• العدد الأسبوعي
مال وأعمال

الدينار الليبي يتهاوى أمام الدولار.. ومصير واردات النفط لم يحسم بعد

إحدى أسواق الأسماك في طرابلس العاصمة (غيتي)
إحدى أسواق الأسماك في طرابلس العاصمة (غيتي)
إحدى أسواق الأسماك في طرابلس العاصمة (غيتي)

الاقتصاد الليبي يدفع ضريبة الخلافات السياسية

طبرق (شرق ليبيا): عبد الستار حتيتة

يدفع الاقتصاد الليبي ضريبة باهظة للخلافات السياسية التي تضرب البلاد منذ سقوط نظام معمر القذافي في 2011. وتراجعت صادرات النفط من نحو 1.6 مليون برميل يوميا، قبل خمس سنوات، إلى نحو مائتي ألف برميل في النصف الأول من هذا العام.
منذ سيطرة الجيش الليبي بقيادة الجنرال خليفة حفتر على الموانئ النفطية منذ شهرين، يحاول الليبيون زيادة الصادرات إلى نحو 600 ألف برميل، لمواجهة التضخم وشح السلع وتأخر سداد رواتب الموظفين، لكن مصير عائدات النفط لم يحسم بعد، وسط تجاذبات بين القوى السياسية عن المصرف المركزي الذي يحق له وحده تسلم أموال التصدير.
ومنذ أكثر من سنة لم يتمكن الليبيون من حسم مشكلة انقسام المصرف المركزي بين مصرفين. الأول وهو الأساسي، كما يقول لـ«المجلة» المصرفي الليبي الإقيلمي، عمرو فركاش، وموجود في طرابلس برئاسة الصديق الكبير. والثاني موجود في مدينة البيضاء في الشرق برئاسة علي الحبري. وما بين هذا وذلك تعثرت الكثير من العمليات المصرفية الأساسية مثل توفير الأموال في الفروع المختلفة للبنوك في ليبيا. وهذا الأمر أثر بالسلب على توفر السيولة للمواطنين في المصارف سواء من العملة المحلية «الدينار» أو العملة الأجنبية «الدولار».

موانئ تصدير النفط

وفي شوارع طبرق التي يوجد فيها مقر البرلمان، تبدو الأزمة الاقتصادية واضحة للعيان على وجوه غالبية المواطنين. وبعد أن وقف عدة ساعات في طابور طويل أمام مصرف شارع الشهداء، يقول حسن أحمد وهو موظف في مشفى المدينة، إنه لم يتمكن من صرف راتبه من البنك لليوم الثالث على لتوالي. ويضيف: «لا توجد أموال». ويمنح تقدم الجيش وفرضه للسيطرة على موانئ تصدير النفط بعض الأمل رغم كل شيء. ويضيف الموظف: «ننتظر الفرج».
ومن المفترض أن المصرف المركزي في طرابلس يخضع لسلطة المجلس الرئاسي الليبي برئاسة فايز السراج، إلا أن بعض القيادات التابعة للمجلس الرئاسي يبدو أنها لا تريد أن تتورط في مشاكل قانونية، لأن الصديق الكبير محافظ البنك سبق عزله بقرار من البرلمان برئاسة المستشار عقيلة صالح. وعين بدلا منه، علي الحبري. وما زال كل من الكبير والحبري يمارسان أعمالهما، الأول من طرابلس، والثاني من البيضاء، ما يعد انقساما فعليا للمصرف المركزي في البلاد. ورغم التوصل لاتفاق سياسي ليبي برعاية الأمم المتحدة أنتج مجلس السراج، إلا أن مسألة تعيين محافظ للمصرف المركزي وعزله ما زالت في يد البرلمان.

ويقول المستشار إبراهيم عميش القيادي في البرلمان الليبي الذي يعقد جلساته في طبرق في شرق البلاد، لـ«المجلة» إنه في حالة استئناف تصدير النفط بكميات كبيرة، فإن المشكلة الوحيدة لتدفق الأموال في البلاد، تتمثل في «معضلة المصرف المركزي.. أعتقد أنه سيمكن التوصل إلى حل لهذه الأزمة. يوجد حوار مع طرابلس ونأمل في تسوية هذه المسألة، لأن الأموال أموال الليبيين، وهم في أمس الحاجة إليها خصوصا في هذه الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد».

ارتفاع سعر العملة الصعبة

ويقر الدكتور عوض عبد الصادق نائب رئيس المؤتمر الوطني في طرابلس بالمشكلات الكبيرة التي أصبحت تعاني منها العاصمة خصوصا في الجانب الاقتصادي.. «الوضع الاقتصادي للناس صعب جدا. المشكلات الاقتصادية وارتفاع سعر العملة الصعبة وافتقاد السيولة في المصارف وانقطاع التيار الكهربي كل هذه مشكلات تؤرق الليبيين». ويضيف لـ«المجلة» أن مجلس فايز السراج الرئاسي حين بدأ العمل من طرابلس في مارس (آذار) الماضي، علق الليبيون عليه آمالا كبيرة، لكن «الناس صدمت بالواقع ورأوا أن السراج عقد المشهد أكثر مما هو معقد».

