• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

اقتصاد, فورن أفيرز

يابان جديدة عام 2017 .. نموذج مثالي سيطرح أمام العالم

موظفات المبيعات خلال إطلاق اسيتان ميتسكوشي القابضة المحدودة ينحنين اجلالا واكبارا للعملاء خلال الترحيب بهم يوم 27 اكتوبر 2016 (غيتي)
موظفات المبيعات خلال إطلاق اسيتان ميتسكوشي القابضة المحدودة ينحنين اجلالا واكبارا للعملاء خلال الترحيب بهم يوم 27 اكتوبر 2016 (غيتي)
موظفات المبيعات خلال إطلاق اسيتان ميتسكوشي القابضة المحدودة ينحنين اجلالا واكبارا للعملاء خلال الترحيب بهم يوم 27 اكتوبر 2016 (غيتي)

إصلاحات جديدة وتعديلات في أساليب العمل لزيادة الإنتاج
•تشير إحصائيات مستخدمي تطبيق (سليب سايكل أن اليابانيين ينامون لمدة 5.52 ساعة في المتوسط كل ليلة وهو أدنى معدل بين 50 دولة

طوكيو: إدواردو كامبانيلا

لا يوجد موظفون في العالم يتمتعون بإخلاص لمرؤوسيهم مثل اليابانيين. تأتي الصحة البدنية والحياة العائلية وأوقات الفراغ جميعا في مرتبة تالية لنجاح الشركة التي يعمل بها الموظف الياباني. ولكن أصبحت الخسائر الاجتماعية والاقتصادية الناجمة عن أخلاقيات العمل الصارمة أكبر كثيرا من فوائدها، وقد أدركت الحكومة اليابانية تلك الحقيقة. بعد إجراء تغيير في حكومته في شهر أغسطس (آب)، وضع رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي إصلاحات «نظام العمل» في مقدمة أجندة السياسات التي يتبعها، مع التركيز على وضع حد أقصى لساعات العمل الطويلة في اليابان. قال آبي في مؤتمر صحافي عقد مؤخرا: «سوف نتعامل مع هذه المسألة بإرادة قوية بغض النظر عن أي شيء». يبدو تصميمه معقولا، ولكن قد يكون من الغريب أنه لأجل تنشيط الاقتصاد الراكد يجب أن يعمل الموظفون اليابانيون عدد ساعات أقل وأن يناموا ساعات أكثر.

شعب اليابان يعاني من قلة النوم

يعاني شعب اليابان من قلة النوم. تشير إحصائيات مستخدمي تطبيق (سليب سايكل) (دورة النوم) أن اليابانيين ينامون لمدة 5.52 ساعة في المتوسط كل ليلة، وهو أدنى معدل بين 50 دولة ويقل عن الحد الأدنى من النوم الذي يوصي به الأطباء وهو 7 ساعات. علاوة على ذلك، وفقا للاتحاد العالمي للنوم، ينام موظفو طوكيو عدد ساعات أقل من نظرائهم في نيويورك بـ36 دقيقة، وأقل من موظفي باريس بمقدار 54 دقيقة. نتيجة لذلك، ليس من الغريب أن ترى موظفين يابانيين نائمين وهم واقفون في المترو أو في العمل، إذ يقضي 13 في المائة من العمال اليابانيين أكثر من 50 ساعة أسبوعيا في العمل، وفقا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. في المقابل يفعل نحو 4 في المائة من نظرائهم الإيطاليين والألمان الشيء ذاته. ويقضي نحو 30 في المائة من الموظفين اليابانيين أكثر من 40 ساعة في العمل الإضافي شهريا، بل ويصل بعض المتخصصين في مجال تكنولوجيا المعلومات إلى أكثر من 80 ساعة من العمل الإضافي شهريا. بموجب القانون الحالي، لا يجب أن تتجاوز ساعات العمل الإضافي 45 ساعة شهريا، ولكن فعليا يُطلب من الموظفين تجاوز هذا الحد في الغالب حتى أصبح القانون بلا معنى.

كثرة العمل وتأثير ها السلبي على الاقتصاد

كشفت دراسة حديثة أصدرتها وزارة الصحة أنه تم إثبات وجود ساعات عمل إضافي غير قانونية في 4.790 من 8.530 محل عمل خضعوا للبحث. ويزيد الأمور سوءا أن العمل الإضافي يعد دليلا على الارتباط بالمؤسسة ونادرا ما تتم مكافأته ماليا. كذلك أيضا يتردد الموظفون في الاستفادة الكاملة من إجازتهم السنوية مدفوعة الأجر التي تبلغ عشرة أيام خوفا من اعتبارهم غير مخلصين لشركاتهم. ووفقا لوزارة الصحة والعمل والصناعة، يستفيد الموظف الياباني العادي من 48.8 في المائة فقط من إجازته السنوية مدفوعة الأجر. ويتسبب إدمان العمل في الإضرار بصحة القوى العاملة اليابانية. حتى أن هناك كلمة تعني الموت نتيجة كثرة العمل: «كاروشي». في عام 2015، ارتفع عدد الدعاوى القضائية الرسمية نتيجة كاروشي إلى رقم قياسي بلغ 1456 قضية بعد أن كان عددها 1181 في عام 2010. وتتعلق تلك القضايا غالبا بموظفين عملوا ساعات إضافية بلغت أكثر من 160 ساعة في الشهر وتوفوا نتيجة الإصابة بأزمة قلبية أو سكتة دماغية. في حالات أخرى، يدفع الضغط وعبء العمل الإضافي الموظفين اليابانيين إلى الانتحار. حتى وإن كان عدد قليل بالفعل يتوفى في العمل، تنتشر بكثرة الإصابة بأمراض القلب والأمراض العقلية بسبب أسلوب العمل غير الصحي.

