلفية الحركية

دعوة الألباني قد أثارت العديد من التيارات الإسلامية ذات الطابع السياسي والحركي، فهم يرون في دعوة الألباني جوانب إيجابية تتمثل في التحرر من التقليد ونقد المؤسسات الدينية الرسمية، لكنهم من جهة ثانية يعانون من النقد اللاذع من طرف الألباني ومدرسته للجماعات الإسلامية بوصفها لا تهتم بالعلم الشرعي، فهي بالتالي لا تمارس «التصفية والتربية» على المنهج السليم. وفي مقابل ذلك فإن رموز هذه التيارات قد تناولوا الألباني ودعوته، بشكل مباشر أحيانا وبشكل غير مباشر في أغلب الأحيان، بسبب السطوة الرمزية التي يملكها الألباني في الوسط السلفي، مما يجعل أي نقد مباشر له ضربا من الانتحار الذاتي لشرعية منتقديه أمام النخب السلفية.

الشيخ الألباني
الشيخ الألباني

من أبرز ما ينتقده تيار السلفية الجهادية على الألباني ومدرسته العلمية، أنهم يرون أنهم برفع شعار ترك السياسة وبعدم تكفيرهم لمن يحكم بغير الشريعة، فهم يشرْعنون للأنظمة الحاكمة، ويستدلون على ذلك بفتاوى الألباني في مسألة فتنة الجزائر، إضافة إلى آرائه النقدية لحركات التمرد الجهادي التي تكفِّر الأنظمة ووقوفه حجر عثرة ضد فكرة المقاومة عبر فتواه الشهيرة بضرورة خروج الفلسطينيين من فلسطين، والهجرة منها اتباعا لمنهج القرآن في شأن المستضعفين. كما يستدلون بمسلك أبرز تلامذة الألباني في موقفهم من السياسة كالشيخ محمد أبي شقرة الذي ينقل عنه ناقدو المدرسة الألبانية قوله: «أحسبُ أن مقولة: (دعْ ما لقيصر لقيصر وما لله لله)، كلمة حكيمة تصلح لزماننا

والحال أن السلفية، شأن كثير من المفاهيم التي نتداولها في فضاءاتنا الثقافية، مفهوم ملتبس ومغو من حيث الدلالة والتمثلات على الواقع، حيث انتقل البحث فيه من الدرس المعرفي والتتبع التاريخي إلى الصراع الآيديولوجي، وهذه النقلة التي سببت الالتباس اقترنت بغواية تكريسه نسقا ومفهوما قارا شديد السكون استنادا إلى ماضويته التي تعني توقف عجلة الزمان عند لحظة الأسلاف الأوائل، وهذا بدوره ساهم في تعثر كثير من المعالجات عن فهم ظاهرة السلفية المعاصرة وما فيها من «ميكانيزمات» الحداثة المقلوبة، حيث الارتهان إلى الحاضر بكل أدواته وصولا إلى الماضي العتيق كنوع من التفكير والعمل والممارسة بأثر رجعي. إذن نحن نتحدث عن «سلفيات»، وبالأخص حين نريد فهم ظاهرة السلفية الجديدة التي يجب أن نعترف – مع كل مواقفنا النقدية والرافضة لمضامينها الآيديولوجية – بأنها من أسرع المدارس الدينية والفقهية انتشارا، حيث تنتمي إليها شرائح متعددة من أبناء المجتمعات الإسلامية من أعلى الهرم وحتى القاعدة العريضة من الجماهير؛ فضلا عن التعاطف الكبير الذي تحظى به من قبل كثير من المسلمين التقليديين الذين باتوا يماهون بينها وبين الإسلام ذاته، باعتبارها الممثل الأجدر لنصوصه وقيمه.