وتعاني عملية الاستيراد من الخارج من صعوبات وعراقيل لأسباب كثيرة بعضها أمني وبعضها يتعلق بتراجع التدفقات المالية في المصرف المركزي وفي باقي البنوك، إلى جانب التجاذب السياسي بطبيعة الحال. ويقول فركاش إنه وفقا للإعلان الدستوري المعمول به في البلاد، وبحسب كل القوانين الليبية التي تنظيم تدفقات النفط وعوائده، فإنه لا يوجد أي بند في أي من هذه التشريعات يتحدث عن تقسيم النفط وأمواله بين المنطقية الشرقية والمنطقة الغربية.
ويضيف أن كل التشريعات القائمة في البلاد ما زالت تنص على أن إيرادات النفط لا بد أن تذهب إلى حساب واحد في المصرف المركزي، أما مسألة انقسام المصرف المركزي على نفسه، ما بين مصرف الكبير ومصرف الحبري، فإن هذا أمر لا بد أن يحسمه السياسيون، لأنهم هم من تسببوا بطريق مباشر أو غير مباشر في حالة الانقسام بين مصرف في طرابلس ومصرف في البيضاء.

ولا يحب كثير من المواطنين الليبيين الدخول في تفاصيل لا أول لها ولا آخر عن أسباب المشكلة الاقتصادية. وفي غرفة الضيافة في منزل أحد قيادات المنطقة الشرقية، تتجمع وفود قبلية بحثا عن حل للأزمة. ويقول أحد الحاضرين ممن قدم من منطقة «كمبوت» القريبة من طبرق، إن «الناس لا علاقة لهم بالسبب.. يريدون نتائج تحسن من حياتهم.. شح في الأرز وفي الزيت.. لا توجد أموال في البنك المحلي. الحياة متوقفة».

وتعتمد ليبيا على استيراد السلع من الخارج بنسبة تصل إلى أكثر من سبعين في المائة، بينما تعتمد إيرادات الدولة على عائدات النفط بنسبة تبلغ نحو تسعين في المائة.
القوانين المصرفية الحالية في البلاد، وبحسب فركاش أيضا، ما زالت كما تركها القذافي، وتنص على أن أموال تصدير النفط تذهب إلى المصرف المركزي ومقره الرئيسي طرابلس. لكن ماذا عن الواقع العملي على الأرض. فالبرلمان حتى الآن ما زال يصر على أن المصرف المركزي الشرعي يقع مقره في المنطقة الشرقية، وفي الوقت نفسه يتعامل المجتمع الدولي مع المصرف المركزي في طرابلس. ونتج عن هذه الخلفية كساد في الأسواق المحلية في شرق البلاد وغربها، وتراجع عمليات استيراد السلع، وغيرها.

المصرف المركزي الليبي

ويقول فركاش إن الانقسام في المصرف المركزي الليبي أمر موجود منذ قرار البرلمان بإقالة الصديق الكبير، لكن الرجل ظل مستمرا في ممارسة عمله. وفي مقابل ذلك اتخذ البرلمان إجراءات عملية هو الآخر، بأن قام بتسمية الحبري كرئيس للمصرف المركزي الليبي، لكن المشكلة اليوم التي تؤرق الليبيين هي كيف سيتم التعامل مع الأمر حين تبدأ تدفقات الأموال من عائدات النفط تأتي من الخارج. وبينما يجري البحث عن مخرج، لا يبدو أن الوقت يسير في صالح القيادات السياسية «بطيئة الحركة»، مقارنة بالتغيرات السريعة التي تحدثها الميليشيات المسلحة في العاصمة.

وتوجد مخاوف من أن يتعرض المصرف المركزي في طرابلس للاعتداء من هذه الميليشيات خصوصا بعد أن أصبح كل طرف يحشد ضد الآخر. طرف يوالي المؤتمر الوطني العام (البرلمان السابق) وحكومة الإنقاذ المنبثقة عنه برئاسة خليفة الغويل. وآخر يوالي السراج ومجلس الدولة.
وكل طرف من هذين الطرفين أصبح يسيطر منذ أواخر شهر أكتوبر (تشرين الأول) على قسم من ضواحي وشوارع العاصمة، ومما زاد الطين بلة أن مصير المصرف المركزي تأثر أيضا بعودة حكومة الغويل للعمل من جديد منذ الشهر الماضي. ولم يعد هذا المصرف محل تنازع بين مجلس السراج وبرلمان صالح فقط. فحتى الغويل ومؤتمره الوطني يرى أنه من حقه توجيه المصرف المركزي، ومراجعة عمله. ويقول عبد الصادق نائب رئيس المؤتمر: بصفتنا المؤتمر الوطني سنقوم بتقديم حلول عملية بعد أن ثبت فشل السراج في معالجة الأزمة الليبية.
ومن جانبه يوضح فركاش قائلا: «أصبحت توجد أسئلة كثيرة ليست لها إجابات ومفاتيحها في أيدي البرلمان والمجلس الرئاسي وباقي الأطراف المعنية. وأعتقد أن هذا سيكون محل جزء كبير من المشاورات فيما بينهم. لكن، عموما، الموضوع معقد»، مشيرا إلى أن استمرار تعثر الوضع المالي في البلاد، أصبح يضغط على كاهل المواطنين، ويثير الخوف والقلق من المستقبل. ويضيف أن سعر الدولار الذي كان في عهد القذافي لا يزيد على مائة وثلاثين قرشا، أصبح سعره اليوم خمسة أضعاف ما كان عليه، بالإضافة إلى تزايد حالة التضخم بشكل غير مسبوق. «للأسف.. لا توجد سيولة سواء الدينار أو الدولار.. حتى لو هذه السيولة موجودة وحتى لو الناس ذهبت للبنوك، فلا يوجد صرف أموال لأنه لا توجد سيولة».

Previous ArticleNext Article
عبد الستار حتيتة
كاتب وأديب وصحافي بجريدة الشرق الأوسط

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.