• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari
مجتمع

تفشي وباء الانتحار في إيران.. اليأس والفقر والبطالة أهم الأسباب

إيرانية تعاني من مشكلات نفسية تعالج بمركز "رحاب" للعلاج النفسي الذي يقع بالقرب من المشارف الغربية لطهران (غيتي)
إيرانية تعاني من مشكلات نفسية تعالج بمركز "رحاب" للعلاج النفسي الذي يقع  بالقرب من المشارف الغربية لطهران (غيتي)
إيرانية تعاني من مشكلات نفسية تعالج بمركز “رحاب” للعلاج النفسي الذي يقع بالقرب من المشارف الغربية لطهران (غيتي)

مدير الرابطة العلمية الاجتماعیة بطهران لـ«المجلة»: عدم امتلاك هدف في الحياة وفقد الأمل بالمستقبل من أسباب الانتحار في إيران

طهران: فيروزة رمضان زادة

لم يعد الانتحار خلال الفترة الأخيرة في المجتمع الإيراني أمرا غريبا ونادرا، وتحول إلى حدث يومي إلى حد ما؛ حيث لا يكاد يمر يوم واحد إلا ونسمع فيه أخبارا عن نسبة الانتحار، وطرق القيام به، في وسائل الإعلام الرسمية وغير الرسمية.
وأطلق بعض الخبراء على حالات الانتحار التي لا نهاية لها والأفراد الذين ينهون حياتهم طواعية، اسم «تسونامي» أو «وباء الانتحار» في إيران. وتفيد الإحصاءات أن معدل الانتحار في إيران هو 6 بين كل مائة ألف شخص.
وأصبحت الرغبة في الانتحار وارتفاع نسبتها حتى بين صغار السن وتلاميذ المدارس، أمرا شائعا، وبالتالي باتت الصحة النفسية للمواطنين في إيران بوصفها أحد أهم مؤشرات الصحة العقلية والنفسية، محط تساؤل.
وقامت وكالة العمال الإيرانية للأنباء (إيلنا) في 3 أبريل (نيسان) 2016 بنشر خبر عن أول حالة انتحار في العام الإيراني الجديد (الذي يبدأ في 21 مارس/ آذار) وذلك في ضوء غياب أي تفاصيل إحصائية بهذا الشأن. وأفاد الخبر بأن عاملا في مصنع للحلويات في مدينة مريوان انتحر بسبب انخفاض أجره ومشكلات مالية.

الشباب والمراهقين

تصدرت حالات الانتحار حرقا والانتحار بطرق أخرى بين العمال خلال الأعوام الماضية، عناوين الأخبار والصحف؛ حيث يعد نشطاء حقوق العمال أن عقود العمل المؤقتة والأجور المنخفضة والحد الأدنى للأجور، تشكل أسبابا لوقوع حالات الانتحار بين العمال.
على صعيد آخر، فإن حالات الانتحار في طهران، خصوصا بين الشباب والمراهقين، في الفترة التي تراوحت بين 20 أبريل و20 مايو (أيار)، تصدرت أكثر من غيرها عناوين وسائل الإعلام وأثارت القلق.