العلاقة بالعنف

واليوم تخرج السلفية من مخبئها المحافظ لتصبح أكثر المفاهيم والتيارات والمصطلحات تداولا على خلفية نسبة العنف أو الإرهاب الذي تمارسه جماعات باسمها إما عبر الانتساب المباشر، أو الالتقاء في المرجعيات العامة والتي هي مصب كل الأفكار ذات الطابع السني مع تحوير وتثوير عبر آليات الاجتزاء والنقل والبتر وليس التأويل في أفضل الحالات حيث فقهاء الإرهاب ليس لديهم الملكة والأدوات لفهم النص عبر قواعده الراسخة بامتداد تاريخ المدارس الإسلامية السنية، والسؤال: هل السلفية مفهوم محدد يمكن الإشارة إلى ملامحه بشكل منهجي بعيدا عن السياق التاريخي وبمنأى عن عوامل المكان/ الجغرافيا الثقافية التي تؤثر في طريقة تداول الأفكار أي تحويلها إلى معتقدات معيشة تتنفس هموم الناس واحتياجاتهم وتتحرك بينهم؟
الجواب «لا» مكبّرة حيث تتنوع السلفيات بحسب اختلاف الزمان والمكان والسياق التاريخي، لكن الإشكالية ولدت حين تم طرح السلفية والهجوم عليها بدوافع سياسية محضة، ويتم استعداء خصوم السلفية من المنافسين على كعكة الخطاب الديني عليها، هذا الهجوم كان يتداول بشكل خافت حيث كانت السلفية تتهم كحديقة خلفية يتم فيها صناعة الإرهاب والعنف الديني، والآن في ظل صعود خطاب الإسلام السياسي الذي يتم التعامل معه كبديل معتدل في مرحلة ما بعد الثورات، في ظل أن السلفية كانت توصم بأنها أكثر الآيديولوجيات الدينية ممانعة لأي تغيير سياسي، في ذات الوقت تتهم السلفية بأنها وراء المحاولات الانقلابية أو خطاب المعارضة في كثير من الدول الإسلامية، ولذا يحق للباحث المنصف الذي يلمس أوجه الاختلاف والتباين بل والتضاد بين عدد من السلفيات المعاصرة التساؤل: عن أي سلفية يتحدثون؟

سلفية عابرة للحدود

هل سلفية ضواحي باريس المنتشرة بين الجاليات هناك وتنتعش في الفضاء الإلكتروني على الإنترنت تتشابه مع الجماعات السلفية في الصومال أو جماعات أهل الحديث السلفية العريقة في الهند والمنقطعة تقريبا عن أي سياق غير محلي حيث تخوض سجالاتها اللاهوتية مع قضية التصوف باعتباره منافسا اجتماعيا؟ أليست السلفية في مصر ضاربة الجذور منذ جماعة أنصار السنة ورشيد رضا، ولاحقا المخاض السلفي الكبير الذي يعد الشيخ الألباني الأب الشرعي له إذا اعتبرنا أن السلفية كتيار معولم عابر للقارات تحول جديد تم على رافعة الصحوة الإسلامية التي انتعشت في السبعينات الميلادية واشتد أوارها في الثمانينات قبل أن يخفت ما بعد الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)
من نافلة القول إن الحالة الإسلامية المعاصرة – إذا وسعنا مفهوم السلفية في شكلها الإحيائي الشعائري الشعبي – هي حالة سلفية، وذلك يرجع إلى عدة أسباب من أهمها طبيعة خطابها المعتمد على لغة بسيطة ومفاهيم يتم البرهنة عليها بحجج سهلة ومباشرة تجد طريقها إلى عقول العامة؛ فنبذ الخرافة والعودة إلى الأخذ بدلالات النصوص دون وساطة وربط الهوية الدينية بالسياق الاجتماعي المحافظ.. محددات للخلاص في ظل واقع دنيوي معقد ومربك روحيا.
من جهة أخرى، فإن انتعاش السلفية في العصر الحديث لا يمكن إرجاعه لأسباب تتصل بخطابها المباشر المحدد والشعبوي؛ فهناك خطابات أخرى تحمل ذات الصفة؛ لكن يمكن الحديث عن تأثيرات أخرى ذات مدلولات سياسية مثل دور السلفية في بناء الشرعية للأنظمة حتى تلك التي قامت على شعارات قومية أو يسارية، فالواحدية الدينية المتمثلة في نبذ المختلف والشريك والمغاير تمثلت في واحدية سياسية في دعم الاستقرار الذي وصل في بعض تجلياته إلى التبرير للاستبداد والرأي الفرد، وهو الذي يفسر تلكؤ الخطاب السلفي الحديث إذا استثنينا بعض القفزات الهوائية في قبول الديمقراطية والتعددية.
الأكيد أننا أمام سلفيات عديدة متشعبة ومعقدة تختلف من بلد لآخر ولا يمكن الحديث عن سلفية واحدة تم تصديرها كسلعة ثقافية، فمفهوم التثاقف أو ما يسمى في العلوم الاجتماعية «التماس الثقافي»، وهو طريقة انتقال ثقافة أو آيديولوجيا معينة وتفاعلها.
لا يكفي في نقد السلفية اتخاذ موقف عدائي منها أو استبدال عدو الإرهاب الافتراضي إلى عدو آخر من لحم ودم اسمه السلفية.. فأكثر القرائن والدلالات الإحصائية تشير إلى ازدياد تنامي تيار السلفية بكل تنويعاتها، فهي تتحول بفعل نجاحاتها على مستوى الأدوات وبساطة الخطاب إلى هوية قارة تتشكل بحسب البلد الذي تستقر فيه.
من جهة ثانية هناك تنامي التعاطف مع السلفية عند شرائح عديدة من المجتمع من التكنوقراط والمثقفين، حيث يتجاوز شريحة المتدينين إلى بعض القوميين وتيار اليسار، حيث يفضلون الانحياز إلى كل ما هو معاد للغرب، والولايات المتحدة الأميركية بشكل خاص، باعتبار أنها حددت السلفية كخصم لها في إعادة تعريفها لهوية الإسلام المعتدل من وجهة نظرها.