تلقي كثرة العمل بتأثير سلبي على الاقتصاد أيضا. يقلل الحرمان من النوم من إنتاجية الموظفين، وليس بالضرورة أن تؤدي ساعات العمل الطويلة إلى تحقيق نتائج اقتصادية أفضل. في ساعة واحدة ينتج الموظف الياباني العادي 62 في المائة فقط من الناتج المحلي الإجمالي الذي ينتجه الموظف الأميركي العادي في الفترة الزمنية ذاتها. بالإضافة إلى ذلك، تجعل ساعات العمل الطويلة جدا إنجاب الأطفال أو العناية بكبار السن مهام أقرب إلى المستحيل، مما يمنع النساء من الالتحاق بالقوى العاملة. ووفقا للبنك الدولي، يبلغ معدل مشاركة المرأة في اليابان 48 في المائة، وهي نسبة تقل عن معدل مشاركتها في ألمانيا بنحو 25 في المائة. ويساعد عدم وجود توازن ملائم بين الحياة والعمل في تدني معدلات الخصوبة بين القوى العاملة اليابانية. وأخيرا يبتعد أبناء الألفية الجديدة المهتمون بالتمتع بأوقات فراغهم قدر الإمكان عن العمل في الشركات الكبرى، مما يزيد من إهمال نماذج الشركات التقليدية وتعريض وظائف من يعملون بها إلى الخطر بطريقة غير مباشرة.

تغيير العقليات

تستمر المفاوضات من أجل وضع قيود صارمة على وقت العمل الإضافي منذ عامين تقريبا، ولكنها لم تحقق نتائج حتى الآن بسبب عرقلة الشركات اليابانية الكبرى للمناقشات وعدم الالتزام من جانب الحكومة. ولكن في الوقت الحالي، في جزء من مجموعة واسعة من الإصلاحات التي تستهدف زيادة الإنتاجية، يضغط آبي من أجل تغيير حقيقي وسوف يرأس هيئة – تعرف باسم مجلس «تحقيق إصلاحات أسلوب العمل» – مسؤولة عن تقديم اقتراح ملموس لإحكام قواعد العمل الإضافي بحلول شهر مارس (آذار) عام 2017 كنموذج مثالي سيطرح أمام العالم،حيث يضع حد أقصى معقول لساعات العمل، والسماح باستثناءات قليلة، ووضع عقوبات على الشركات المخالفة، خطوات مهمة في الاتجاه الصحيح.
الأمر المؤكد هو أنه سينبغي على آبي استغلال قدر كبير من رأسماله السياسي من أجل تنفيذ إصلاحات كبيرة، حيث إن العمال لهم ممثل واحد في المجلس المكون من 23 عضوا، بينما إدارة الشركات لها ثلاثة ممثلين. في الوقت ذاته، تتخذ الحكومات المحلية بالفعل إجراءات تخص موظفيهم. استحدثت يوريكو كويكي، حاكمة طوكيو: «فرق منع العمل الإضافي» في كل إدارة في حكومة العاصمة وهي مكلفة بإجبار الموظفين على مغادرة مكاتبهم في الساعة الثامنة مساء، والإبلاغ عن الموظفين الذين يمكثون لفترات طويلة. وتدفع كويكي أيضا من أجل تمرير تشريع يجبر موظفي القطاع العام داخل نطاق سلطتها على الاستفادة من إجازاتهم بالكامل. ويتعاون عُمَد المدن اليابانية الرئيسية في تطبيق إجراءات تساعد موظفي الحكومة على تحقيق التوازن بين العمل ورعاية الأطفال، ومنها التشجيع على منح إجازة رعاية أسرة للآباء واستحداث أيام ممنوع فيها العمل الإضافي. ويجب أن يتحول هذا النهج الجديد في الحياة المهنية إلى نموذج يطبق على جميع أنحاء البلاد.

ومع ذلك لن يتم تنفيذ إطار عمل قانوني مبتكر من دون تغيير عقلية كل من الموظفين وأصحاب العمل، لا سيما في القطاع الخاص حيث من الأصعب تنفيذ قواعد صارمة على العمل الإضافي. يجب أن يدرك أصحاب الأعمال أن ساعات العمل الطويلة ربما تعرقل الإنتاجية. وبدلا من الضغط على مواردهم البشرية القليلة، يجب أن يستخدموها بكفاءة أكبر وأن يغيروا حوافزهم. يجب أن تصبح المكافأة المالية للموظفين الذين يحققون أهدافا محددة مسبقا من دون ساعات عمل إضافي، مع معاقبة المديرين الذين يجبرون مرؤوسيهم على البقاء في العمل لأوقات متأخرة، ممارسات شائعة في العمل.

في الوقت ذاته، يجب أن يعيد الموظفون التفكير في رؤيتهم للإخلاص المهني. في المعتاد، يعمل اليابانيون حتى وقت متأخر بسبب شعورهم بتأدية نوع من الواجب الأخلاقي. أو أنهم يأملون في زيادة فرصهم في الترقية إذا استمروا في العمل لفترات أطول من زملائهم أو مثل رؤسائهم. يجب أن تناقش الاتحادات التجارية مع أصحاب الأعمال تحسين التوازن بين الحياة والعمل، وإعادة تصميم أخلاقيات العمل اليابانية الراسخة، ومنع التسابق نحو القاع بين زملاء العمل.
لن تحل زيادة ساعات النوم التحديات الاقتصادية التي تواجهها اليابان. ولكنها سوف تساعد على زيادة الإنتاجية ودعم القوى العاملة عن طريق مشاركة نسائية أكبر وارتفاع معدلات الخصوبة، مما يعزز الناتج المحلي الإجمالي بدفعة أكبر من أي محفزات نقدية إضافية.

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.