– في 5 مايو 2016، ألقت فتاة تبلغ من العمر 18 عاما نفسها من فوق جسر الولاية في طريق نيايش السريع بطهران.
– ألقى رجل مريض بمستشفى «الميلاد» في 29 أبريل، نفسه من طابق قسم الطوارئ بالمستشفى. ونجا الرجل، ولكن أسباب محاولة الانتحار لم تتضح.
– بعد يوم واحد، شنق رجل؛ 55 عاما، نفسه على جسر في شارع ميرداماد بطهران.
– ألقى رجل يبلغ من العمر 47 عاما بنفسه من الطابق الثالث لمستشفى «الميلاد» في طهران في 3 مايو، وذلك لأنه تعذر قبوله لعدم دفع الرجل 300 ألف تومان للمستشفى.
– أقدم أحد طلبة السنة الأخيرة في فرع اللغة والأدب الإنجليزي في جامعة شيراز في 14 مايو، على الانتحار.
– انتحر طالب يدرس الماجستير في جامعة سمنان في 18 مايو بإلقاء نفسه من أحد الطوابق في كلية العلوم الإنسانية.
– في اليوم نفسه، ألقت فتاة تبلغ من العمر 12 عاما في مشهد بنفسها من الطابق الرابع لإحدى البنايات، وذلك في طريق عودتها من المدرسة للبيت، وأنهت بذلك حياتها.
– أقدمت فتاتان مراهقتان؛ 15 و16 عاما، على الانتحار في حي شهرك غرب، في طهران، وحي شهرك بهاران في مدينة سنندج، في 7 يونيو (حزيران).
– قام طالبان يبلغان من العمر 22 و27 عاما ويدرسان في فرعي المحاسبة والهندسة الميكانيكية، بشنق نفسيها في 12 أغسطس (آب) في الجبال المحيطة بمدينة ياسوج.
– بعد يوم واحد، أنهت فتاتان مراهقتان في حي جنت آباد في طهران حياتيهما بإلقاء نفسيهما من سطح إحدى البنايات.
– في اليوم ذاته، أحرق رجل نفسه أمام المبنى رقم «2» التابع لمجلس بلدية طهران، وذلك احتجاجا على تجاهل مسؤولي قسم العلاقات العامة في هذا المجلس طلبا للحصول على قرض تقدم به الرجل.
– شنق شاب وشابة نفسيهما بشكل متزامن في 18 أغسطس في الغابات المحيطة بمدينة كياسر في ساري (شمال إيران).
– قام شاب يبلغ من العمر 26 عاما من قرية كليرد في منطقة محمود آباد في محافظة مازندران بشنق نفسه في سبتمبر (أيلول).
وهناك كثير من الأخبار الخاصة بالانتحار في إيران.
وبالتزامن مع ارتفاع نسبة الأخبار الخاصة بالانتحار في إيران، خصوصا حالات الانتحار على الملأ، أطلق وزير الصحة الإيراني حسن قاضي زاده هاشمي، في شهر مايو الماضي تحذيرا من تفشي حالات الانتحار في إيران، وناشد وسائل الإعلام «العمل على الحد من انتشار هذا الوباء».
وقال مساعد وزير الصحة للشؤون الثقافية والطلابية محمد رضا فراهاني، في سبتمبر الماضي إن نسبة الطلبة الذين يشتبه بأنهم يعانون من اضطرابات نفسية بلغت 40 في المائة، وهذا يتطلب إجراء أبحاث أكثر دقة لمعالجة الوضع.

الحكومات أحد أسباب ارتفاع معدل الانتحار في إيران

لمناقشة الأسباب الفردية والاجتماعية التي تؤدي للانتحار، ونظرة المجتمع إلى الذين يقدمون على إنهاء حياتهم، أجرينا حوارا مع مدير الرابطة العلمية الاجتماعیة في إيران مصطفى إقليما.
يقول إقليما لـ«المجلة»: «السبب في الانتحار في إيران هو اليأس وعدم امتلاك هدف في الحياة. عندما يفقد الفرد أمله في المستقبل، ولا يجد سببا للاستمرار بالحياة، ويفقد كل شيء قيمته في نظره، فلا يهمه إذا ما بقي على قيد الحياة أو لا. فهو يسأل نفسه عن الهدف الذي سيبلغه في حال عمل جاهدا أم اجتهد في الدراسة؟ تؤدي كل هذه العوامل، إلى جانب عبثية كل شيء وعدم امتلاك هدف في الحياة، إلى الانتحار».
ويرى هذا المتخصص في علم الاجتماع أنه «كان معدل الانتحار في المدن أكثر من القرى في فترة ما. لماذا؟ لأن القرى كانت تتميز بإشراف اجتماعي، وكان كل فرد يحترم الآخر. وكانت مكانة الأفراد تختلف في المدن والقرى. لم يكن يهتم الأفراد بعضهم ببعض في المدن، وبالتالي كانوا يعانون من الوحدة ويقدمون على الانتحار. وبالتزامن مع ارتفاع عدد السكان وتوجه القرويين إلى المدن، فقد قل للأسف مستوى الاحترام والإشراف الاجتماعي رويدا رويدا. وبالتالي، ارتفع معدل حالات الطلاق في القرى، وبات الطلاق أمرا مقبولا. وأصبح الانتحار متفشيا بين القرويين بسبب عرض أفلام ومواد إعلامية عن المجتمع في المدن، في المحطات الفضائية والتلفزيونية، مما ساهم في شعور القرويين بفارق طبقي بينهم وبين أبناء المدن، وارتفاع نسبة حالات الإحباط بين أبناء القرى، ورواج الانتحار بينهم».
وحول دور ومسؤولية الحكومة للحد من الانتحار، يقول إقليما: «في البداية، يمكن القول إن الحكومة تشكل سببا لارتفاع معدل الانتحار في إيران. شهدت البلاد ارتفاعا في معدل الانتحار خلال فترة رئاسة محمود أحمدي نجاد التي امتدت لـ8 سنوات. كما أن نسبة البطالة ارتفعت في فترة رئاسة حسن روحاني. توقف أغلب المصانع التي كانت تخلق فرص الإنتاج والشغل في إيران عن العمل، ولم تخلق فرص العمل خلال السنوات الأخيرة. يضطر الشاب العاطل عن العمل إلى القيام بالسرقة والفحشاء والعشرات من الأعمال غير القانونية. ينساق الفرد، لكل هذه الأسباب، نحو العبثية وعدم امتلاك هدف في الحياة. لماذا يحذر بعض خبراء النفس من ارتفاع نسبة الكآبة في إيران؟ يتجه الأفراد نحو الكآبة بسبب هذه العبثية وعدم امتلاك هدف، وبالتالي، يرتفع معدل الانتحار».