التطور في الخطاب

السلفية تعيش تطورات ضخمة على مستوى الخطاب والمفاهيم، كما أن هزات الواقع تجعلها تغير من خطابها، إلا أن الحق أن عالمنا العربي والإسلامي حالة من السلفية الكونية التي باتت نسقا معولما يضاد العولمة الغربية على كل المستويات، فأي إصلاح سياسي تعرقله السلفية السياسية التي تنزع إلى بقاء كل شيء على مكانه، ومشاريع التنمية تتطلب تجاوزا لعقلية السلفية الاقتصادية التي ما زالت متحفظة ومرتابة ضد أي انفتاح اقتصادي يتطلب سن قوانين جديدة تتمتع بمرونة عالية، وعلى المستوى الاجتماعي فالأمر يبدو جليا وواضحا حيث حالة النكوص والانجذاب نحو الماضي ومنطق العشائرية الاجتماعية ودعم كل إجراءات تثبيت الخصوصية في مقابل موجات العولمة المكتسحة لأنماط المعيشة والسلوك. نحن في أمس الحاجة الآن إلى تفكيك هذه السلفيات والكشف عن تناقضاتها الداخلية واحتكامها إلى الانتقائية، خاصة إذا علمنا أن استنطاق التراث وقراءته بشكل معرفي محايد يقودانا إلى تعددية هائلة تتيح لنا أن نستخلص أدوات ونماذج يمكن أن نتعايش معها بشكل متوازن بين متطلبات العصر وكل ما هو إيجابي وصالح من موروثنا الديني والتاريخي والسياسي؛ دون الحاجة إلى إحداث قطيعة لا يمكن تبيئتها داخل المجتمعات الإسلامية التي تعيش فصاما نكدا بين واقع تريد قسره بمنطق الماضي.. ذلك الذي يسكننا بعيدا وغائرا.

الهجوم على السعودية

اليوم بعد نحو عقد ونصف العقد من الفهم الخاطئ لآفة الإرهاب، على العالم الغربي أن يعي أهمية دور السعودية في المحافظة على السلفية كهويّة سلمية لعموم المسلمين من آفة الإرهاب، فالمملكة بهذا الاعتبار هي الحل، وليست المشكلة، وهذا ليس لأنها تملك حلا سحريًا خاصًا، بل لأنها أكثر من اكتوت بنار الإرهاب وعانت من نتائجه وتأثيراته السياسية والاجتماعية منذ أن كان بذرة صغيرة على المستوى المحلي (حادثة جهيمان)، إلى أن نما بفعل مكونات خارجية وإهمال دولي ورغبة في التخلص من العدوان السوفياتي (مرحلة أفغانستان) إلى أن بات حالة معولمة مستقلة لا علاقة لها بدين أو مذهب أو آيديولوجيا، وما لم تعد الدول الغربية التي تعاني بين فترة وأخرى من وباء الإرهاب، النظر في تقدير ردات فعلها بعد كل حادثة وما يرافق ذلك من إطلاق سيل التهم والتلميحات من قبل الصحافة سواء اليمينية (طوال الوقت) أو حتى الإعلام المعتدل (عادة بعد كل حادثة إرهابية)، فإن أزمة الإرهاب ستتمدد وتبقى، وسيكون جزءا من اتهام دولة كالمملكة العربية السعودية تعد الأكثر معاناة من هذا الوباء والأكثر فعالية في محاربته وإيقاف الكثير من الهجمات على مستوى الحاضر، بل ولا يمكن تصور حل نهائي وجذري للقضاء على الإرهاب فكرًا وممارسة إلا بدور شاق وكبير من المجتمع الدولي ككل، وفي المقدمة السعودية التي تملك خبرة ونضجًا في هذا الملف يتجاوز الكثير من الدعايات المختلقة من دول ترعى الإرهاب علنًا وتفتح أذرعًا داخل دول أخرى عبر المعارضة السياسية أو حتى الخلايا السرية لتقويض استقرار الدول.

محاولة ترحيل المشكلة وتبسيطها كل مرة عبر وضع أي إرهابي منتسب للإسلام إلى سياق الوهابية التي تعني بالضرورة الخطاب الديني السعودي، وهذه مغالطة كبيرة سببها الخلط بين الإسلام كدين والحركات الإحيائية في تاريخه، ومنها الوهابية، وبين ما انتسب إلى هذه الحركات وتفرع عنها، وبالتالي يمكن القول إن الوهابية التي باتت شماعة ترحيل المشكلات سواء في بعض الأصوات الغربية أو حتى الأصوات العربية ليست إلا حركة دينية محافظة إحيائية ضمن سياق أكبر ومظلة كبيرة اسمها السلفية، هذه المظلة تضم تحتها ما يربو على أربعين تيارًا منها تيار محافظ جدًا يرى ضرورة طاعة السلطات حتى لو كانت غربية في سبيل عدم إحداث الفتنة.
«السلفية المحافظة» وهي التيار الأعرض على مستوى المؤسسات الدينية الرسمية سواء في الخليج أو في عدد من الدول العربية، ولهذا التيار مشايخ وعلماء يمكن أن يلعبوا دورًا كبيرًا في التأثير على الخطاب الديني العام في العالم الإسلامي الذي تعتبر فيه السلفية بمعناها العريض المحافظ الصوت الأقوى إلى أجل غير مسمى، وكل حديث يقفز على هذه المسلّمة سواء من التيار الديني المناقض أو الحركي لأسباب سياسية أو حتى التيارات العلمانية التي تتناول ظاهرة التدين بسطحية شديدة، يعد إضاعة للوقت والجهد.