ضغوط إجتماعية

وقد أجرى «إقليما» تحقيقا ميدانيا؛ حيث طرح على عدد من الرجال المتزوجين في إيران سؤالا مفاده: «هل تستخدم الواقي الذكري لتفادي الإصابة بالإيدز؟ وقال أكثرهم إذا متنا اليوم فهو أفضل من أن نرى ما يحل بعائلاتنا في المستقبل. وقال أحدهم لا يهمني عدد سنوات العمر، بل المهم كيف أعيشها».
وأضاف: «هناك عوامل مختلفة تؤدي إلى الانتحار؛ منها غياب فرص العمل المناسب بعد التخرج، والبطالة، والضغوط الاجتماعية، وغياب الحريات الفردية في المجتمع. كل هذه العوامل تشكل ضغوطا ثقافية واقتصادية واجتماعية تسفر في النهاية عن الانتحار. فالفرد الذي يقدم على الانتحار ليس لديه ما يخسره، لأنه – بنظره – لا يحظى بالاحترام والسمعة الطيبة والمكانة الاجتماعية».

وأشار هذا الخبير في الشؤون الاجتماعية إلى ارتفاع نسبة الركود الاقتصادي والفقر والبطالة واليأس، وعوامل اجتماعية أخرى، في إيران، قائلا: «من الطبيعي تنامي حالات الانتحار في الفئات العمرية المختلفة في ضوء بلوغ البطالة والفقر مستويات الأزمة، والمشكلات الاجتماعية، وضياع الهوية، واليأس، والوحدة، وغياب الحب في الحياة، وارتفاع سن الزواج، والإدمان، وانتشار أطفال الشوارع، والضغوط النفسية الناتجة عن الدواميْن الصباحي والمسائي، والسرقة، والتسريح من العمل، والطلاق، والدعارة. وبالتالي، يمكن القول إن ظاهرة الانتحار لها صلة بالمشكلات الاجتماعية».

وقام إقليما بالمقارنة بين الوضع المعيشي للمواطنين الإيرانيين في فترة ما قبل الثورة الإيرانية والفترة الراهنة، قائلا: «كان الموظفون قبل الثورة يتسلم راتبا شهريا يبلغ ثلاثة آلاف تومان، الذي ارتفع الآن إلى مليون تومان؛ حيث تضاعف هذا المبلغ مائة مرة حاليا. على صعيد آخر، ارتفعت نسبة التضخم. لقد ارتفع سعر البنزين من 5 ريالات للتر إلى ألف تومان للتر، أي تضاعف سعر البنزين ألفي مرة. وارتفعت أسعار المواد الغذائية والسلع الضرورية بنسبة بين 15 و20 في المائة، مما أدى إلى ارتفاع حالة الفقر بنسبة بين 10 و15 في المائة للأسرة الواحدة. هذا؛ ناهيك بمشكلات اجتماعية أخرى، على غرار الطلاق، والسرقة، والقيام بالنشاطات المخالفة للقوانين في أماكن العمل».
وتفيد الأبحاث التي أجراها علماء الاجتماع بأن الظروف الاجتماعية المتدهورة في إيران، مثل الاضطرابات، وغياب الحريات الاجتماعية، وتفشي الكآبة، والمحرمات الخاصة بالجنس والشرف، وعشرات العوامل الأخرى، تمهد الأرضية لانتشار حالات الانتحار في المجتمع.

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.