سجل السعودية في مكافحة الإرهاب

والحال أن سجلّ السعودية في مكافحة الإرهاب غير مسبوق، فقد كان قدرها أن تعرف التنظيمات الراديكالية المتطرفة قبل أي دولة أخرى في الشرق الأوسط، كما أنها تعرضت لهجمات الإرهابيين في الداخل أكثر من أي دولة أخرى، لكنها في النهاية تمثل قلب العالم الإسلامي بما يحمل ذلك من ثقل ديني وسياسي يحولها إلى مرمى نيران الإرهابيين من كل مكان. وبسبب تداخل مفهوم الدين والتديّن وعقود من استثمار جماعات الإسلام السياسي في الداخل، حضرت مفاهيم عنفية بدوافع سياسية منذ منتصف السبعينات لتتوج بحادثة جهيمان، ثم ما تلاها من تغوّل للتشدد الديني لتعود بعد حرب الخليج، فتقارع على عدة جبهات المتشددين، والإسلام السياسي، وأيضا الحفاظ على المؤسسات الدينية والتعليمية من أي اختراقات آيديولوجية، لكننا نعلم أن تاريخ التحوّلات في مسار الأفكار الكبرى بطيء وبحاجة إلى دفع ذاتي عبر تبني برامج طويلة المدى فيما يخصّ الشباب والخطابات السائدة التي تمثل في أوقات ما «سلطة» معرفة لها مفعول أقوى من أي سلطة أخرى، فمن الصعب أن تحاصر الأشخاص المستلبين لفكرة الانتحار في سبيل تحقيق مآرب جماعات إرهابية تعدهم بدولة الخلافة على الأرض أو بخطابات الشهادة والخلاص، وكل من الخطابين من السهل أن يشق طريقه إلى عقول فئات سنية معينة تجتمع فيها عدة ظروف نفسية واجتماعية وفكرية تؤهلها لتبني أفكار كهذه.
هناك تركيز كبير على «العناصر» السعودية في كل مناطق التوتر، وهذا راجع إلى جملة من الأسباب تتصل بطبيعة تحول «السعودي» المقاتل إلى قيمة إضافية خارج قدراته الذاتية، فهو عامل دعائي مهم ومزدوج من حيث استخدامه ورقة ضغط سياسي، كما أنه عامل استقطاب لكوادر جديدة محملة عادة بالتمويل والدعم والمساندة أحيانًا للأسف من الأهل عن جهل وخوف من التواصل مع السلطات.

منذ أن انبثق الإرهاب بشعارات دينية ودوافع سياسية في منتصف السبعينات وهو يفرز أنواعًا معقدة وجديدة من الطرائق والاستراتيجيات مستفيدًا من التطور الهائل الذي يعيشه العالم، وغير مكترث للحرب عليه لأنه في النهاية يستهدف الكوادر العنفية على أبعد تقدير، لكنه لا يمسّ المناخ العام، ولا الفضاء الديني الذي فقدَ مرجعياته منذ انقلاب الإسلام السياسي على المرجعيات التقليدية، ومنذ تحول التيارات المناهضة للإسلام السياسي إلى تفسير الإرهاب عبر حصره في «التطرف الفكري»، في حين أن هذا التطرف هو واحد من جملة عشرات المفاتيح لفهم هذه الظاهرة المتنامية والمعقدة.
مرحلة «الجهاد» تحت راية شرعية كانت شرارة البدء وكان «مطبخ بيشاور» ومرحلة أفغانستان الطور البدائي لتكوين عمل مسلح خارج نطاق الدولة وبمباركة المجتمع الدولي آنذاك، ثم إرهاب «القاعدة» ما قبل العولمة كان يستهدف «إخراج المشركين»، وبعد تحالف بن لادن والظواهري لتصبح «القاعدة» ظاهرة عالمية، ودخلت ما تسمى «السلفية الجهادية» على الخط، وهي منتج صنع خارج البلدان العربية وتحديدًا في العواصم الغربية التي احتضنت قيادات إرهابية بارزة، والتي كونت مع منظر «الجهاد» أبو محمد المقدسي مرجعية للعنف المسلح جديدة قوضت كل الأطر والاشتراطات التي كانت تأتي من خارج «الجماعات الجهادية». لاحقًا انشق الإسلام السياسي ثم ترهلت المرجعيات الدينية، ليصبح «الإرهاب» سلعة سياسية رائجة لدى الجميع، ثم ظهرت أشكال جديدة: «إرهاب الهويات القلقة»، «الإرهاب الأشقر» الأوروبي، «إرهاب الذئاب المعزولة» في ضواحي العواصم الغربية، ثم «الإرهاب الفردي» المجند عبر أقانيم الإنترنت، لنصل إلى «داعش» المزيج مما سبق لكنه يسعى إلى تكوين الخلافة والدولة المزعومة ويرفع شعارات سياسية ويستهدف كوادر من كل أنحاء العالم، ويترشح أن تولد أشكال جديدة كلما تطورت الحالة السياسية، ومع وجود إرهاب ذي مرجعية شيعية في سوريا والعراق فإن إنتاج أشكال جديدة من الإرهاب السياسي الذي تقلص فيه الحضور الديني مرهون بالمناخ السياسي العام الميّال إلى تصعيد الميليشيات.

حرب وجود وعدم

هل ثمة شيء مفاجئ من الانتقال من «إخراج المشركين» الشعار الناعم الذي كانت «القاعدة» تبيعه للفضاء الديني بكل أطيافه المعتدلة والرسمية والحركية إلى تفجير المصلين الذي يستنكره المتطرفون، بل وبعض المتعاطفين مع «داعش» باتوا يناقشون في أروقة «المنتديات الجهادية» جدواه في تشويه صورة التنظيم؟!
الحرب على الإرهاب هي حرب وجود وعدم لا يمكن تأطيرها بإطار زمني، لكننا بعد مرور هذه السنوات نحن بحاجة إلى حوار مع الذات أكثر من أي وقت مضى، فالخطابات المتطرفة المتعاطفة باتت فكرًا معولمًا يجد محاضنه في أزقة وشوارع الغرب وضواحيه أكثر من البلدان الإسلامية، وجموع المقاتلين الوافدين إلى «داعش» من أوروبا وشرق آسيا وبلدان المغرب العربي تفوق بمراحل المقاتلين الذين يصدرون للواجهة بسبب جنسياتهم الخليجية.
ما يقوله الإرهاب اليوم بوضوح هو أنه بلا لون أو جنسية أو دين، وهذا ما ستؤكده الأيام المقبلة بغض النظر عن الفاعل، ذلك أن كل عملية إرهابية تضرب بفوضاها عالم اليوم ترسخ الاعتقاد بأن التطرف والعنف حالة مستقرة تنتظر مسبباتها وليس مجرد احتقان أو موجة عابرة.. تختلف المرجعيات وتتباين الدوافع، لكن يظل المحرك والخطاب النظري متشابهًا حيث التعصب لا دين له ولا مذهب.

12 مايو (أيار) السعودي كان إحدى موجات الارتداد التي جعلت السعودية تلتفت جيدًا إلى «القاعدة»، إلى الحد الذي صرح معه الملك عبد الله بن عبد العزيز بأن معركتنا مع الإرهاب طويلة جدًا، ومن ثم تحول «العنف» من أجندة يمكن تبريرها لمكتسبات خارجية إلى مشكلة تمس الذات، ترمل الأم وتخطف الابن وتدمر الممتلكات. هذا العنف الذي كان من قدرنا الجيد أن تتعملق «القاعدة» وتخرج من جحورها الصغيرة في أفغانستان، ومناطق التوتر، لتضرب أوروبا، في الوقت ذاته الذي تدمر فيه في المغرب وإندونيسيا واليمن.
عولمة الإرهاب عبر أذرع التنظيمات الإرهابية من «القاعدة» إلى «داعش» أعادت صياغة مفاهيمنا حول الذات والآخر على نيران غير هادئة، صحيح جدًا أن الأنظمة العربية ظلت راكدة بفعل حالة الارتخاء التي سببتها الحالة الأمنية فيما يتصل بالحقوق السياسية، إلا أن المقبل لم يكن في الحسبان.
في دول الخليج التي مسّها الإرهاب بسوء، ولم تمسسها رياح ما عرف بالربيع العربي، كانت التحديات أقل تأثيرًا رغم صعوبتها بعد الحادي عشر من سبتمبر، سعوديًا كان تحدي الإرهاب كبيرًا ومزدوجًا؛ فمن جهة، أعقبت الهجمات حالة ارتخاء على مستوى العلاقات السياسية، لكن الضربات الاستباقية على معاقل الإرهاب الذي مسّنا بأكثر مما مس الأميركيين أنفسهم أسهمت في فك تلك الازدواجية، بل وجعلت من السعودية لاعبًا رئيسيًا في ملف الإرهاب الذي ما زالت الدولة تنظر إليه بجدية بالغة.

Previous ArticleNext Article
يوسف الديني
يوسف عبدالله الديني - كاتب صحفي من السعودية يكتب حالياً في جريدة الشرق الأوسط درس مبكراً الإسلاميات ثم تخصص في العلوم السياسية يهتم بظاهرة الإسلام السياسي والحالة الدينية المعاصرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.